إبراهيم الملا (الشارقة)

«الريح بعيدة عن البحيرة، على شكل بتلة.
ذيول حديقة الملهى تتحاشى المخطط العابث لموضعنا لو كنّا هنا.
ها وقد أّخرجنا عن أطوارنا.
أخال أن الطريق هنا قريبة جداً، ومحتشدة»
هكذا تأخذنا قصائد الشاعر الأميركي «جون أشبري» (1927 2017) إلى حيث يكون التحقّق خديعة، والنزهة مع الشعر خطرة، ومقترنة بالجسارة، بالمرارات التي تفوح أيضاً، وباللذة المشتعلة دون وعد.
ينقل الشاعر السعودي غسان الخنيزي قصائد أشبري للمرة الأولى إلى اللغة العربية، في كتاب صادر حديثاً عن دار كلمات بمعرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته السابعة والثلاثين، وتأتي هذه الترجمة المتأخرة كبادرة تعويضية للقارئ العربي عندما يتعلق الأمر بشاعر وصفه الناقد هارولد بلوم بأنه: «الأدعى للنجاة في امتحان الزمن بين كتّاب الشعر بالإنجليزية كافة»، وقال عنه الروائي الأميركي الشهير: «لا أحد يكتب الشعر مثل آشبري».
ويبدو أن رحلة ترجمة قصائده إلى العربية بالنسبة للخنيزي كانت محفوفة بالمغامرة والرهبة، بالإرهاق والافتتان أيضا، وهو الذي يصف هذه الرحلة الشاقة في مقدمة الكتاب بأنها مليئة بالتحديات، وتطلبت منه الاطلاع على أكثر من ثلاثة آلاف صفحة توفّر بعضها ورقياً، والآخر إلكترونياً، ليختار من ضمنها عينات ونماذج قليلة من أعماله واشتغالاته.
ويقول الخنيزي: «شدّني في قصائد آشبري ذلك السحر والدهشة والمتعة والرضا، وما يقدمه من ثراء في التخليق الصوري، والتراكيب اللغوية السيّالة، والزخم المعتمد على التلميح والمداورة وتعدد المرجعيات، فهي أشبه بنصوص مفتوحة على السماء الشاسعة للمعنى، بنَفَس غنائي حميمي، جامع ومشترك، فيه زهو التمكّن وتواضع الروح».
وعن اختياره لعنوان: «صورة ذاتية في مرآة محدبة» كي تتصدر غلاف الكتاب، يشير الخنيزي إلى أن هذا الديوان الذي أصدره آشبري في العام 1975 حسب مجلة الشعر الأميركية يعتبر نقطة تحول في حياة الشاعر وفي تاريخ الشعر الأميركي في القرن العشرين، فقد رُحّب فوراً بالقصيدة التي منحت الديوان عنوانه، بسبب ابتكاراتها البنيوية والفلسفية، حيث يوظف الشاعر خبرته كناقد فني، في قصيدة تحاكي في خطابها مقالة تناقش لوحة تحمل العنوان ذاته لفنان عصر النهضة في إيطاليا بارماجيانينو رسمها في العام 1524.
رحل آشبري عن عالمنا العام الماضي، بعد أن أكمل ما يناهز الستة عقود من الحضور الشعري المستمر، أصدر خلالها نحو ثلاثين كتاباً، ومُنح كل الجوائز الشعرية المهمة وجرى تكريمه والاحتفاء به، فتحول كما يصفه محبوه إلى أيقونة لا يخبو بريقها.
ومن الكتب اللافتة بالمعرض الإصدار الجديد للباحث الأنثروبولوجي الفرنسي دافيد لوبروتون بعنوان: «تجربة الألم.. بين التحطيم والانبعاث» الذي تولت نشره دار توبقال للنشر في المغرب، ونقلها للعربية فريد الزاهي، الذي يشير في المقدمة إلى ضرورة نقل المنتجات المعرفية من لغة إلى أخرى واختيار النصوص التي تطرح أسئلة جديدة، وتسلّط الضوء على مجالات منسيّة أو مكبوتة أو مهمّشة في الثقافة الذاتية للمترجم، بحيث تغدو تلك النصوص المترجمة مرجعية في ثقافته وتخلق دينامية مختلفة في البحث والدراسة والسؤال المعرفي.
يتناول كتاب لوبرتون الألم الجسدي الناتج عن المرض، أو التعرّض لحادثة، إلى العذاب النفسي الذي يهدّد هوية الفرد، ويحلل لوبرتون ظاهرة نعيشها في اليومي من غير أن نعيرها اهتماماً، وذلك عندما نخوض في تجارب الألم باعتبارها تحطيما للشخص كي نقارب أنواع الألم التي يشعر بها الآخرون.
ويتطرق الكتاب لوسائل تملّك الألم وضبطه وترويضه، من المرض إلى الرياضة، ومن هذه الأخيرة إلى الفن، ليأخذنا الكتاب بعد ذلك إلى رحلة تحليلية لنجد أنفسنا أمام الجسور التي تبني النفس والجسد، وتحوّل الألم إلى طريقة أخرى للتفكير فيه، وتغييره من المحسوس إلى المعقول، والتواطؤ معه للوصول إلى عالم مختلف، يتوسّع فيه المعنى، وتتجلّى فيه القيم.