الاتحاد

تقارير

فيلم يفضح أسرار تفجير بنغازي

قد لا يُكتب للفيلم القصير الذي أخرجه «مايكل باي» تحت عنوان «13 ساعة: الجنود السرّيون في بنغازي»، الفوز بجائزة أفضل فيلم لعام 2016، إلا أن في وسعه أن يثبت على أقل تقدير أنه كان الأكثر إثارة للجدل. ولقد تم إطلاقه هذا الأسبوع، ويبلغ طوله دقيقتان ونصف فقط. وهو الذي أثار حفيظة المنتقدين ممن استنكروا قِصر مدته بحيث لم يتمكنوا من مشاهدة الكثير من الأحداث التي كانوا ينتظرونها فيه.
ويتعرض «باي» في شريطه القصير لحادث الهجوم على المقر الدبلوماسي الأميركي في مدينة بنغازي الليبية عام 2012، الذي أدى إلى مقتل 4 أميركيين من بينهم السفير الأميركي «كريستوفر ستيفنس». وربما يشير قصر الفيلم إلى أن «باي» حاول من خلاله تصغير وتقزيم الأحداث المؤلمة التي شهدتها بنغازي وتصويرها على أنها لا تعدو أن تكون مجرد سرد يهدف إلى إشباع الغرائز العاطفية.
وقال أحد النقّاد: «إن الأميركيين مهتمّون بالاطلاع على حقيقة ما حدث في بنغازي، وهذا من حقهم. فقد كان حدثاً مؤثراً في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولكنّه تعرض للكثير من التشويش والتحريف والإخضاع لنظرية المؤامرة خلال السنوات الثلاث التي انقضت على حدوثه. وبات على الأميركيين أن يقوموا الآن بعمليات فرز معقدة حتى يتعرفوا على الحقيقة».
ويحكي الفيلم قصة ستة جنود أميركيين شجعان اندفعوا بعزيمة الأبطال لمساعدة موظفي القنصلية الأميركية في الأوقات العصيبة التي تعرضت لها عقب الهجوم الإرهابي.
وهؤلاء الجنود الستة كانوا جميعاً من الموظفين أو المتعاقدين، الذين يعملون ضمن «الفريق الدولي للطوارئ» التابع لوكالة المخابرات المركزية «سي آي إيه»، ويصفهم الكتاب الذي استقى منه «باي» فكرة الفيلم، بأنهم «الحرّاس الشخصيون للجواسيس والدبلوماسيين والموظفين الأميركيين». ويمكنني أن أزعم وفقاً لهذا التوصيف بأنهم لم يفعلوا شيئاً أكثر من العمل المطلوب منهم. وطالما أننا بصدد الحديث عن أعمال «مايكل باي»، فلابد لنا أن نتوقع من الفيلم أن يكون مشحوناً بحوادث المطاردة وإطلاق النار والانفجارات!
وهناك اعتبارات سياسية إضافية تتعلق بالتأثير الكامن في اختيار وقت إطلاق الفيلم وعلاقته بالدورة الانتخابية التشريعية والرئاسية المقبلة، خاصة أن عرضه يأتي قبل وقت قصير من انطلاق مؤتمرات الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري» استعداداً للانتخابات التمهيدية والسباق إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2016.
ومن الغريب أن كتاب «13 ساعة» الذي استقى منه «باي» فيلمه القصير، لا يتطرق لذكر هيلاري كلينتون (التي كانت وزيرة الخارجية وقت الهجوم) إلا لماماً وفي آخر صفحاته، وبما يوحي بمحاولة التخفيف من مسؤولية وزارة الخارجية عما حدث، التي أثارت الكثير من الجدل في الأوساط السياسية الأميركية وعند عامة الناس.
ومن جهة أخرى، أصبحت الثقافة العامة الشائعة هذه الأيام في أميركا مفعمة بالسياسات الانتخابية إلى الدرجة، التي تجعل كل شيء ممكناً. وبدا وكأن بعض منتقدي هيلاري كلينتون شعروا بالسعادة عندما علموا بأن هذا الفيلم على وشك العرض أمام عامة الناس، حتى أن صحيفة «نيويورك بوست» كتبت بالخط العريض عنواناً لعمود يقول: «هذا هو الفيلم الذي يتحتم على هيلاري كلينتون أن تقلق منه جداً جداً».
ويمكن أن يستشفّ المرء من خلال متابعة التغريدات المنشورة على «تويتر» حول فيلم «13 ساعة» أنه سيساهم في رجحان كفة خصوم كلينتون. إلا أن الفيلم بحد ذاته لا يمكنه التأثير على الناخبين ما لم تتسنَ لهم فرصة مشاهدته.
وتتوقع مرجعيات خبيرة ألا يكون عدد مشاهديه كبيراً.
على أن الانتقادات الموجهة إلى الفيلم يبدو في نظري أنها قد أصابت نصف الحقيقة فحسب، وذلك لأن ليبيا تستحق أن تُعامل في أدبياتنا السياسية المحافظة على أساس أنها مكان خطير. ولم يكن هذا الخطر كامناً في بنغازي وحدها، بل في ليبيا كلها بعد أن قادت الولايات المتحدة حرب التحالف التي عجّلت بسقوط حكم القذافي. وما لبثت «داعش» أن اغتنم الفرصة وظهر على المسرح ليملأ الفراغ السياسي الذي نتج عن سقوط النظام. والآن، توجد في ليبيا حكومتان، إحداهما في طرابلس غير معترف بها دولياً.
وهذا الأسبوع، أصدرت إحدى المحاكم التابعة لها حكماً على سيف الإسلام القذافي بالإعدام، ولكنه الآن حبيس في سجن تابع لفصيل آخر!. وفي تعليق لها حول الأوضاع في ليبيا، قالت مجلة «إيكونوميست» البريطانية: «لم تعد ليبيا تشكل دولة على الإطلاق».
ولست أدري لماذا يجب إلقاء عبء عجزنا عن مناقشة الحالة الكارثية، التي قادتنا إليها السياسة الأميركية على كاهل «مايكل باي» وحده.

ستيفن كارتر
أستاذ القانون في جامعة «ييل»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا