صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

طعن الوطنية

مسجد في تونس لوحة من العام 1899

مسجد في تونس لوحة من العام 1899

خليفة شاطر*
ترجمة: د. المعزّ الوهايبي

نظراً إلى استفاضة هذا المقال، للمؤرّخ التونسيّ المرموق خليفة شاطر، في طرح المسألة الماسونيّة في تونس ممّا جعل منه مقالاً مطوّلاً نسبيّاً؛ فإنّنا نكتفي بأن ننقل بعض المقتطفات منه، باللّسان الفرنسيّ، عسى أن تسهم هذه الفقرات في تسليط الضّوء على التّواجد الماسوني بتونس في فترة الاستعمار الفرنسيّ، تخصيصاً. ولا بدّ أن ننوّه ببعض الملاحظات منها أنّ الكاتب يستخدم التّسمية الأصليّة وهو يتناول المنظّمة الماسونيّة فيسوق، وهو يتحدّث عن هذه المنظّمة، العبارة التي يقابلها في اللّسان العربيّ «البناء - الحرّ»؛ لكنّنا آثرنا أن نستعمل مصطلح «الماسونيّة» في تناغم مع استخدامه الشّائع على أيّامنا هذه. ولا بدّ أن ننوّه بما يتميّز به المؤرّخ خليفة شاطر (مختصّ في التّاريخ الحديث لتونس) من سمعة علميّة في أوساط الجامعة التّونسيّة وفي كثير من جامعات العالَم.

من الواضح أنّ المغامرة الماسونيّة قد أعقبت المغامرة الاستعماريّة؛ فولادة الماسونيّة في الإيالة التونسيّة تعود إلى فترة ما قبل الاستعمار. لكن الحركة ظلّت متواضعة جدّاً قبل انتصاب الحماية (1881). ونشاهد، منذئذ، تنامياً بطيئاً ومطّرداً للماسونيّة المحلّية، وهي تضم موظّفين ومستوطنين فرنسيين أساساً. ولقد تطوّر الوضع على نحو جيّد نحو 1930، هذا التاريخ المرجعي الذي يسم ذروة النسق الاستعماري، كما يسم ما استثاره من ردّة فعل تفسّر ظاهرة الرفض الوطنيّ. ولقد تعدّدت المحافل وهي تستنبت الفكر الماسوني في «شبكات استعماريّة» فاستطاعت أن تستفيد من قدْر من الدّعم من لدن سلطات الحماية، حيث السّكّان المستهدَفون كانوا قد تكوّنوا أساساً على يد فرنسيين.

الهيمنة الفرنسيّة
تسمح بعض الوثائق المتفرّقة بأن نعرف تقريباً مصادر الماسونيّة بتونس. فلقد تكوّن محفل «قرطاج الجديدة» من ماسونيين فرنسيين؛ لا محالة؛ وهو محفل تعايش، أثناء تأسيسه في 1885، مع محفلين إيطاليين ومع محفل إنجليزيّ. ومن المعلوم أنّ المحفل «قرطاج الجديدة» يتبع «للشرّق الكبير لفرنسا» [تأسّس سنة 1773]. وهناك ثنائيّة بين القول والأفعال؛ فلقد استنكر الماسوني نيناز Nunez، في 1907، تصرّفات محفل «قرطاج الجديدة» الذي لا يرفض رسميّاً مطالب الأجانب، غير الفرنسيين، لكن يغلق الباب في وجوههم عمليّاً [من نصّ مسجّل في 18 سبتمبر 1907 بأرشيف الشّرق الكبير لفرنسا، انظر Charles Porset, Les Cahiers de l’Orient]. وهناك وضعيّة مشابهة؛ فالمحفل الفرنسيّ «الإرادة»، تحت إشراف المحفل الكبير لفرنسا، يدافع، طبقاً لنظامه الداخليّ، عن «دخول من ليسوا فرنسيين» [نفس المصدر]. وهذا ما يفسّر تورّط قياديه في الدّفاع عن امتيازات الاستعمار الفرنسيّ. فلقد طالب ديكلوس Duclos، وهو يشغل مناصب سامية بمحفل «قرطاج الجديدة»، في النّدوة الاستشاريّة لتونس، في 1911، بـ«تأسيس مجلس كولونيالي منتخب عبر التّصويت العامّ، وأن يكون للأعضاء ـ هم فرنسيّون حصراً ـ سلطات تقريريّة»[انظر أريك أندوز Eric Anduze, la franc-maçonnerie au Moyen-Orient et au Maghreb, fin du XIXe-d2but XXe siècles, Paris, L’Harmattan, 2005]. ولنلاحظ، عندئذ، انشغال ديكلوس بأن «يجتذب يهوداً وسكّاناً أصليين مثقّفين جيّداً، ويتمتّعون بفكر راق ومتسامح»[نفس المصدر]. لكن إرادة الانفتاح هذه ـ وهي في إطار أبوّة استعماريّة! ـ قد فشلت، لدى الماسونيين، بسبب «نبذ الأحكام المسبقة حول الأعراق» التي كان ديكلوس نفسه يستنكرها [نفس المصدر]. واستمرّ الوضع على حاله.

المثاليّة والممارسة
يقينا أنّ الماسونيّة ليست «منتدى ولا هي كنيسة». لكن هذا التّنظيم المسارريّ يسعى إلى أن يبرز رؤيته للعالَم، وفلسفته الإنسانويّة، ونموذجه السّياسيّ والأخلاقيّ المثاليّ:«التّفكير الجيّد، والقول الجيّد، والتّدبير الجيّد؛ فالسّعي في طلب الحقيقة؛ ثمّ تلقين تطبيق أفكار الحرّية والمساواة والأخوّة في المعابد، من أجل وضعها حيّز العمل في الحياة الدّنيا؛ فالمساعدة على التّطوير المطّرد للإنسانيّة بوساطة الدراسة النظريّة لكلّ المشاكل الاجتماعيّة والأخلاقيّة الكبرى، وبواسطة المقالات والكتب، تلك هي الواجبات التي تأمر بها الماسونيّة كلّ أعضائها» [الفصل الأوّل من دستور الماسونيّة]. والنّموذج المثاليّ للماسونيّة يتحدّد هكذا، كان يتوجّس خيفة من المسألة الاستعماريّة، نظراً إلى عدم التّناسب بين الخطابات المؤسّسة والممارسة التّمييزيّة على الأرض، بين النّظام الصّوريّ و/‏أو الفعّال وبين «التّبعيّة الأهليّة» ومشروعيّة امتيازات الفرنسيين. من هنا، لم يكن بالإمكان إغفال المسألة الاستعماريّة من قبَل النّخب على مستوى رئاسة المحافل بسبب دواخل الإمبراطوريّة، وبخاصّة من قبَل محافل ماسونيي تونس،«المتضامنة»، بالفعل، مع نظام الحماية الذي يوفّر لهم وضعاً مميّزاً في صميم السكّان الأصليين. ويثير هذه الازدواجيّة تحريرُ تقرير تحت عنوان «مستعمرات في ديمقراطيّة» من قبَل المؤتمر الماسونيّ للمحفل الكبير، في 1927. ومن ناحية أخرى، فإنّ معظم المحافل قد أبرزت هذا التّناقض بين المثاليّة الدّيمقراطيّة والمؤسّسة الاستعماريّة [انظر جويل روبينار Joëlle Robinard, La franc-maçonnerie et la colonisation sous la IIIe République (1904-1936), Aix-en-Provence, faculté des de Lettres et de Sciences Humaines, 1971].
هناك ملاحظة أوّليّة، وهي أنّه من الصّعب استخراج موقف توافقيّ بين المحافل الماسونيّة بشأن المسألة الاستعماريّة، نظراً إلى «الحالة المتفتّتة، المتفجّرة للفضاء الاجتماعي الماسونيّ» [انظر سيباستيان غالسيران Sébastien Galceran, Les Franc-maçonneries, Paris, La découverte]. إنّنا نميّز، بدءا، الماسونيين الكبار الذين ينكرون الفعل الاستعماريّ والذين يتصرّفون بحسب انتماءاتهم السّياسيّة. فلا يتوصّلون إلى أن يصالحوا بين «الخطاب المتحضّر للاستعمار» وبين «ما يقوم الغزو بنهبه مع الاستغلال الاستعماريّ ». وهو ما يفسّر تردّدهم، ومواقفهم الملتبسة والتحاقهم الفعليّ بماسونيي المستعمرات [انظر مذكّرة النّقاط الثلاث عشر للمؤتمر الماسونيّ للمحفل الكبير. تقرير قامت بدراسته جويل روبينار، مصدر سابق]. ومن المؤكّد أنّ أعضاء محافل تونس أكثر تورّطاً في التّصرّفات الاستعماريّة. هاهنا، لا بدّ من الحذر، لأنّه ينبغي أن نأخذ في الاعتبار التّركيبة الاجتماعيّة (فرنسيّون أصليّون، ومتجنّسون جُدد) والمهنيّة (معمّرون، وموظّفون في الإدارة، ومدرّسون) والاختلاف الإيديولوجيّ والقرابات الشّخصيّة. فكلّ نظرة اختزاليّة تكون خادعة على مسرح تونسيّ هو مرتع لمطامع المهيمنين، المنشغلين بإفشال المطالب الوطنيّة الوليدة. في هذا الظّرف من المواجهة، تحاول أقلّية من الأصوات المعزولة أن تُهَذب التّصرّفات الاستعماريّة، إن لم يكن كبح التّوسّع الاستعماريّ. ومن بين هذه الأصوات من ينتسبون إلى الماسونيّة. وهم يمثّلون استثناءات.

اتّخاذ مسافة
كان من شأن الاحتفال بمائويّة احتلال الجزائر (1830) وتنظيم المؤتمر الأفخارستي بتونس، في 1930، أن يضعا محافل تونس على المحكّ [المؤتمر الأفخارستي هو مؤتمر مسيحيّ تبشيري رأى المشرفون عليه أن يعقدوا دورته الثلاثين في تونس/‏ المترجم]. وقد طالب المؤتمر الرّابع لمحافل الشّرق الكبير لشمال أفريقيا (الجزائر 1927) بإلغاء احتفالات المائويّة. هذا وقد لاحظ دورال Durel، وهو ممثّل محفل «الإرادة»، أنّ هذا القرار، المتَّخَذ في 1927، قد بعث «الفرحة لدى الماسونيين العرب» [ملخّص أشغال المؤتمر الخامس لمحافل الشّرق الكبير بشمال أفريقيا، عنّابة (بون حسب التّسمية الفرنسيّة في حقبة الاستعمار) أبريل (نيسان) 1928]. بيد أنّ المسألة عادت إلى الظّهور خلال مؤتمر عنّابة، في 1928. فمحفل «الإرادة» وقد استشعر سعيا إلى إعادة طرح قضيّة القرار، قدّم للمؤتمر هذه المذكّرة:«أخذاً بالاعتبار كون الاحتفال الرّسمي، الذي تعتزم حكومة الجمهوريّة القيام به في الجزائر [العاصمة] للاحتفاء بالذكرى المائة لاحتلال الجزائر من قبّل القوات المسلّحة، لا يمكن إلاّ أن يجرح الكبرياء فلا يخدم إلاّ إحياء الكراهيّة وزرع الفتنة، فإنّ ممثّل محفل «الحقيقة» بتونس يتمنّى الآتي:
- إلغاء هذه التّظاهرة غير الدّيمقراطيّة ونصب تمثال الأمير عبد القادر بإحدى ساحات العاصمة الجزائريّة، وهو بالأساس بطل الاستقلال الجزائريّ ثمّ إنّه صديق وفيّ ومخلص لفرنسا.
- في حالة أنّ نصب تمثال من شأنه أن يكون غير متوافق مع قوانين الدّين الإسلاميّ، فإقامة معلم توضع عليه لوحة تذكاريّة على شرف الأمير عبد القادر [نفس المصدر].
هذا الموقف يدلّ على اتّخاذ مسافة واضحة من قبل المحفل وإثارة مشكلة الخطاب التّأسيسيّ للاستعمار. فهذا المسعى للمصالحة بين «بطل الاستقلال» وصداقة فرنسا يتجاوز الاهتمام باسترداد زعيم المقاومة. وليس لنا، من جهة أخرى، أن نلحّ على استحضار «الاستقلال» ضمن وضعيّة استعماريّة! لكن يبدو أنّ أغلبيّة مناصرة للاستعمار قد فضّلت الاصطفاف وراء المواقف الرّسميّة. والتّنازل النّهائيّ هو قبول اختزال النّفقات وحذف الطّابع العسكريّ للاحتفال. فأعاد دوران الكرّة. وكان أن لاحظ أنّه «ينبغي ألاّ يتمّ إحياء مائويّة احتلال عسكريّ وأنّه ينبغي ألاّ نذكّر الشّعب العربيّ أنّه مهزوم»، بل ينبغي العمل على «التّقريب بين الأعراق». أمام هذه المعارضة من قبَل معظم محافل الجزائر، قرّر المؤتمر «رفض كلّ نفقات إضافيّة» وأن «يتمسّك بمطلب المؤتمر الأخير». ولا تستطيع [المنظّمة] الماسونيّة أن تتعدّى هذا الاتّفاق الشّاقّ مغبّة الدّخول في صراع مفتوح ضدّ الكيان الاستعماريّ ومغبّة المسّ من التّوازنات المؤسّسة لمحافل شمال أفريقيا.
كانت معارضة المؤتمر الأفخارستي بقرطاج (1930) أكثر وضوحاً، في إطار أنّها تتنزّل ضمن السّياسة اللاّ-كهنونيّة للماسونيّة [انظر جويل روبينار، مصدر سابق]. فلقد اتّخذ المجلس الفلسفيّ، الملتئم في 26 نوفمبر 1929، موقفاً، بالإجماع، ضدّ مطالب هيئة المؤتمر بمنح عطلة مدرسيّة وإفراغ المدارس لأجل إقامة الحجّاج [من أرشيف محفل «قرطاج الجديدة وصالامبو موحّدين»، 1928-1932] ولقد أبرز المجلس، فضلاً عن إضاعة الوقت على التّلاميذ، «التحدّي الملقى في وجه السّكّان المسلمين الذين يرون مقرّات عموميّة يحتلّها مسيحيّون». وتبعاً لهذا الطّلب، «تمّ منع المدارس التّونسيّة على أعضاء المؤتمر الأفخارستيّ» [نفس المصدر السّابق]. وقد طلب، في موقف موحّد، مؤتمر محافل شمال أفريقيا والمَشْغَل «أنوار وتقدّم» [ورشة أشغال/‏ المترجم]، من المحفل الكبير أن يتدخّل لدى برلمانييه من أجل منع كلّ مساعدة ماليّة على الأرشفيات وعلى المؤتمر الأفخارستيّ. وسواء أكان تمسّكا منها بالعلمانيّة أو بإرادة مراعاة الرّأي العامّ التّونسيّ؛ فإنّنا نلاحظ أنّ ماسونيّة تونس قد اتّخذت مسافتها إزاء سياسة التّحدّي هذه، التي كانت موضوع حملة استنكار من قبَل الوطنيين التّونسيين.

وقائع تونسية
سنة 814 قبل الميلاد: تأسيس قرطاج من طرف الملكة ديدون.
القرن الثاني قبل الميلاد: تأسيس أول مستعمرة رومانية.
القرن السابع الميلادي: تأسيس القيروان من طرف عقبة بن نافع (670 ميلادي) والاستيلاء على قرطاج حسن بن نعمان (695 ميلادي).
القرنين الثامن والتاسع: انتشار الإسلام وتأسيس دولة الأغالبة.
القرن العاشر: قيام الدولة الفاطمية (910 ـ 973) وتأسيس عاصمتها المهدية.
القرنين العاشر، الحادي عشر: حكم الزريدي.
سنة 1048: الغزو الهلالي.
القرون الثالث عشر- السادس عشر: حكم الحفصيين.
سنة 1574: ارتباط تونس بالإمبراطورية العثمانية.
سنوات 1705- 1957: حكم الأسرة الحسينية.
سنة 1881: بداية عهد الحماية فرنسية.
9 أبريل 1938: تظاهرات واسعة في تونس ضد الحكم الفرنسي.
31 يوليو 1954: فرنسا تقر الاستقلال الداخلي لتونس.
20 مارس 1956: استقلال تونسي.
25 يوليو 1957: الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية.
غرة يونيو 1959: أول دستور للجمهورية التونسية.
15 أكتوبر1963: إجلاء بنزرت.
7 نوفمبر 1987: بداية حكم بن علي.
14 يناير 2011: الشعب يطيح نظام بن علي.
................................................
* ورد هذا المقال في مجلّة «كرّاسات المتوسّطّ النّاطقة بالفرنسيّة [Khalifa Chater, «La Franc-maçonnerie en Tunisie à l’épreuve de la colonisation (1930-1956)« Cahiers da la Méditerranée, 72/‏2006, 367-375.]. وهو مقال موثّق بدقّة؛ لكنّنا اكتفينا، في هذه المناسبة، بالإحالة إلى بعض مراجعه ومصادره بما يتوافق مع هذه الفقرات المنقولة. (المترجم).