صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

ألغاز الاستعمار.. المكشوفة!

تصورات الماسون عن المغرب، لوحة بريشة فرديناند ماكس بردت

تصورات الماسون عن المغرب، لوحة بريشة فرديناند ماكس بردت

د. المعز الوهايبي

كيف نقوّم تاريخ الماسونيّة في العالَم العربيّ، بما في ذلك في بلدان المغرب، إذا كانت على قدْر هائل من السرّية؟ صحيح أنّ بواكير تأسيسها في إنجلترا وفرنسا أضحت اليوم موضوعاً شائعاً في الأدبيّات التي تتناول هذا التّنظيم، بل كانت شائعة حتى لدى النخب العربيّة منذ نهايات القرن التّاسع منذ أن نشر جورجي زيدان، في 1889، مؤلّفه «تاريخ الماسونيّة العامّ». لكن ما يظل طيّ الكتمان وخافياً ليس فقط على المؤرّخين أو الصّحافيين أو المثقّفين المهتمّين بالمسألة الماسونيّة بل ربّما على كثير من أجهزة المخابرات إنّما يتعلّق بمفاصل هذا التّنظيم وتراتبيّة هياكله ودواليب عمله، فضلاً عن الشّخصيّات النّافذة فيه.

هناك في السنوات الأخيرة، على وجه الخصوص، كتابات ترشح ببعض ما يخص سياسات هذا التنظيم في الراهن العالميّ، وبدرجة أقل في الراهن العربيّ، كما ترشح منها أسماء لبعض الشخصيّات الفاعلة فيه أو المكلّفة بمهمّة من قبل رؤسائه، لكنّها أسماء تبدو مثل تسريبات إعلاميّة أكثر منها حاصل توثيق وتدقيق وتحقيق.
لا بدّ من الإشارة أولا إلى أنّ الماسونيّة منظّمات متعدّدة بعضها يقبل الاختلاط ومعظمها يرفضه. ولا بدّ من التنويه أيضا بأكثر من تاريخ تمّ تحبيره لهذه المنظمة المتعدّدة حتى أنّه يمكن القول بأنّ الماسونيّة يتهدّد معرفة حقيقتها التلاشي بين كثرة تواريخها. لكن في جلّ لا يمكن إغفال أنّ هناك جناحين كبيرين يحكمان توازنها، الجناح البريطاني والجناح الفرنسيّ، فإلى أيّهما تنتسب المحافل الماسونيّة في بلاد المغرب؟
ما يعنينا في هذه الورقة هو أن نقف خصوصيّة تميّز الماسونيّة تتمثّل في شكل مؤتمراتها التي يطلق عليها اسم «محافل»، فما صلة هذا الضّرب من النّشاط بخصوصيّة جوهريّة لهذا التّنظيم تتمثّل في كونه يعتمد المساررة؟ ولعلّ الإشكال الذي يتبادر إلى الذّهن يصاغ كالآتي: ما الذي يدفع هذا التّنظيم إلى اعتماد السّرية، على نحو قد يذكّرنا بإخوان الصّفا، في تراثنا العربيّ، إذا كانت مقاصده المعلنة مقاصد نبيلة؟ وما هو العنوان الذي دخلت تحت غطائه الماسونيّة إلى العالم العربيّ، بما في ذلك بلدان المغرب؟
لا يتحدّث كتاب أندريه برات André Prat، الموسوم بـ»المنظّمة الماسونيّة الحقّ الإنسانيّ» الصّادر عن منشورات الجامعة الفرنسيّة في 2003، عن وجود فروع للمنظّمة الماسونيّة في العالَم العربيّ راهنا، وإن كان قد أشار إلى وجود مَشاغل (أي ورشات تفكير وتنظير) لها في تونس والجزائر في العشرينيات من القرن الماضي، وهذا من شأنه أن يجعل مهمّة التقصّي عن آثار هذا التّنظيم بهذا البلد العربيّ أو ذاك مهمّة صعبة لأنّ المؤسّسة التي يصدر عنها هذا الكتاب ذات مصداقيّة أكاديميّة بحيث يصعب تفنيد مضامينه دون حجّة علميّة. وما تجدر ملاحظته هو أنّ هذه الصّفة «الحقّ الإنسانيّ» رافقت المحفل الأوّل من نوعه في تاريخ الماسونيّة، ونعني بذلك الاختلاط. وقد أقرّ هذا المحفل الذي انعقد سنة 1893 غاية كونيّة هي أن يتمتّع جميع البشر بالحقوق نفسها. لا غرو في ذلك والثورة الفرنسية تعدّ من بين روافد العقيدة الماسونيّة خاصّة في ما يتعلّق بالشّرط النسوي حيث أفادت الحركات المنادية بتحرّر المرأة من شعار المساواة التّامة الذي رفعته هذه الثّورة.
لكن كتاب جون مارك آراكتينغ Jean-Marc Arachtingi الموسوم بـ»التّاريخ العالمي للماسونيّة الفرنسيّة بدار الإسلام» يقرّ بوجود هذا التّنظيم في البلاد العربيّة. وذلك راجع إلى تأسيس التّنظيم الماسوني الحامل لاسم «الشّرق الكبير لفرنسا» سنة 1773.

تنظيم نخبويّ:
أشرنا في بداية هذه الورقة إلى أنّ التّراث العربيّ قد يكون عرف، من النّاحية الشّكليّة، تنظيما مشابها، ونعني بذلك «إخوان الصّفا»، فهُم من النّخبة بوصفهم فلاسفة ومتكلّمين، فضلا عن كونهم يشتغلون في إطار السرّية. ولنا أن نستحضر أيضاً شيئاً من الشّبه مع بعض الفِرق الصوفيّة حيث يمرّ المريد بضرب من المساررة. بل ربّما جاز لنا أن نشبّه المحفل الماسونيّ بالحوزة، في بعض المذاهب، التي تتمتّع بقدْر من السّلطة على الأتباع.
وفي ما يخص الطابع النّخبوي لهذه المنظمة فيمكن إدراكه من هذه الفقرة الموجزة الواردة في الفصل الأوّل من دستور الماسونيّة الفرنسيّة، التي تتمّ تلاوتها في كلّ المؤتمرات التي تعقدها «حسن التّفكير، وحسن القول، وحسن التّدبير، السّعي وراء الحقيقة، في المعابد تعليم ممارسة أفكار الحرّية والمساواة والأخوّة من اجل تجسيمها في الحياة الدّنيا، المساعدة على النموّ المطرد للإنسانيّة بالدراسة النظريّة لكل المشاكل الاجتماعية والأخلاقية الكبرى، بواسطة المقالات والكتب، تلك هي الواجبات التي تُلزم بها الماسونيّة الفرنسيّة كلّ اعضائها».

المحفل ووظيفته
يمكن تعريف المحفل بأنّه بالأساس هيكل تنظيميّ ذو سلطة على منظوريه. ولكن يتمّ التّعبير عنه بنشاط طقوسيّ، فهو بمثابة الحجّ لكن ليس إلى مكان مقدّس بعينه، وإنّما إلى المنظّمة ككلّ. وهو معقود على مراسم المساررة بما هي طقس «كهنوتيّ» أكثر منها ممارسة سياسيّة مباشرة. وفي المحافل يتمّ إلقاء الخطابات وتلاوة الأشعار لتُختتم بحفلات راقصة وموسيقيّة، وباغتنام المناسبة للقيام بالتبرع والتطوّع لأعمال خيريّة. كما تجري فيها عمليّة المساررة المتمثّلة في تلقين المنتسب الجديد الأعمال الماسونيّة. والقاعدة الأساسيّة تكمن في أنّه قبل تقديم المترشّح إلى الهيكل، يكتب وصيته الفلسفيّة التي تسمح له برسم معالم حياته الكبرى وقناعاته وتوجّهاته. وبعد ذلك يقوم بالرحلات الرمزيّة فيتلقّى بانتظام النّور والتّعليم ثم يؤدي اليمين لكي يتمّ الاعتراف به أخاً فيصبح عضوا ناشطا في المحفل. ومفاد هذا الإجراء المسارريّ هو أنّ هذا التّنظيم يتألّف من النّخب فهو ليس مفتوحا على العامّة.
هل يمكن للمرء أن يكون ماسونيّا دون محفل؟ لا نعثر في واقع الأمر على إجابة صريحة لدى «فقهاء» هذه المنظّمة، لكن ماريا دورسيم ظلّت إحدى عشرة سنة بلا محفل ولم يَحُلْ ذلك دون إنشاء أوّل محفل مختلط سنة 1893.

تأنيث الماسونيّة
يقول جورج مارتن Georges Martin، الذي أنشأ مع ماريا دريسمس Maria Deraismes المحفل الأوّل المختلط، في فرنسا «إنّ علّة وجود المنظّمة المختلطة هي إلغاء عبوديّة النّساء وتأمين حقوق الطّفل». وإذا انتبهنا إلى أنّ هاتين الشّخصيتين من مناصري الجمهوريّة فإنّنا لا نستغرب عندئذ مناصرتهما للاختلاط باعتبار أنّ الحركات النّسائيّة قد نمت وترعرعت في رحم البورجوازيّة الجمهوريّة النّافذة آنذاك. بيد أنّ هذا التّأنيث لم ينتشر في المستعمرات الفرنسيّة التي تمّ بعث بعض المحافل فيها، بما في ذلك تونس، لاعتبارات عديدة لعلّ أهمّها أنّ هذا التّنظيم يشترط قدْرا من الثقافة والمعرفة لدى المنتسب إليه في حين أنّ تعليم المرأة في تونس لم ينتشر إلاّ بعد الاستقلال. لكن بالمقابل لم يسع هذا التّنظيم إلى نشر التّعليم لفائدة المرأة في بلدان المغرب رغم ما ينادي به دستوره من تشجيع على نشر المعرفة والتّعليم. ولذلك فقد بقي الاختلاط بين الجنسيْن الذي قام على أساسه محفل «الحقّ الإنسانيّ» مختلاّ في بلد المنشأ وبدرجة أكثر حدّة في شمال إفريقيا.

المحفل.. مغاربيّا
يبدو أنّ بلاد المغرب تتبع الصّيغة الماسونيّة الفرنسيّة المتمثّلة في «الحقّ الإنسانيّ»، وهذا المصطلح لئن كان صفة ملحقة بالمنظمة الماسونيّة، فإنّه في الوقت نفسه عقيدة معلنة لديها تتمثّل في العمل من أجل التسامح الحقيقيّ الذي لا يمكن أن يُبنى إلاّ على أساس من العلمانيّة. وقد يكون ذلك ما ينسجم نسبيّا مع ما يُشاع من طابع علمانيّ، متفاوت النّسبة لا محالة، لبعض أنظمة الحكم في بلدان المغرب عقب الاستقلال من ربقة الاستعمار الفرنسيّ. لكن ما هو في ذمّة التّاريخ على نحو محقَّق نسبيّا هو ما نعرفه من حضور للماسونيّة قبل الاستقلال، أي في فترة الاستعمار. ولنا أن نكتفي في هذه الفقرة من هذه الورقة بالإشارة إلى بعض المحافل والمشاغل الماسونيّة في تونس إلى حدّ 1956.
على أنّ ما ينبغي التّنويه به هو أنّ الماسونيّة في تونس ظلّت لغزا، ليس في عهد الحماية الفرنسيّة فقط وإنّما على أيّامنا هذه أيضا، كما أنّها محلّ استهجان من قبل كثيرين. ولعلّ ذلك راجع إلى اقترانها بالحماية وتزامنها معها. وبالفعل، فإنّ المؤرّخ التّونسيّ خليفة شاطر يذهب إلى أنّ هناك بداهة تتمثّل في أنّ المغامرة الاستعماريّة في تونس سرعان ما أعقبتها المغامرة الماسونيّة بشكل واضح. رغم أنّ المؤرّخ الفرنسيّ شارل بورسيت Charles Porset يقرّ بأنّ الماسونيّة الفرنسيّة «التّونسيّة» قد تكون ظهرت قبل الحماية لكنّها على أيّة حال ازدهرت بفضلها ويضرب مثالا على ذلك بالمحفل «قرطاج الجديدة»، من 1885 إلى 1936، فهذا المحفل كان يرفض التحاق غير الفرنسيين به. وذلك راجع إلى ما يتمتّع به أعضاء هذا المحفل من امتيازات في ظلّ الحماية الفرنسيّة. على أنّه في فترة لاحقة سيتمّ انتداب بعض الشّخصيّات النّافذة المنتسبة إلى «المخزن»، ففي إطلالة على قائمات بعض المحافل آنذاك نصادف أسماء ذات إشعاع في التّاريخ التونسي الحديث مثل محمّد صالح مزالي الذي يرد اسمه في قائمة محفل نجمة قرطاج، ومحمّد عزيز سقّا الذي كان «خليفة» (واليا) على صفاقس، فقد ورد اسمه في محفل تينة، صلاح الدّين البكّوش، وهو من أسر المخزن، الذي ورد اسمه في محفل «الحقيقة».. وقد تمّ أيضا انتداب بعض الموظّفين الجدد، بحسب ما يذكره معجم «الماسونيّة الفرنسيّة» الصّادر عن منشورات الجامعة الفرنسيّة سنة 1974.
على أنّ العلاقة بين المسألة الماسونيّة والمسألة الاستعماريّة في شمال إفريقيا تظلّ علاقة ملتبسة نظرا إلى تفاوت المواقف من سلطة الاستعمار في الجزائر وفي تونس، فمن جهة كان بعض المحسوبين على هذه السّلطة من السكّان الرسميين يصطفّون وراء الموقف الرّسمي خاصّة في سنة 1930 بمناسبة مرور مائة عام على احتلال الجزائر وبمناسبة المؤتمر الأفخارستي في تونس، وهو المؤتمر الثلاثون في سلسلة المؤتمرات التي دابت الكنيسة الكاثوليكيّة على عقدها في أوروبا، لكنّها رأت تنظيمه في قرطاج بتونس سنة 1930 من أجل دعوة التّونسيين إلى اعتناق المسيحيّة وهو ما أثار غضب التّونسيين واعتراضهم عليه. فما كان من حيث المحفل الماسوني «إرادة» إلاّ رفض هذه الاحتفالات فدعا إلى إلغائها بوصفها تمثّل استفزازا للسّكّان المسلمين فضلا عن كون المحفل قد استهجن الاحتفال باحتلال عسكريّ. والواقع أنّ هذه العداوة لم تكن من طرف واحذ فقد صدر في 1940 قراراً من سلطة الحماية في تونس بحلّ الماسونيّة الفرنسيّة باعتبارها جمعيّة سرّية. يمكن القول إجمالا في ما يخص الماسونيّة، بما في ذلك حضورها في بلدان المغرب، بأنّ المعطيات التي أضحت في ذمّة التّاريخ يمكن التّحقّق منها وقراءة مجريات تلك الحقبة على أساسها، أمّا معطيات الرّاهن الحيّ بعدُ فموكولة التسلّح بالحجّة الدّامغة التي تبدو عالقة بعدُ.

تقية إخوان الصفا
إخوان الصفا هم جماعة من فلاسفة المسلمين من أهل القرن الثالث الهجري والعاشر الميلادي بالبصرة اتحدوا على أن يوفّقوا بين العقائد الإسلامية والحقائق الفلسفية المعروفة في ذلك العهد، فكتبوا في ذلك خمسين مقالة سموها «تحف إخوان الصفا».
انبثقت جماعة إخوان الصفا تحت تأثير فكر مذهب الإسماعيلية، وكان الهدف المعلن من هذه الحركة «التضافر للسعي إلى سعادة النفس عن طريق العلوم التي تطهّر النفس».
عملت الجماعة في الخفاء، ولعل ابن المقفع كان واحداً منهم، واحتار الباحثون في كل العصور في قضية من هم إخوان الصفا لهذا لجأوا إلى الحدس والتخمين في معرفة محرري تلك الرسائل المجهولة التوقيع.
واعتمد إخوان الصفاء التقية في تنظيمهم، التي ساعدت على رواج رسائلهم واستمرار فكرهم لقرون عديدة، وبقائه كمنهل لكلِّ الفلاسفة الذين أتوا بعدهم، كابن سينا والفارابي السجستاني الكرماني وناصر خسرو ونصير الدين الطوسي وغيرهم. كان على المرشد أو الداعي أن يتحلِّى بمجموعة من الصفات مثل «أن يكون أباً شفيقاً، وطبيباً رفيقاً، لا نزقاً ولا خرقاً ولا منحرفاً ولا متجبراً ولا متكبراً ولا متغيراً، ولا يحمِّل أحداً فوق طاقته، ولا يكلِّفه فوق وسعه، يبرز لمريديه بروز النفس الكلِّية للنفس الجزئية، في جليل هيبته وجميل هيئته.. الخ..».