صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

«غيتو» الأسرار

آليات الانتساب والترقي أحد أسرار الحركة.. أعضاء في محفل ماسوني أميركي (أرشيفية)

آليات الانتساب والترقي أحد أسرار الحركة.. أعضاء في محفل ماسوني أميركي (أرشيفية)

د. أمين بن مسعود

التعاطي مع موضوع الماسونية في المدونة العربيّة لم يتجاوز بعد الأبعاد الهلاميّة الخرافيّة، حيث تحضر مقولات «المؤامرة الكونيّة» مع مباعث الديماغوجيا والإيديولوجيا، لتنتج في المحصلة «أنصاف حقائق» لا ترضي نهم الرأي العامّ العربيّ وتوقه إلى استكناه جوهر «الماسونية»، الأمر الذي يفرض تطرقاً جديداً للقضية يستنطقها من مختلف جوانبها ويستقرئها استقراء معرفياً محكّماً.
هنا بالضبط تكمن قيمة المناهج العلمية على غرار السوسيولوجيا والإنثروبولوجيا وبسيكولوجيا الجماعات، من حيث ضمانها لمردودية علمية معتبرة في القضايا الشائكة والحارقة لمجتمعاتنا العربيّة.
وطالما أنّ سؤال الماهية ـ ماهية الجماعة السرية ـ لم يجد جواباً ضافياً وشافياً إمّا لمحدودية الإجابات نظراً لقلّة المصادر وضعفها، وإما لهوان في أدوات طرح الاستفسار أو قصور في ميكانيزمات ومنهجيات الإجابة، فإنّ أسئلة الكيفية ـ كيفية تعامل الجماعة مع أفرادها والآخرين ـ والتأثير على أرض الواقع بقيت معلّقة، وهي على حالتها تلك «غنيمة حرب إيديولوجية» لأصحاب التوظيف والشحن الديماغوجي وفي الوقت نفسه فراغ وخواء ابتسيمي يعبّر عن حقيقة مأزق العقل العربي في البحث والتأصيل والنقد وإنتاج المعرفة.
تفتح السوسولوجيا كمبحث معرفي في العلوم الإنسانية مروحة من زوايا التفسير والتحليل حيال الميكانيزمات الداخلية لعمل الجماعات السرية وعلى رأسها الماسونية، ذلك إنّها قادرة على تفسير المنطق التذاوتي للماسونية باعتبارها «جماعة سريّة تربط بين أعضائها مجموعة من المصالح والأهداف الخفية والمخفية تحت عناوين العمل الخيري والجهد المدني العابر للأقطار والقارات والجنسيات».

المفقود والموؤود
بالعودة إلى المصادر الأساسية القليلة والنادرة أيضاً في موضوع الماسونية والجماعات السرية يتراءى للقارئ التقوقع الواضح والجلي لفرقة الماسونية على نفسها، ورفضها الانفتاح على أي من الأطراف الخارجيّة، وهي علامة من علامات الجماعة المنغلقة والدغمائيّة للجماعات السرية والضيّقة، حيث يصبح الانتساب للمجموعة متقاطعا مع معنى الانتماء العقائدي الدغمائيّ، إذ تحضر مقولات الولاء التامّ للجماعة والتطهّر من الماضي والطهورية الفردية للتشريك ضمن أهداف الماسونيّة.
وهي مقدّمات تشير لا فقط إلى المعنى التبشيري للماسونية، حيث يكون الانتماء إليها فاصلاً بين مرحلتين تاريخيتين في عمر الفرد المنتسب بين الضلال والهداية، والديجور والنور، والشكّ واليقين، وفي الحالتين المتناقضتين يكون الانتساب إلى الماسونية نقطة بداية للمعنى الحقيقي للفرد.
في هذا المفصل تنتصب مقولة «الزمن الفردي» personal time إذ يكون الانتساب فاصلاً بالمعنى الهيكلي والعضوي «لما قبل» before ولما بعد post، ولئن تشحن فترة ما قبل الانتساب بصفات التهجين والتحقير وحتّى التبرؤ، فإنّ مرحلة «ما بعد» تدجّج بأوصاف التمجيد والتنزيه، وأيضاً وهو الأهمّ بتزكية المهام الموكلة لكلّ فرد.
وبالإمكان تتبّع هذه الملامح من خلال ولاء القسم للماسونية الذي يؤديه كلّ فرد جديد، والذي ينصّ على «أتعهّد تعهداً ناشئاً عن شرف نفسي بأن أستمر بعد انضمامي إلى هذه العشيرة في القيام بالعوائد الماسونية القديمة، وبالحضور إلى الاجتماعات ومشاركة الإخوان».
ثم يسأله «الرئيس الأعظم» قائلاً: «هل أنت راغبٌ باختيارك ومحض إرادتك في التعهد تعهداً وثيقاً مبنياً على المبادئ المتقدم ذكرها بأن تحفظ أسرار هذه العشيرة وتصونها؟ فلتقم الآن بتقبيل الكتاب المقدس، أيها المستنير أنت الآن على وشك الاطلاع على أسرار الدرجة الأولى للبنائين الأحرار».
من الواضح من خلال هذا الاقتطاف أنّ الماسونية على غرار الجماعات السريّة كافة في العالم هي «جماعة هجينة مراوغة» من حيث المدخلات والمخرجات، حيث إنّها تعطي الفرد الملتحق بها، انطباع الانفتاح والإرادة الحرة وحرية الاختيار قبل أن تطوّقه بإغلاق المخارج وانحباس خيارات المراجعة والنقد الذاتيّ.
فلئن كان المجال مفتوحاً نسبياً للعضويّة في جماعة «الماسونية»، فإنّ أي استدراك في المواقع أو المواقف لن يقاس بمعايير التفكير والتدبير والتقييم والتشخيص، وإنما سيوزن بموازين الانقلاب والخيانة والارتداد.
بمثل هذه الهيكليّة، حيث الانفتاح على القادم والانحباس على الخارج، تكون الماسونية متماهية الشكل والمضمون مع الجماعات السرية الإسلامية على غرار الجماعات الإرهابيّة والتكفيرية التي لا تتردّد لحظة في إطلاق حكم الردّة على الخارج من طوق الجماعة ولا تتوانى أيضاً في تطبيق حدّ الردّة عليه.
بالإمكان في هذا المفصل المعرفيّ إدراك نقاط تقاطع عديدة بين الجماعات السرية في لونها التكفيري الإرهابي أو في شكلها الماسوني، فلئن كانت الأولى تدعي امتلاك الحقيقة الدينية فتسحب بساط القدسية عن الآخرين وتسلّط سيوف «حدودها الشرعية» عن المنسبّين لمنطقها ومنطوقها، فإنّ الثانية تزعم تملّك أسباب ومقوّمات إنقاذ العالم من الأشرار والأغيار، وبالتالي فمصير التصفية سينسحب على كلّ طرف دخل «عش الدبابير»، ويريد الخروج منه.
وهو بالضبط ما يقوله الرئيس الأعظم في المجمّع الماسوني للمنتسب الجديد «إذا حاولت الهرب، فإن عقابك سيكون إما بالطعن أو بالشنق العقوبة البدنية التقليدية التي تقع عليك ـ كما هو معروف من تاريخ الماسونية ـ هي قطع رقبتك من جذورها، إذا أفشيت سراً من أسرار البنائين الأحرار».

الوجهة والواجهة
وعلى غرار الجماعات السريّة كافة، فإنّ الماسونية تنبني على مقولة «الوجهة والواجهة» أو استراتيجية «الغموض البنّاء»، ذلك أنّ النزر القليل من مدونتها المعلنة ـ وهي في المحصلة مقررات المؤتمرات الإقليمية والعالمية للبنائين في العالم ـ يؤشر إلى مجموعة من المبادئ الكونية التي لا يختلف حول قيمتها وجدواها اثنان، على غرار دعم العمل الخيري والنهوض بالمجتمع المدني وفسح المجال أمام المبادرات الحرّة.
غير أنّ المدقّق لأدائها يلاحظ فعلاً مناقضاً للنصوص التأسيسية، حيث انخرطت الماسونية في أكثر من مشهدية عسكريّة في الشرق الأوسط، سواء في لبنان أو في العراق أو في فلسطين المحتلة، إذ يؤكد الماسوني يوسف الحاج (تمتّع في وقت سابق بالدرجة رقم 33 ضمن سلم العضوية في حفل الماسونية العالمية) أنّ الماسون يؤمنون بإنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين المحتلة، ويشجعون أيضا على تدمير المسجد الأقصى وقبة الصخرة، لاعتقادهم بوجود هيكل سليمان تحته.
كما أنّ الصحفي المصري الراحل محمد حسنين هيكل أكّد وجودهم في العراق أثناء الاحتلال الأميركي لبلاد الرشيد تحت مسمّى فرسان مالطا، حيث كشف العلاقة بين تنظيم فرسان مالطا وشركة «بلاك ووتر» لتجنيد المرتزقة وجملة المعتقدات الدينية التي تحركهم في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى شهادة المؤرخ اللبناني الدكتور حسّان حلاق الذي تحدّث عن إمكانية وجود ارتباط بين سقوط الخلافة العثمانية في بداية القرن العشرين والحركة الماسونية.
ولئن كان التثبث من كل هذه الحقائق رهين عمل المؤرخ الدقيق والصحفي المحترف، فإنّ مبحث سوسيولوجيا الاتصال la sociologie de la communication يستجلي كينونة المفارقة القائمة بين ملفوظ الخطاب من جهة وحقيقة تكريسه وترجمته من جهة ثانية، وهو ما يمكن أن نعبّر عنه بالتباين المهيكل والمؤسس بين «الواجهة الإعلامية» و«الوجهة السياسية أو الاستراتيجية»..

نهاية التاريخ
ليس بالغريب إذن أن تجتمع هذه المتناقضات المذكورة (الانفتاح والانغلاق، الوجهة والواجهة) في كينونة الماسونية، باعتبارها جماعة سريّة.
إذ إنّ أوّل واهمّ ميسم من مياسم الجماعات السرية المغلقة ـ وقد يكون احد أهم أسباب تواصلها واستمرارها في استدرار المعجبين والمؤيدين ـ كامن في فلسفة «الخلاص» و«الإنقاذ» وفي المقاربة التبشيرية للجماعة.
تقدّم الماسونية نفسها لأتباعها ولمؤيديها وللرأي العامّ المهتم بها، كمنظومة خلاص للكون، فهي التي تمتلك بحوزتها دواء أدواء الراهن المعقّد والشائك.
مقدّمة الخلاص تختزن في عنصرها مقولة «نهاية التاريخ» وتوّقف دائرة الزمان لدى الماسونيين أو بنائي الهيكل.
جزء من الجاذبية الحاصلة في أفكار ومعتقدات الجماعات السرية كافة متمثّل في قدرتها على تصوير نفسها كمخلصة من الهلاك والضلال البشريّ وتقديم ذاتها في صورة منقذ البشريّة.
تستبطن الماسونية مقولة نهاية التاريخ، فلا مرحلة تاريخية تعقب مرحلة سيادتها وريادتها على الكون، وسواء سلمّنا بالاتهامات الموجهة لها باعتبارها تقاطع فكري واستراتيجي مع الكيان الصهيوني يفضي في المحصلة إلى إعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف، وبالتالي عودة المسيح عليه السلام إلى أرض «أورشليم»، أو صدقّنا خطاب الماسونية، باعتبارها جماعة عالمية وكونية تهدف إلى نشر مبادئ الخير والسلم والتعاون بين أفراد المجتمع البشريّ، ففي الحالتين يقف المتابع حيال مقاربتين للخلاص والإنقاذ وحيال مقولتين لنهاية التاريخ والتأريخ للنهاية.
ولعلنا لا نجانب الصواب أن اعتبرنا أنّ بواعث المهمات التخليصية الكبرى من براثن العصر ومهالك المصر، تجعل من أصحابها يتصرفون بمنتهى الفوقية والتعالي مع الآخرين وقد تصل بهم إلى حدّ التصفية والاغتيال.

«غيتو» رمزيّ
في هذا السياق، يتولّد لدى أعضاء الجماعة السريّة اعتقاد تملّك الحقيقة بكلياتها، ويقين الاصطفاء ـ أياً كانت صفة هذا الاجتباء ـ لأداء المهمة الكونيّة، الأمر الذي يؤدي إلى صناعة «غيتو» في بعض الأحيان حقيقي مادي وفي بعض الأحيان الأخرى رمزيّ، يفصل أعضاء الجماعة السرية عن بقية الأغيار من غير المصطفين بالمهمة التبشيرية.
في هذا المفصل بالذات، تصبح لأعضاء الجماعة السرية طرائق معيّنة في الملبس والمظهر وفي نقل الرسائل وفي التواصل البيني ويصل بهم الأمر في بعض الأحيان إلى نحت لغة مشفّرة لا يفهمها غيرهم.
يؤكّد المؤرخ اللبناني حسان حلاق إلى أنه أثناء الحرب الأهلية اللبنانية عُثر في أحد المحافل الماسونية على وثيقة تكشف شفرة الاتصال بين الأعضاء وكلمات السر المرتبطة بكل درجة على حدة، ومعظم هذه الكلمات كلمات عبرية.
وتؤكد مصادر مطلعة في هذا السياق إلى أنّ الماسونيين لا يزالون إلى اليوم يحافظون على طريقة محددة في المصافحة وعلى مسلكية الكلمات السرية لدخول المحافل الماسونية التي تبقى سرية من حيث مكان وزمان انعقادها.
يحيلنا المبحث الخاص بالماسونية كجماعة سريّة إلى بقية الجماعات السرية الأخرى سواء منها تلك الناشطة في وطننا العربي أو خارجه، ذلك أنّ الجماعات السرية تتأثر ببعضها البعض وتستلهم من بعضها البعض قوة التأثير الرمزي وأدوات الاستقطاب وآليات التجنيد ومنظومات التنزيه والتحقير...
وهي مقدمات تفرض على مراكز الأبحاث العربية والباحثين الانكباب على موضوع الجماعات السرية بكل تفحص وانكباب ومعرفة محكمة ذلك أنّ واحدة من أكثر المخاطر على مجتمعاتنا العربية تفشي ظاهرة الانغلاق والتقوقع والدغمائيات وحروب الهوية المفترسة ومكاسرات الإثنيات القاتلة...

فرسان مالطا
تأسست منظمة مالطا كهيئة خيرية من قبل بعض التجار الإيطاليين عام 1050 لرعاية الحجاج المسيحيين في الأراضي المقدسة، فتم في تلك الحقبة إنشاء مستشفى القديس يوحنا في القدس لهذه الغاية إضافة إلى دير ومدرسة.
إثر السيطرة الصليبية على القدس عام 1099، باتت الهيئة التي أصبحت تعرف «بالمنظمة الاستشفائية» والتي ضمت فرساناً من المتدينين لقبوا بفرسان المستشفى، تحت رعاية الكرسي الرسولي بعد اعتراف البابا باسكال الثاني بها في العام 1113، وهي لم تخضع منذ ذاك الحين لأي سلطة دينية أو مدنية.
بعد انحسار السيطرة الصليبية على القدس، انسحب الفرسان إلى قبرص، ومن ثم رودوس، فمالطا حيث مارسوا السيادة المطلقة إلى حين طردهم نابوليون بونابرت منها عام 1798 بعدما اعتبر تلك الجزيرة موقعاً استراتيجياً يساعده في حملته إلى مصر، لم يحارب الفرسان قوات نابليون الغازية للجزيرة آنذاك لأن تنظيمهم كان يحرّم عليهم في تلك الحقبة قتال المسيحيين، وعلى رغم أن معاهدة أميان (Amiens) اعترفت لهم بحقوقهم السيادية على مالطا إلا أن الفرسان لم يعودوا إليها قط، فاستقرت المنظمة عام 1834 في روما محتفظة بكيانها السيادي، منذ ذلك الحين، وتابعت أعمالها الخيرية التي توسعت شيئاً فشيئاً وأصبحت تطال كل الشرائح والمناطق المهمشة والمنكوبة في العالم من كل الأديان والجنسيات.