صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

صور معتمة من داخل الكهوف

إميل أمين

من بين أهم الأسئلة التي أفرزتها سنوات ما عرف زوراً وكذباً باسم الربيع العربي، يتوقف المرء كثيراً عند ذاك المتصل بالعلاقة بين جماعة الإخوان وبين الماسونية، تلك الحركة الكونية الخفية المغرقة في سريتها حتى الساعة، وهل الإخوان خلية من خلاياها وجماعة من جماعاتها المنتشرة حول الكرة الأرضية منذ زمن بعيد؟
الشاهد أن تفكيك تلك العلاقة أمر ليس باليسير، ذلك أنه لا توجد مضبوطات مادية، أو كتب نصية حتى الساعة تميط اللثام عن هوية الماسونية الغامضة المحكمة التنظيم، والتي يعمل أتباعها على إحكام قبضتها على العالم، من خلال أتباعهم المنتشرين حول العالم، دون أن يعرف أحدهم عن الثاني شيئاً يذكر.
يكتب جوزيف ماتزيني، الفيلسوف والسياسي الإيطالي الماسوني، بل أحد أقطاب الماسونية الأوروبية (1805 - 1872) يقول: «إن الأسرار في جمعيتنا خفية حتى علينا نحن الخبراء القدامى، وأنه من البدهي في الجمعيات السرية أن تخفى على الأعضاء جميعاً ممن هم في الدرجة الثانية والثلاثين، والدرجة الثالثة والثلاثين في أعلى سلم الدرجات والمراتب».
والشاهد أننا إذا ما قمنا بعملية إسقاط هذا التعريف للماسونية على جماعة الإخوان، سنجد أنها تنسج على منوال الماسونية، وتخدم مصلحتها لإدارة استراتيجياتها العليا.
فالإخوان منظمة سرية في أصلها، هدامة إرهابية غامضة محكمة التنظيم، تهدف إلى إحكام قبضة الجماعة على عموم بلاد المسلمين بادئ ذي بدء، ولاحقاً العالم بأسره، إن قدّر لهم ذلك.
على أن السؤال الجوهري هو: كيف لنا أن نربط الإخوان بالماسونية؟ اعترافات الأب الروحي في كتابه «سرّ المعبد/‏‏‏ الأسرار الخفية لجماعة الإخوان» يقيم المؤلف ثروت الخرباوي العضو القديم في جماعة الإخوان، والذي انشق عنها لاحقا، حواراً مطولاً مع أحد أركان الجماعة في مصر، بل والأب الروحي لها المعروف باسم أحمد إبراهيم أبوغالي، والذي يعترف له وللمرة الأولى بأن هناك صلة نسب بين كل الجمعيات السرية في العالم، طريقتها واحدة حتى ولو اختلفت الأفكار والتوجهات، إذ لا تقوم جمعية سرية، إلا لأنها تؤمن أنها مختلفة ومتميزة عن بقية مجتمعها، أو أنها مختلفة عن العالم كله.
ولا تقوم جمعية سرية إلا لتعد نفسها ليوم مشهود تكون فيه جاهزة لعرض أفكارها على العالم، والماسونية من هذه الجمعيات، وقد كانت لها هيمنة وتأثير على المجتمع المصري في بدايات القرن العشرين إلى منتصفه، وحين ألغاها عبد الناصر أخذت تظهر في صور أخرى.
يقر أبوغالي بأن الماسونية استطاعت دخول جماعة الإخوان، كما دخلت جمعيات مصرية أخرى، ولعل ما يسر لها هذا الاختراق، وربما هو التماهي بين الجماعتين، فالإخوان جمعية عالمية، والماسونية كذلك، والماسونية أخوية، والإخوان يعلون من شعار الأخوة.
وأوجه الشبه بين الإخوان والماسونية تصل إلى عمق التكوين والأفكار والتاريخ السري، فلا أحد يمكنه أن يجد تأريخاً واضحاً للحركة الماسونية، وكافة الكتب التي اطلعنا عليها هي كتابات معاصرة، مثل كتاب «الحقائق الأصلية في تاريخ الماسونية العملية»، من تأليف «شاهين بيك مكاريوس» الحاصل على درجة الأستاذية العليا في الحركة الماسونية، وهي الدرجة الثالثة والثلاثون وصادر عام 1879.
ولهذا، فإن الروايات حول نشأة الماسونية غير دقيقة فبعضها يقول إن «آدم» أبو البشرية كلها هو المؤسس الأول، وآخرون يزعمون أن الفراعنة هم من نشأت على أراضيهم الفكرة، وغيرهم يؤكدون أنها تعود إلى زمن سليمان الحكيم، والبعض يؤكد أنها حركة يهودية نشأت على يد «قيافا وحنان» رؤساء كهنة اليهود عام 33 ميلادية لمجابهة انتشار المسيحية، ولذلك فإن درجاتها العليا هي ثلاث وثلاثون درجة.
هل عدم كتابة تاريخ للحركة الماسونية يتساوى وعدم وجود كتابات تحمل تسلسلاً تاريخياً واضحاً للإخوان في مصر؟ المؤكد أن الإخوان وحتى الساعة لم يشكلوا لجنة لكتابة تاريخهم رغم وعود كثيرة من قيادييهم، مثل الأستاذ مصطفى مشهور المرشد العام السابق، الذي كتب ذات مرة يقول، إن الإخوان على وشك عمل لجنة لكتابة تاريخهم، والذي سيعتبر التاريخ الرسمي للحركة، ولكنهم لم يفعلوا، وقد كان ذلك منذ نحو ثلاثين عاماً تقريباً.
وعليه يبقى الجزء الأكبر من جبل الجماعة الجليدي مختفياً تحت الماء.
ومن هنا يبقى التشابه الأكبر قائماً مع الماسونية.

السيطرة على العالم
هل هناك جوهر واحد في خطط الإخوان والماسون؟ بلا شك نعم، فكلاهما يسعى إلى إحكام قبضته على العالم، وهو ما يتضح في هذه التفاصيل:
كان العام 1715 عاماً فاصلاً في تاريخ الحركة الماسونية، بمعنى إنه كان العام الذي سمح فيه لأعضاء من خارج جماعة البنائين أو المهندسين والرسامين والمثاليين، الانتماء إليها شريطة أن يكون هؤلاء من علياء القوم وأصحاب الشهادات العالية، وغالب الظن أن العديد إن لم يكن كافة رؤساء الدول الغربية في القرون الثلاثة المنصرمة ينتمون إلى الحركة التي تمثل أخوية تدير شؤون العالم.
هنا تكون المقاربة الفكرية قريبة جداً، بمعنى أن ما تكشفت عنه الأحداث في الأعوام الستة المنصرمة في الشرق الأوسط والعالم العربي، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النسق الماسوني هو ذاته الذي كان يعتمل في العالم العربي ودول الشرق الأوسط، من خلال التنظيم العالمي للإخوان، الذي يضم جماعات من كافة الأقطار العربية، تلتئم معاً في جسد فكري وإيديولوجية واحدة، وتسعى لفكرة الدولة الواحدة، سواء كان اسمها الخلافة الإسلامية، أو غير ذلك، عطفاً على عدم إقرارها بمسألة الحدود الجغرافية.ولعل الجميع يتذكر في هذا السياق ما قاله مرشد الإخوان السابق محمد مهدي عاكف في أوائل الألفية الثانية من أنه لا مانع أن يحكمنا «ماليزي» طالما أنه ينتمي للجماعة، وعليه فإن الولاء للجماعة، سواء عند الماسون أو الإخوان هو الأساس بغض النظر عن الجنسية.
ثم إذا كانت الماسونية حركة عالمية تقودها عواصم غربية تمتد من لندن إلى واشنطن، فإن تلك الدول، وضعت دائماً وأبداً مصر نصب أعينها، فمن يحكم مصر كما قال نابليون بونابرت يحكم العالم.
وعليه فعندما كانت مصر خاضعة للاحتلال البريطاني كان هدف الماسونية تطويعها من خلال الإخوان لمصلحة الإمبريالية الدولية، وهو الأمر نفسه الذي فعلته الولايات المتحدة الأميركية من خلال الإخوان في أوائل خمسينيات القرن الماضي.

العقّاد وسرّ البنّا
يبدأ التسلسل التاريخي مع المؤسس حسن البنّا، وهو ما أماط اللثام عنه منذ وقت بعيد الأديب الراحل عباس محمود العقاد.
جرت وقائع هذا المشهد في 2 يناير عام 1949، فقد نشر العقّاد في صحيفة «الأساس» المصرية مقالاً عنوانه «الفتنة الإسرائيلية»، قال فيه: «إن هناك سراً لا يعرفه كثيرون عن نشأة الإخوان وحقيقة داعيتهم وزعيمهم حسن البنّا، وهو إنه يهودي من أب يهودي وأم يهودية، وهو ليس مصرياً، وإنما مغربي قدم إلى مصر هرباً خلال الحرب العالمية الأولى، وتلقفته الجماعات اليهودية في مصر، ووفرت له المأوى والعمل، حيث التحق والده بهيئة السكة الحديد في مهنة إصلاح الساعات الخاصة بالهيئة، وهي المهنة التي كان يحتكرها اليهود في مصر».
العقّاد يؤكد كذلك الشكوك الدائرة حول اسم البنّا، إذ يشير إلى أن زعيم الإخوان دخل باسم حسن أحمد عبد الرحمن، وقد أضاف له والده كلمة البنّا بأمر من الجماعة الماسونية المصرية اليهودية حتى يكون للتنظيم الماسوني فرع في دولة عربية كبيرة مثل مصر.
ويعلق العقّاد على الحي الذي ولد فيه حسن البنّا قائل: إنه لا يعرف مصرياً يعمل فيه غير اليهود، وكانت مهنة تصليح الساعات من المهن اليهودية الشهيرة، وعليه يحق التساؤل، كيف أصبح الساعاتي «بنّاء» بقدرة قادر، هكذا ومرة واحدة دون أدنى مقدمات؟ والثابت أن العقّاد لم يكن الوحيد الذي شكك في الأصول اليهودية والانتماء الماسوني لحسن البنّا، بل هناك آخرون انتموا إلى الإخوان قبل أن تتكشف لهم الحقائق، ويغادروا التنظيم، ولاحقا يقدر لهم كشف أبعاد الزيف الذي يلفه، ومن هؤلاء الشيخ محمد الغزالي المعروف باسم «المجدّد».
وقد عمدت جماعة الإخوان إلى طرده، لأنه فتح عيوناً من حوله على كارثية هوية المؤسس، وهذا ما أورده في كتابه المعنون «قذائف الحق»، وفيه لم يتوقف فقط عند ماسونية حسن البنّا، بل تخطاها إلى خلفه المستشار حسن الهضيبي الذي لم يكن من الإخوان يوماً، بل ماسونياً بامتياز، عطفاً على مصطفى السباعي الماسوني السوري تلميذ حسن البنّا الذي تتلمذ على يد الجنرال «غلوب باشا» الماسوني اليهودي البريطاني الشهير.
والمؤكد أن التاريخ القضائي المصري قد شهد عدة قضايا مثيرة أمام المحاكم تطالب بحل الجماعة، ومنع أعضائها من ممارسة العمل السياسي أو الطقوس الدينية.
كان ذلك مبكراً في خمسينيات القرن الماضي، مثل الدعوى التي رفعها المحامي فرج زكي غانم أمام محكمة القاهرة للأمور المستعجلة وتحمل رقم 2642.

تحولات سيّد قطب
تسلمت الخلايا الماسونية الأميركية الراية من بريطانيا عبر الجنرال ألبرت بايك ورفيقة وايز هاوبت، وقد كانت مهمة أحفادهما من بعدهما تجنيد أصحاب العقول التي تعاني حالات «التيه الفكري»، لتضحى طابوراً خامساً للماسونية العالية.
هذا السيناريو هو ما جرى مع سيّد قطب، الرمز الأشهر للإخوان في خمسينيات القرن المنصرم، والمولود في محافظة أسيوط بصعيد مصر.
فقد ذهب إلى الولايات المتحدة الأميركية في بعثة تعليمية لمدة عامين، وعاد منها مغرقاً في ماسونيته، بعد أن ملأت الأفكار ذاتها رأسه، وملكت عقله وقلبه قبل ذلك بسنوات، ما يدلل على أن الماسونية كانت قد اخترقت جماعة الإخوان بشكل كامل ومنذ نشأة الجماعة بالفعل.
والدليل على ذلك المقال الذي كتبه قطب بتاريخ 13 أبريل 1943 في جريدة «التاج» لسان حال الماسونيين في مصر، وهو الأمر الذي لم يكن ليحدث لولا اعتماده ماسونياً مصرياً بامتياز، ذلك أنه في 29 أغسطس 1922 صدر كتاب من إدريس راغب أستاذ المحفل الأكبر الماسوني المصري، يحظر فيه استقدام كتّاب من خارج المحفل الماسوني للكتابة في الصحف الماسونية التابعة للمحفل.
حوّى والوصايا الماسونية خلف حسن البنّا وراءه مجموعة من التابعين من سائر أنحاء العالم العربي، وكان من بين هؤلاء سعيد حوّى الإخواني السوري الشهير، صاحب الكتاب المعروف «المدخل إلى دعوة الإخوان».
وفيه يبدو واضحاً أن مرتكزات العمل الإخواني هي نسخة عصرانية من الوصايا الماسونية التقليدية..
هل من أمثلة على عصرانية التطابق بين وصايا حوّى ونظيرتها الماسونية؟ خذ إليك ما يلي:
يبقى مبدأ السرية المطلقة هو المهيمن على الإخوان وأعمالهم، والوصية ثابتة: «كل ما يدور ويجري بينك وبين إخوانك سرّ لا ينبغي أن يطلع عليه أحد مهما كانت قرابته أو صداقته أو أخوته أو اعتباره، إلا إذا رأيت خلاً فلتعلِم القيادة، وليعلَم الآخر أن طريقنا يحتاج إلى رجال تموت أسرارهم بموتهم، وأنك إن عجزت عن حفظ سرّك فغيرك على حمله أعجز، فالزمام بيدك.
يحرص الإخوان كما الماسونيون على عدم التعاطي في شؤونهم الخاصة بالكتابة الواضحة الصريحة إلا في الضرورة القصوى، خاصة كل ما يتعلق بالأسماء والمعلومات، واستعمال الرمز، إن لم يكن هنا بد.
ترفض جماعة الإخوان أن يكون في صفوفها أي شخص يرفض التقيّد بخططهم ونظامهم ولو كان أروع الدعاة فهماً للإسلام وعقيدته، وأكثرهم قراءة للكتب، ومن أشد المسلمين حماساً وأخشعهم في الصلاة، وهنا لا يختلف الأمر كثيراً عند الوصايا الماسونية، والتي توصي العضو في الجماعة أو المحفل بأن لا يكشف أمره، ولا يبح لأحد بسره، ولا يحد قيد شعرة عما يأمره به المحفل في جميع الأحوال، ومهما كان الأمر وحيثما ذهب».

أبعاد السر المكنون
ولعل السؤال الذي يطرحه ثروت الخرباوي في كتابه «سرّ المعبد...» على أحمد إبراهيم أبو غالي هو سؤال جوهري: هل من الممكن أن تكون جمعية الإخوان من جمعيات الماسون في العالم؟ يضعنا الرجل أمام حقيقة مهمة، وهي إنه وإن لم تكن الإخوان منطقياً جماعة ماسونية بالمطلق، إلا أنه من المقطوع به أن بعض الأفراد والقيادات الإخوانية وثيقو ولصيقو الصلة بالماسونية، وعليه فإن تلك القيادات يمكنها أن تدير أمور الجماعة لتحقيق خطط الماسونية السرية.
عطفاً على ذلك، فإن الإمام الغزالي في كتابه «من معالم الحق» يصف طباع وخصال الإخوان بذات المواصفات التي تطبع حال ومآل الماسونيين وعنده «إن قيادة الإخوان الآن حريصة على الأوضاع الغامضة والقرارات المريبة الجائرة، وهي مسؤولة من قبل ومن بعد عن التهم الشنيعة التي توجه للإسلام من خصومه المتربصين، فقد صورته نزوات فرد متحكم»..
وفي سورية أيضاً لا تتوقف علاقة الإخوان بالماسونية على القطر المصري، ذلك أنه من بين تلاميذ حسن البنّا، كان هناك كذلك بعض من الجنسيات العربية، مثل مصطفى السباعي سوري الأصل المولود في مدينة حمص عام 1915، والذي يعد تلميذاً مجتهداً ورائداً ومؤسساً لجماعة الإخوان في سوريا.
كان السباعي مساهماً في الحركة الوطنية المصرية، رغم انتمائه للمحفل الماسوني الموجود في بيروت منذ نهاية القرن التاسع عشر، وفي العام 1945 انتخب مراقباً عاماً لجماعة الإخوان في سوريا (المنصب المكافئ والمعادل للمرشد العام للجماعة في مصر، وذلك لموهبته في الكتابة والخطابة وإسهاماته الواسعة في تزخيم الحركة الوطنية السورية)، لكن عدة كتب ومراجع تنبئنا بأن السباعي كان ماسونياً لا غش فيه، وبخاصة كتاب «الماسونية ذلك المجهول» لصاحبه الماسوني عبدالحليم إلياس الخوري، والذي نشر عام 1954 في بيروت، وقال فيه إن فارس الخوري رئيس الوزراء السوري، ومصطفى السباعي كانا في محفل ماسوني واحد في سوريا مع حسني الزعيم.
وهنا يتجاوز الأمر الشكوك إلى القطع، وما قضية انشقاق الإمام محمد الغزالي عن الإخوان بعد وفاة حسن البنّا، إلا تأكيد على كارثية المشهد، فالغزالي يرى أن الإخوان بعد وفاة المؤسس استقدموا رجلاً غريباً عن الجماعة ليتولى قيادتها، ويضيف: «أكاد أوقن بأن من وراء هذا الاستقدام أصابع هيئات سرية عالمية أرادت أن تدوخ وتضعف النشاط الإسلامي الوليد، فتسللت من خلال الثغرات المفتوحة في كيان جماعة هذه حالها وصنعت ما صنعت».
كلام الإمام يؤكده حقيقة التنظيم السرّي للإخوان والجهاز الخاص الذي ترأسه المدعو عبدالرحمن السندي، الذي كلف بمهام التصفيات الجسدية، في نسخة إخوانية عن الجماعات الماسونية التي تقوم على تصفية الأتباع.
وعليه يبقى السؤال: هل البيعة متشابهة بين الجماعتين أم أنها واحدة؟ الانتقام والتصفية ضمن أوراق الشبكة السلفية المنشورة على شبكة الأنترنت، والتي توجه نقدها الحاد للإخوان نقرأ كيف أنه يبقى المجال مفتوحاً على مصراعيه، والمقاربة الشاملة بين الإخوان والماسونيين في حاجة إلى كتب قائمة بذاتها، لا إلى بضع سطور أو تقرير مهما كثرت كلماته.
هنا نتوقف عند مقاربة أخيرة، وهي مواجهة الخارجين على الماسونية كتنظيم ومن يفشون أسرارهم، وكذلك الحال عند الإخوان ومآل من يعرّضون أوضاعها إلى الخطر.
الشاهد أن المصيرين واحد، ويبدأ من التشويه الأدبي والأخلاقي، ليصل إلى التصفية الجسدية، سواء بالسيف في الماسونية أو المسدس عند الإخوان.
ولعل القاسم المشترك في التصفيات الأدبية بين الجماعتين يتمحور حول التحكم في وسائل الإعلام بنوع خاص، تلك التي تطال الكثيرين من الخارجين، ولهذا برع الماسونيون والإخوان في حيازة وسائل الإعلام وشراء ذمم الإعلاميين والكتّاب ليكونوا عوناً لهم في مواجهة نوائب الدهر.
يعترف أحد كبار رجالات الإخوان الساكنين قطر من ستينيات القرن المنصرم بعد فراره من مصر، ونقصد به يوسف القرضاوي المعروف بـ«شيخ الفتنة» بأن «الإخوان إذا أحبوا شخصاً رفعوه إلى السماء السابعة وإذا كرهوه هبطوا به إلى الأرض السفلى»، وهذا ما يذكره بالحرف في كتابه «سيرة ومسيرة».
في هذا السياق، تبدو ظلال الماسونية ضافية وطافية على الإخوان، ويبدو الماسوني الأكبر نيقولاي ميكافيللي هو واضع لبنات ومناهج التفكير عندهما عبر قاعدته الفكرية البراجماتية الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة»، وهنا فإنهم أمام أي إجماع وطني أو أخلاقي يضاد رؤاهم، بل ومصالحهم يعمدون إلى التشويه والتجريح وصولاً إلى هدم الكيانات على رؤوس أصحابها.
تكاد الماسونية والإخوان أن يتحولا إلى أصنام للعبادة، فلا يهم العابدون بل الأهم هو الحجر المعبود، وعليه فإن اعترافات أعضاء سابقين من الإخوان تعرضوا للكثير من التشويه والازدراء من أمثال المحامي المصري مختار نوحن، أو زميله أبو العلا ماضي، تفضح حقيقة الإخوان.
ويقول الأخير، إن التيار الإسلامي مارس النفي والإقصاء والقتل ولابد من نقد أنفسنا قبل أن ننقد الآخرين، الأمر الذي يتفق فيه كذلك ممدوح اسماعيل المحامي في مقاله الطرد والإقصاء.
والخلاصة تبقى جماعة الإخوان رجع صدى لا يتلكأ ولا يتأخر للماسونية أمس واليوم إلى ما شاء الله.

مراسم الانتماء: إنه عالم الأشباح
من أهم الكتب التي تفتح أعيننا على أحوال الماسونية ومراسيم الانتماء إليها هو كتاب «الماسونية» لمؤلفه الأديب والشاعر السعودي أحمد بن عبدالغفور عطار مؤسس صحيفة «عكاظ» السعودية عام 1379ه، وهو من الأدباء الذين تحدثوا عن الإسلام وأسرار الشريعة في قضايا العبادات والمعاملات، وتمتاز نظرته باتساع الأفق، كما أن آراءه وأفكاره مقبولة عند كافة المسلمين.
يصف عطار مراسيم الانتماء إلى الماسونية بالقول «عندما يريد الراغب في الانتساب للجمعية ليكون عضواً فيها يقوده الحاجب معصب العينين إلى من يسلمه إلى الرئيس، وكل هذا يتم في جو غريب مرعب، وما يكاد يؤمر بفك العصابة عن عينيه إلا ويفاجأ بسيوف مسلولة حول عنقه، وأجواء هيكل سليمان تحيط به».
هل الوضع عند الانتماء لجماعة الإخوان مشابه؟ فلنقرأ ما كتبه محمود عساف أحد أعضاء تنظيم الإخوان، وأمين جهاز جمع المعلومات وسكرتير حسن البنّا حيث يصف مبايعته فيقول: «في يوم من أيام سنة 1944م، دعيت أنا والمرحوم الدكتور عبدالعزيز كامل، لكي نؤدي بيعة النظام الخاص.. ذهبنا إلى منزل في حارة الصليبية، ودخلنا غرفة معتمة يجلس فيها شخص غير واضح المعالم، بيد أن صوته معروف، هو صوت صالح عشماوي، وأمامه منضدة منخفضة الأرجل، وهو جالس أمامها متربعاً، وعلى المنضدة مصحف، ومسدس، وطلب من كل منا أن يضع يده اليمنى على المصحف والمسدس، ويؤدي البيعة بالطاعة للنظام الخاص، والعمل على نصرة الدعوة الإسلامية».
التشابه المريب بين البيعتين يؤكده محمود الصباغ الإخواني المصري الشهير في كتابه «حقيقة التنظيم الخاص» والذي تأسس في عام 1940، وهدفه إعداد أفراد منتقين من الإخوان للقيام بمهمات خاصة والتدريب على العمليات العسكرية، ومن القصص التي يرويها أن شخصية من يأخذ البيعة تبقى سراً لا يعرف إلى الأبد، الأمر الذي يصبغ على الانتماء حداً من الغموض الإيجابي إلى درجة أن يرسخ في ذهن المنتمي الجديد أن من أخذ عليه البيعة هو «ملاك رحمة» يأخذ بأيدي الأعضاء الجدد إلى طريق العز والخلود.

وسائل ماكيافيلّي
نيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي (3 مايو 1469 - 21 يونيو 1527)، كان مفكراً وفيلسوفاً وسياسياً إيطالياً، وهو المؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبح فيما بعد عصب دراسات العلم السياسي، أشهر كتبه على الإطلاق« كتاب الأمير» والذي كان عملاً هدف ماكيافيلي منه أن يكتب تعليمات للحكام، أيّد فيه فكرة أن ما هو مفيد فهو ضروري، والتي كان عبارة عن صورة مبكرة للنفعية والواقعية السياسية.
تقلد مكيافيلي الشاب منصباً إدارياً في الحكومة، زار خلالها البلاط الملكي في فرنسا، وألمانيا، ومقاطعات إيطالية عدة في بعثات دبلوماسية، بعدها بقليل حُبسَ ماكيافيلي في فلورنسا عام 1512، ونُفي بعدها إلى سان كاساينو، وتوفي في فلورنسا عام 1527م، ودفن في سانتا كراوس.
ويذهب الكثير من المفكرين السياسيين بأن لماكيافيلي دوراً مهماً في تطور الفكر السياسي، حيث إنه أسس منهجاً جديداً في السياسة، بأفكار تبشر بمحاولات لتجاوز الفكر الديني. وكان ماكيافيلي يعتبر أن من المسموح به استخدام كل الوسائل في الصراع السياسي، وهو القائل «الغاية تبرر الوسيلة» لتبرير القسوة والوحشية في صراع الحكام على السلطة، وأصبحت صفة الماكيافيلية تطلق على كل تصرف أناني سواء في السياسة أو غيرها.

غلوب باشا.. العسكرية الماسونية
تثير سيرة السير جون باغوت غلوب، المعروف باسم غلوب باشا، (ولقبه أبو حنيك) (16 أبريل 1897 - 17 مارس 1986)، الكثير من الشكوك حول أصوله الماسونية، وعلاقته باليهود، ودوره في المنطقة العربية.
وغلوب باشا ضابط بريطاني قاد الجيش الأردني بين العامين 1939 و1956، أي خلال الفترة التي نشأت فيها إسرائيل، والحروب المباشرة التي خاضتها ضد العرب.
وكان جلوب يذكر دائماً أنه ترك ولاءه لبريطانيا، وأنه موالٍ ومخلص للقضايا العربية، لكن الدور الذي لعبه في حرب 1948، لا يؤكد هذا الادعاء.
انشغل غلوب باشا بالكتابة عن أحوال المنطقة العربية، ومن بين كتبه كتاب بعنوان «الفتوحات العربية الكبرى»، تطغى عليه النزعة الاستعمارية في التشويه والتضليل ورسم الصور الزائفة التي تشكك القارئ في الشخصيات العربية العظيمة ابتداءً من النبي صلى الله عليه وسلم، وانتهاءً بصغار القادة، عبورًا بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وخالد وأبي عبيدة وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم. ومن يقرأ الكتاب، يلمس تأييد المؤلف بالكامل للحركة الصهيونية وأطماعها.
ويعيد كثير من الباحثين توجهات غلوب باشا هذه إلى ماسونيته.
بقي غلوب باشا في منصب قيادة الجيش الأردني حتى 2 مارس 1956 عندما أعفاه الملك الراحل الحسين بن طلال من مهامه، في إطار قراره تعريب قيادة الجيش العربي التاريخي.

المراجع:
كتاب «التاريخ السري لجماعة الإخوان»، مذكرات علي العشماوي.
كتاب «لمحات عن دعوة الإخوان» لمحمد بن عوض.
كتاب «سر المعبد...» لثروت الخرباوي.
كتاب «الإخوان من هم وماذا يريدون؟» للشيخ علي الوصيفي.
دراسة «أوراق الشبكات السلفية» منشورة على الشبكة العنكبوتية.
كتاب «الأسرار الخفية في الجمعية الماسونية» لشاهين مكاريوس.
كتاب «الماسونية» لأحمد العطار.
كتاب «معالم الحق» للشيخ محمد الغزالي.
كتاب «الماسونية ذلك المجهول» لالياس الخوري.
كتاب «الإخوان سبعون عاماً في الدعوة والتربية والجهاد» ليوسف القرضاوي.