الاتحاد

تقارير

بين العقال العربي والطربوش العثماني

الإمارات وتركيا لاعبان مؤثران في منطقة الشرق الأوسط المضطربة، فعلى الرغم من البعد التاريخي للعلاقات بين العرب والأتراك، إلا أن العلاقات الرسمية بين الطرفين الإماراتي والتركي تعود إلى 1976. ولطالما كان العامل الاقتصادي الركيزة الأساسية للعلاقة بين الطرفين، الذي بدوره لم يختبر إلا مع أحداث وتطورات «الربيع العربي»؛ لأنه لم يكن هناك تضارب في الرؤى والأسس الأمنية للطرفين، بل كانت هناك متغيرات إقليمية ودولية ساندة للعامل الاقتصادي، وتناغم تركيا مع الدور الأميركي في أمن وحروب الخليج عدا حرب العراق 2003. ومن فرط اهتمام أنقرة بالعامل الاقتصادي طرحت رؤيتها الخاصة بربط العلاقات الاقتصادية بالأمن، حيث يُصبح زخم العلاقات الاقتصادية رادعاً متبادلًا للدول في صراعاتها في الشرق الأوسط، وهذه الرؤية خرجت بعد تحرير الكويت 1991.
بعد مرور ست سنوات على تطور العلاقات التركية الإسرائيلية لغايات أمنية متبادلة في مسألة الأكراد ووقف ملف الإبادة الأرمنية و«حماس»، وصل حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا 2002 برؤية جديدة أكثر انفتاحاً مع الدول العربية والعالم الإسلامي، التي تُكسبهُ القدرة على خلق نفوذ عبر نموذج حزب العدالة والتنمية وتصديرهُ لبعض الأنظمة العربية، الذي يترتب عليه خلق تبعية لأنقرة، وكانت البداية بأنها -أنقرة- وجدت حراكاً سياسياً جديداً بين محور الممانعة والاعتدال.
ومع «الربيع العربي» إلى اليوم، أطل الطربوش العثماني محاولاً خلق محور له عبر «الإخوان المسلمين» والتيارات والمليشيات الإسلامية السنية، وهو مسار سياسي عقدي يحاكي به القوة الإيرانية في اللعب بالوطن العربي، فطهران تقود أتباعها بالبعد المذهبي الشيعي باستثناء «حماس» وبعض الموارنة بلبنان.
هذا قاد إلى تراجع العلاقات الإماراتية التركية، الذي يمكن أن نطلق عليه أنه تصادم بين العقال العربي الإماراتي والطربوش العثماني، فالعقال العربي بقيادة أبوظبي يتمثل في إطار سياسي أمني متميز دون السياسات العربية الأخرى، وهو يسعى لاستقرار الوطن العربي بعيداً عمن يلعب بمكوناتهِ العقائدية وتطلعاتهِ ومستقبلهِ.
وبدأت صور متعددة من التضارب بين العقال الإماراتي والطربوش التركي، كسقوط سلطة «الإخوان المسلمين» في مصر، مع توقف الاستثمارات، إلى جانب مواقف متناقضة في سياسات وتصريحات تركيا باحتضانها ودعمها لجماعات من «الإخوان المسلمين» على أرضها، في حين تثار بأي اتصال عربي مع المعارضة التركية كجماعة فتح الله، وعند السماح لنفسها بانتقاد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في مقر الأمم المتحدة سبتمبر 2014، كانت مستاءة من بعض الدول العربية ومنها الإمارات بسبب خسارتها في انتخابات أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين.
فالرؤية الإماراتية لأمن الوطن العربي تندرج حول حقيقة أن التيارات والأحزاب والمليشيات الإسلامية ستزيد من عدم استقرار الوطن العربي وستُضيع مستقبل المنطقة في صراعات وسياسات طويلة الأمد، أقل ما يقال عنها إنها ستؤدي لبروز الهويات الدينية والاجتماعية والعقدية في صراعات وصدامات مسلحة تستنزف القدرات الاقتصادية وتتسع معها رقعة الانفلات الأمني. في حين ترى تركيا بهذه الجماعات الدينية نفوذاً لطربوشها العثماني في الشرق الأوسط، كما تفعل عمائم الملالي الإيرانية. وزاد من تباعد الرؤى الأمنية تساهل أنقرة في ضبط حدودها مع سوريا والعراق الذي أتاح فرصة لتنظيم «داعش»، حيث صُدرت الآثار وأدخلت أقدام المتطرفين، وتدفقت الأسلحة إلى سوريا والعراق، مع دعم التيارات الإسلامية في ليبيا.
ألم يحن الوقت للطربوش العثماني لإعادة حساباتهِ ورؤيتهِ الأمنية مع العقال العربي الإماراتي، فحتى وقتنا المعاصر، فإن استخدام القاعدة التركية إنجرليك للتصدي لتنظيم «داعش» يحمل بعداً آخر في القضية الكردية في سوريا والعراق، فقد أصبحت أنقرة جغرافياً في خطر من استمرار الثورة السورية الدامية بالتطرف الديني والنزعة القومية الكردية المتمددة مع وضع العراق الطائفي المزري، وأصبحت تركيا تركز دعمها على تنظيم «جيش الفتح» كخيار صنعهُ الوضع السوري القائم مع مقتضيات الأمن التركي.
فمسار العقال الإماراتي يتحرك نحو أهداف عربية خالصة في تحقيق الأمن والاستقرار بعيداً عن أطماع خاصة، أما الطربوش التركي وعمائم الملالي فكلاهما يلعب في ساحة الوطن العربي ليأخذ مكانة دولية مهمة تعكس مصالحهُ بصورة براجماتية عالية على حساب المنطقة العربية.
ويبقى الوضع العربي الراهن يواجه الطربوش العثماني والعمائم الملالية في ظل تعدد العُقُل العربية السياسية، وهنا من منطلقات إعادة الاستقرار في بعض الأقطار العربية، فإن العقال العربي الإماراتي أكثر إدراكاً وتحركاً وحرصاً على أمن المنطقة العربية ومستقبلها.

حميد المنصوري*
* كاتب ومحلل سياسي

اقرأ أيضا