الاتحاد

تقارير

انحسار دبلوماسية الغاز الطبيعي!

يرى المنتقدون أن شركة إنتاج الغاز الطبيعي الروسية «غازبروم» المملوكة للدولة تعاني من نتائج سنوات من سوء الإدارة والتسيير ومحاولة التوسع والتضخم على خلفية سياسية بحتة. ومن المتوقع أن تنخفض عوائدها لهذا العام إلى أدنى مستوى في تاريخها فيما دخلت مشاريعها لمدّ خطوط الأنابيب الجديدة مرحلة صعبة، كما أنها لا تؤدي عملها على النحو الجيد مع أوروبا التي تعد سوقها الواعدة هي الأكثر أهمية وضخامة.
وفي شهر يونيو 2008، عندما بلغت قيمتها السوقية 360 مليار دولار، توقع مديرها العام التنفيذي «ألكسي ميلير» أن تصبح هي أضخم شركة في العالم من دون منازع، وأن ترتفع قيمتها السوقية إلى تريليون دولار (1000 مليار دولار) خلال سبع أو ثماني سنوات.
و«ميلير» هذا، الذي سبق له أن عمل مع فلاديمير بوتين في مكتب الحاكم لمدينة «بيترسبورج» في عقد التسعينيات، كثيراً ما كان يعبر عن افتخاره بالمنجزات التي حققها بعد فترة من تقلده لمنصبه في الشركة عام 2001. وقد تمكن من استعادة الأصول المهمة للشركة التي جرّدها منها مديروها السابقون، وعمد إلى زيادة إنتاجها ورفع عوائدها السنوية إلى 94 مليار دولار بعد أن كانت لا تزيد عن 21 مليار دولار. ولم يكن يستحق اللوم عن الشكوك التي ساورته من أن هذه الظروف ستبقى على حالها.
ولكنّه كان مخطئاً بالفعل. وبعد سبع سنوات من إطلاقه لنبوءاته المتفائلة تلك، هبطت القيمة السوقية للشركة إلى 55 مليار دولار، حتى أنها لم تعد مُدرجة في قائمة أضخم 100 شركة في العالم، وربما أصبحت أكثر شبهاً بسمكة تتخبط خارج مياهها.
وخلال هذا الأسبوع، توقع وزير الاقتصاد الروسي أن ينخفض إنتاج «غازبروم» إلى 414 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وهو الأدنى على الإطلاق، ولا يزيد عن ثلث طاقتها الإنتاجية الحقيقية. وكانت الشركة تعوّل على النمو في مجالين رئيسين، الاستهلاك المحلي والتصدير، إلا أن الاستهلاك الروسي انخفض بسبب الركود الذي يعاني منه الاقتصاد، فيما تقلصت الصادرات الخارجية لأن أوروبا التي تعدّ الزبون الأول للشركة، فضلت انتهاج سياسة تنويع مصادرها من الطاقة. وفي عام 2014، بلغت صادرات الشركة 90 مليار متر مكعب أو أقل من صادراتها عام 2008.
وجاء أيضاً في النسخة الروسية من مجلة «فوربس» أن الشركات التي يمتلكها شركاء مستفيدون من «غازبروم» حققت أرباحاً بلغت حتى الآن 1,9 مليار دولار لقاء الاستثمار في مشروع «ساوث ستريم» المتعثّر لمدّ أنابيب نقل الغاز الروسي إلى دول جنوب أوروبا من دون المرور عبر أوكرانيا. ويمكن أن يتم إلغاء العمل بهذا المشروع لو تم الاتفاق على تنفيذ مشروع «توركيش ستريم» لمد الأنابيب إلى جنوب أوروبا عبر تركيا. إلا أن مفاوضات «غازبروم» مع شركة «بوتاس» التركية للغاز لم تؤدِّ إلى عقد صفقة للاتفاق على المشروع.
وكثيراً ما عبرت أوروبا عن خوفها من الدور السياسي الذي تلعبه «غازبروم» وخاصة بسبب مساهمتها في محاولة إخضاع أوكرانيا وإبقائها تحت مظلة النفوذ الروسي. وقد عمدت أوكرانيا ذاتها إلى بذل جهود كبيرة لتنويع مصادر الطاقة التي تحتاجها. وخلال العام الماضي، زادت من حجم وارداتها من الغاز الأوروبي بنسبة 28 في المئة عما كانت عليه عام 2013. وتأتي هذه الزيادة كنتيجة للتوسع غير المحسوب لشركة «غازبروم» بعد أن أصبحت تضخّ من الغاز إلى ألمانيا أكثر مما يحتاجه الألمان والدول المجاورة وبما سمح لهم بتصدير الفائض إلى أوكرانيا.
وخلال العام الماضي (2014)، بلغت نسبة مشاركة «غازبروم» في العوائد الحكومية الروسية 9 في المئة. إلا أنها تعاني الآن من تحديات على مختلف الأصعدة لعل من أهمها انخفاض أسعار الغاز، وتراجع الطلب، فضلاً عن الشكوك السياسية غير المحبذة التي تسيء لسمعتها.

ليونيد بيرشيدسكي *
* كاتب روسي مقيم في برلين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا