صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

خطة السيطرة على العالم

عندما تجعل العقائد السرية الإنسان مجرد مطية لمصالحها

عندما تجعل العقائد السرية الإنسان مجرد مطية لمصالحها

هاشم صالح

يقال إنه عندما زار حسن البنّا السعودية حظي بمقابلة الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود. وبعد أن سلّم عليه وقبّل يده راجياً الدعم حتماً، سأله الملك مستعجباً ومستنكراً: يا حسن كلنا إخوان وكلنا مسلمون، فلماذا إذن هذا التنظيم الجديد؟ ما فائدته أو ما الحاجة إليه؟ في الواقع إن هذا التساؤل المنطقي يخطر على بال كل من يمتلك العقل والحس الصائب. ولكن يزول العجب إذا ما علمنا أن هذا التنظيم الذي تشكل لأول مرة عام 1928 كان يهدف إلى شق وحدة المسلمين عن طريق الاستئثار بالإسلام لوحده. وهذا ما كان يخشاه الملك عبد العزيز أشد الخشية.
كان تنظيم الإخوان يهدف ضمناً إلى الإيحاء بأن المسلم الحقيقي هو فقط ذلك الشخص الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان. وأما الباقون، أي أغلبية المسلمين، فمشكوك بإسلامهم. أو قل إن إسلامهم خفيف أو ضعيف رخو لا يعتد به. هذا هو المغزى الحقيقي لتشكيل هذه الجماعة التي تحولت لاحقاً إلى أخطر طائفة في تاريخ الإسلام. فمن رحمها خرجت كل حركات التطرف والإرهاب، وبالأخص القاعدة وداعش. فمؤسس القاعدة في أفغانستان هو عبدالله عزام الإخونجي السابق. ومؤسس داعش هو إبراهيم عواد الذي نصّب نفسه خليفة المسلمين تحت اسم أبو بكر البغدادي. ومعلوم أنه تربى أيضاً على أيدي الإخوان باعتراف القرضاوي نفسه. وهو يعرف عما يتحدث بالضبط لأنه شيخهم الأكبر وإنْ كان قد حاول مؤخراً التبرؤ من هذه الجماعة التي أصبحت على ما يبدو عبئاً عليه. يضاف إلى ذلك أن جماعة الإخوان كانت تهدف إلى السطو على الإسلام ومصادرته لمصلحتها ومحاربة الآخرين بسلاح الدين. ومعلوم أن من يمتلك مشروعية الدين في بلادنا يستطيع أن يطالب فوراً بامتلاك السلطة السياسية. من هنا الطابع البراغماتي والانتهازي لجماعات الإسلام السياسي. فالدين هو قدس الأقداس ورمز الرموز. الدين هو الرأسمال الرمزي الأعظم وكنز الكنوز. والشعب يتبع بشكل عفوي من يمتلكه أو يدّعي امتلاكه ويسير وراءه دون نقاش.
إن جماعة الإخوان تقول لنا ما معناه: إذا كنتم في صف المعارضة فأنتم لستم ضدنا فقط وإنما ضد الإسلام ذاته. هنا يكمن السلاح الفتّاك الرهيب الذي يمتلكه الإخوان. ولكن حيلتهم ابتدأت تنكشف وراح القناع يسقط عن وجوههم. بل وابتدأ ينكشف ما هو أخطر من ذلك: علاقة الإخوان بالماسونية.
صحيح أن أفكار الماسونية وعقائدها غير أفكار الإخوان وعقائدهم بشكل عام، بل ومضادة لها. ولكن الهيكلية التنظيمية وأساليب العمل السري المشبوه متشابهة، إنْ لم تكن متطابقة. وبما أن الماسونية ظهرت قبل الإخوان بقرون عديدة، فهذا يعني أن الإخوان هم الذين قلّدوا الماسونية وليس العكس. لكي نتأكد من ذلك يكفي أن نستشير مؤلفات المفكر المصري ثروت الخرباوي الذي كان عضواً قيادياً في جماعة الإخوان قبل أن ينسحب منهم وينقلب عليهم. فأهل مكة أدرى بشعابها. ومعلوم أنه أصدر بعد مغادرته لهم كتابين أساسيين هما: «قلب الإخوان/‏‏‏‏‏‏ محاكم تفتيش الجماعة». ثم: «سر المعبد: الأسرار الخفية لجماعة الإخوان». نستنتج من هذين الكتابين ومن تصريحات المؤلف ومقابلاته أن حسن البنّا شكّل جماعة الإخوان على غرار التنظيم الماسوني. والدليل على ذلك سمات أو صفات عدة:
أولاً، كلاهما يتسم بالسرية والغموض، ويرفض الكشف عن أسماء أعضائه.
وثانياً، كلاهما قائم على الطاعة العمياء والمراتبية الهرمية. بمعنى أن المرؤوسين ينبغي أن يخضعوا لأوامر رؤسائهم في التنظيم دون نقاش.
وثالثاً، هناك طقوس وشعائر مشتركة، خاصة عندما ينتسب عضو جديد إلى الجماعة. وهذا ما يدعى بالتلقين أو التدريب التلقيني السري للعضو الغر الداخل إلى الماسونية أو إلى الإخوان لأول مرة.
والدليل على العلاقة التشابهية بين الإخوان والماسونية هو التطابق في أسلوب البيعة وأداء القسم. فالعضو الجديد الغر يدخل إلى غرفة مظلمة، ويجلس على الأرض وأمامه منضدة صغيرة. ثم طريقة وضع اليد على المنضدة وأداء القسم الذي يقول فيه إنه يحل دمه إذا ما خان الجماعة أو حاول الخروج منها بعد دخولها. يضاف إلى ذلك أن الشخص الذي يؤدي القسم أمامه ويبايعه يكون مقنّعاً غير مكشوف الوجه.
وإلى كل ذلك، هناك التنظيم الهرمي المراتبي السائد لدى الماسونية ولدى الإخوان. ففي الماسونية هناك عموماً ثلاث درجات يرتقيها المريد من القاع إلى القمة. وهي لدى الماسونيين ثلاث مراتب:
أولاً، مرتبة المريد المبتدئ.
وثانياً، مرتبة أهل الصنعة.
وثالثاً، مرتبة الخبير.
وأما لدى الإخوان فتوجد خمس مراتب:
أولاً، يكون المريد محباً، ثم يصبح مؤيداً، ثم يصبح أخاً، ثم يرتفع أكثر فيصبح أخاً عاملاً أو فاعلاً، ثم يصبح أخيراً أخاً مجاهداً.
وأخذ البنّا من الماسونية مصطلح أستاذية العالم، أي السيطرة على العالم كله. وهو هدف الماسونية بامتياز. والواقع أن التنظيم الماسوني كما الإخواني متفرع بشكل أخطبوطي ومنتشر في معظم بلدان العالم. وأخذ البنّا عن الماسونية مفهوم «الشعوب الحرة والبنائين العظام» وهو مصطلح ماسوني أيضاً. وكثيراً ما يتردد في خطب وكتابات قادة الإخوان الأوائل. بل وحتى رمز الإخوان تحول إلى نجمة تبعاً للهندسة الماسونية. وبالتالي فالتشابهات عديدة بين الماسونية والإخوان المسلمين.

اتهامات الغزالي
واعترف بذلك الشيخ الشهير محمد الغزالي الذي يعتبر إحدى مرجعياتهم وإنْ لم يكن منهم. فقد اتهم المرشد الثاني للجماعة، أي حسن الهضيبي، بأنه كان عضواً في المحفل الماسوني في مصر، وهو المحفل الذي ألغاه جمال عبد الناصر عام 1964. واتهم الشيخ الغزالي سيد قطب أيضاً بأنه كان ماسونياً. وكان من كتّاب جريدة تاج الحق أو التاج المصري لسان حال المحفل الماسوني في أواسط القرن الماضي. وأكد الغزالي أن الماسونية تنظيم عالمي تماماً كالإخوان. واتهم الغزالي الماسونية بأنها اخترقت جماعة الإخوان عن طريق سيد قطب الذي حول الجماعة من دعوية إرشادية إلى جماعة مسيّسة جداً، بل وانقلابية خطرة. ذلك أن هدفها قلب أنظمة الحكم في كل الدول العربية والإسلامية.
هذه الاتهامات ليست صادرة عن مثقفين عرب علمانيين أو حداثيين مضادين للإخوان بشكل جذري، وإنما عن واحد من أكبر شيوخ الإسلام في القرن العشرين: الشيخ محمد الغزالي. وهو يعرف عما يتحدث بالضبط لأنه كان إخوانياً في شبابه قبل أن ينفصل عنهم.

خطأ قطب
وبهذا الصدد ينبغي القول، إن سيد قطب أخطأ خطأ جسيماً عندما نقل الأفكار التكفيرية المتطرفة لأبي الأعلى المودودي وطبقها على الحالة المصرية. فالمودوي اتهم المجتمع بأنه يعيش حالة الجاهلية والكفر لأنه كان ينتمي إلى المجتمع الهندي الذي يعبد كل شيء ما عدا الله، كعبادة نهر الغانج المقدس والبقر والشمس وسواها. ولكن ذلك لا وجود له في المجتمع المصري الذي لا يعبد إلا الله وحده. وبالتالي فلماذا التكفير؟ وبأي حق؟ هذه هي الجريمة التي ارتكبها سيد قطب بحق المجتمع المصري وكل المجتمعات العربية. والأنكى من ذلك أن تلاميذه من أمثال شكري مصطفى وجماعة التكفير والهجرة دعاة الانفصال عن المجتمع الكافر والعيش في الصحراء، أصبحوا متطرفين أكثر منه. ثم تفاقمت الأمور فداحة حتى وصلنا إلى القاعدة والنصرة وجوهرة الجواهر التكفيرية: داعش! كل هذا له تاريخ، له أصول وليس ناتجاً من فراغ.

اعترافات قطب
هذا هو عنوان المقالة التي نشرها سيد قطب في مجلة التاج المصري أو تاج الحق التي كانت الناطق الرسمي باسم المحفل الماسوني الأكبر في بلاد الكنانة آنذاك. كانت منبرهم الفكري الأساسي، ونشرها بتاريخ 23 أبريل من عام 1943. وفيها يشرح الأسباب التي دفعته للالتحاق بالماسونية. يقول ما معناه: لقد التحقت بها لأني شعرت بأنه يوجد في الماسونية علاج لجراح البشرية. وقد طرقت على بابهم بغية تغذية الروح بالفلسفة والحكمة. وكذلك بغية أن أصبح مجاهداً إلى جانب المجاهدين وأعمل إلى جانب أولئك الذين يعملون.
هذا فحوى كلامه. والواقع أنه كان ابتدأ الكتابة بها منذ عام 1942. ومعلوم أنه كان مكتوباً على غلاف المجلة العبارة التالية: مطبوعة من قبل الماسونيين الفوقانيين أو العلويين. نقول ذلك ونحن نعلم أن الجماعات الماسونية منظمة بطريقة مراتبية هرمية كما ذكرنا سابقاً. بمعنى أنك تتدرج فيها بداية من أسفل الهرم لكي تصل إلى أعلاه بعد سنوات طويلة من النضال والكفاح في نهاية حياتك، هذا إذا وصلت بطبيعة الحال. أنت وحظك، أو أنت وشطارتك ومهارتك. ولذا نستنتج أنه عندما ظهر سيد قطب علنياً على صفحات هذه المجلة، فهذا يعني أنه كان وراءه تاريخ طويل من النضال الماسوني.
ولكن نشاطاته أو تاريخه الشخصي داخل الماسونية يعتبر شيئاً سرياً ومخفياً كبقية النشاطات والأعمال التي تخص الماسونية. فهي تنظيم شديد السرية تماماً كتنظيم الإخوان. بل إن الإخوان شكلوا أنفسهم كما ذكرنا على منوالها وغرارها واتخذوها قدوة لهم، نظراً للفعالية الرهيبة التي تتمتع بها الماسونية. ولكن الماسونية المصرية اضطرت إلى إغلاق دكانها والنزول تحت الأرض بعد عام 1964. وذلك كبقية المنظمات السرية التي ترفض الكشف عن نشاطاتها وأسماء أعضائها. من هنا نفهم كلام الشيخ محمد الغزالي الذي كان مرجعية عقائدية للإخوان المسلمين تماماً كالقرضاوي اليوم. فهو يقول في كتابه «من ملامح الحق» ما معناه: لقد كان سيد وقطب وحسن البنّا مختلفين ومتخاصمين. وبعد اغتيال البنّا عام 1947 أصبحت جماعة الإخوان ماسونية. ثم يقول إن الماسونية هي التي كانت تختار قادة الإخوان وتبث أفكارها وسط أعضاء الجماعة. كما ويذكر أن الماسونية نجحت في اختراق الجماعة عن طريق سيد قطب الذي «زرعته» في أحضانها. حقاً إن الماسونية رهيبة وقادرة على كل شيء.

الأيديولوجيا التوتاليتارية
على أي حال نستنتج من مختلف المراجع والمصادر أن حركة الإخوان ذات انتشار عالمي وتفرعات أخطبوطية تماماً كالماسونية. كلتاهما أيضاً ذات طابع سري شبه مطلق. وكلتاهما تقومان على الطاعة العمياء: أي طاعة المرؤوسين للرؤساء أو لمن هم أعلى مرتبة منهم في السلك الهرمي. وهذه صفة الأنظمة الفاشية في الواقع، حيث لا مكان للإبداع الشخصي ولا للحرية الفكرية. فالفرد في هذا النوع من التنظيمات الفاشية ليس إلا رجل كرسي أو وسيلة لتنفيذ الأوامر الآتية من فوق. وهنا كانت تكمن مشكلة الرئيس محمد مرسي: إنها عقليته الإخونجية.
وهذا ما يؤكده أيضاً الباحث الفرنسي ميكائيل برازان في كتابه الصادر في باريس تحت عنوان شديد الدلالة: «الإخوان المسلمون: تحريات عن آخر أيديولوجيا توتاليتارية». بمعنى أنه بعد سقوط الشيوعية والنازية والفاشية لم يبق سواها في الساحة. فهو يقول ما يلي: «أحياناً أقول إن آلية اشتغال جماعة الإخوان تشبه آلية اشتغال الأممية الشيوعية السوفييتية التي يقف على رأسها المكتب السياسي والسكرتير العام للحزب. وهو يقابل المرشد العام لدى الإخوان. وأحياناً أقول إن الإخوان أقرب إلى الماسونية من حيث التشكيل والتنظيم والفعالية. وقد انتهى بي الأمر أخيراً إلى القول إنها مزيج من هذه وتلك، أي من الشيوعية والماسونية. ولكن ليس على مستوى الأفكار بطبيعة الحال وإنما على مستوى التشكيل والتنظيم وآلية العمل والاشتغال». ثم يخلص الباحث إلى القول: «في الواقع إن ثورات الربيع العربي ستكون مقبرة للإخوان. بمعنى أنهم سيربحون في البداية ويخسرون في النهاية عندما ينكشفون على حقيقتهم. وهذا ما حصل بالفعل في تونس ومصر وأقطار أخرى».

غزو الغرب
ننتقل الآن إلى الجزء النهائي والأخير من هذا البحث المطول.
المشروع الجهنمي للإخوان: غزو الغرب والسيطرة على العالم!
من يصدق ذلك؟ نعم هذا ما يحلمون به. إنهم يحلمون بأن يرفعوا علمهم على قصر الإليزيه بباريس، وعلى مدخل داوننغ ستريت في لندن، وعلى أعالي الكرملين في موسكو، وبالطبع على واجهة البيت الأبيض في واشنطن. وهذا أكبر دليل على مدى الاستلاب الفكري للعقلية الإخونجية. إنهم في واد والعالم كله في واد آخر. إنهم لا يدركون أنهم ليسوا شيئاً يذكر بالقياس إلى القوى العظمى التي تتحكم بمصير العالم. يضاف إلى ذلك أننا قد نفتح العالم بمفهوم متجدد لرسالة الإسلام السمحة لا بمفهوم إرهابي متخلف عفا عليه الزمن. بإمكاننا أن نفتح العالم بإسلام العصر الذهبي، لا بإسلام عصر الانحطاط! ولكن هذا شيء لا يخطر لهم على البال ولا يدركون معناه أصلاً. على أي حال هذا ما كشفه الباحث السويسري سيلفان بيسون في كتاب كامل مليء بالكشوفات المدهشة. عنوان الكتاب: «فتح الغرب: المشروع السري للإخوان المسلمين». فلندخل في تفاصيله.
يقول لنا هذا الكاتب أنه بعد أحداث 11 سبتمبر بشهر واحد قام البوليس الأوروبي بكبسة ليلية مفاجئة على فيلا فخمة تقع على شواطئ إحدى البحيرات السويسرية الخلاّبة. ومن يسكن هذه الفيلا؟ إنه يوسف ندا، مدير أعمالهم ورئيس بنك التقوى الإخواني. وماذا وجدوا في الفيلا؟ وثيقة سرية جداً لا تقدر بثمن تدعى: المشروع الكبير، أي مشروع الإخوان المسلمين للسيطرة على أوروبا وأميركا والعالم كله. وهذا المشروع يقول إن الغاية تبرر الوسيلة. فكل الوسائل ينبغي استخدامها لتنفيذ حكم الإخوان على وجه الأرض. من هذه الوسائل: التغلغل في المجتمعات الأوروبية واختراقها من الداخل، ثم استخدام البروباغندا الإخوانية على أوسع نطاق، ثم التحالف مع المتطرفين التكفيريين في كل مكان إذا لزم الأمر لإنجاح المشروع بالقوة إنْ تعذر بالطرق الأخرى.
ثم يضيف الباحث السويسري قائلاً: في الواقع إن هذا المشروع السري الذي ينكره الإخوان علانية يكشف لنا عن جوانب مخبوءة من خططهم تجاه الغرب. وهو مستلهم من الأفكار الراديكالية المتطرفة للإخوان الموجودين في معظم المجتمعات الأوروبية وأميركا الشمالية. فقد استطاع الإخوان على مدار الخمسين سنة الماضية نسج شبكة هائلة من العلاقات داخل مجتمعات الغرب. وقد تم ذلك عن طريق الجوامع والمراكز الثقافية التي ليس لها من الثقافة إلا الاسم. فهي بؤر للبروباغندا الإخوانية فقط. ومن بينها مركز كبير في سويسرا للإخواني سعيد رمضان والد طارق رمضان الممول بسخاء من قبل قطر. كما وشكل الإخوان في ألمانيا وفرنسا وانجلترا وسواها من بلدان أوروبا عشرات الجمعيات «الخيرية» لهذا الغرض. وهي جمعيات ليس لها من الخيرية إلا الاسم لأنها تهدف إلى تطبيق المشروع الإخواني على أرض أوروبا بالذات عن طريق استخدام الجاليات العربية والإسلامية هناك.
وهنا يطرح المؤلف هذا السؤال: من هم هؤلاء الإخوان الذين يزعمون بأنهم معتدلون وسطيون؟ وهل يصدق ذلك إلا كل ساذج ومغفل. لا ريب في أنهم ظاهرياً يبدون معتدلين ولكن هذا أسلوب التقية والحذر. فالواقع أنهم يتابعون نفس مشروع المتطرفين ولكن بطريقة أخرى أكثر نعومة وكياسة. وهذا المشروع السري ينزع عن وجههم الحقيقي القناع الذي يتسترون به. وإلا فلماذا احتفظوا بهذا المشروع سرياً لمدة عشرين عاماً؟ لماذا تستروا عليه في خزائنهم التي فتحها المحققون في الفيلا الفخمة للسيد يوسف ندا؟ أسئلة كثيرة تطرح نفسها بخصوص هذه الجماعة الغامضة المشبوهة: جماعة الإخوان التي استطاعت أن تبني امبراطورية بنكية أو مصرفية عبر سبعين بلداً من بلدان العالم. ومعظم فلوسهم آتية من جهة منطقة الخليج العربي، وخصوصاً من قطر. حقاً إنهم تنظيم أخطبوطي شبه ماسوني.

لماذا حاول الإخوان اغتيال عباس محمود العقاد؟
أكبر دليل على الطابع العدواني الرهيب لجماعة الإخوان السرية المشبوهة، هو محاولة اغتيال كل من يختلف معها في الرأي، وبالأخص إذا كان مفكراً كبيراً له وزن وتأثير على الرأي العام. وهذه هي حالة الأستاذ عباس محمود العقاد الذي كان عملاق الفكر العربي بالإضافة إلى طه حسين.
كلنا تربينا على مؤلفاته وأفكاره وليس فقط شباب مصر. لقد كان مفكر العرب كلهم من المحيط إلى الخليج. وقد كنت ألتهم كتبه التهاماً في المرحلة الثانوية والجامعية. وأتذكر أني حزنت جداً، بل وبكيت بحرقة عندما سمعت بخبر وفاته، وكنت أعتقد أنه مخلّد لا يموت. كان عمري آنذاك أربعة عشر عاماً فقط وكنت متعلقاً به جداً. المهم في الأمر هو أن الأستاذ العقاد ككل مفكر جريء وحر وقف موقفاً حازماً من هذه الجماعة وخاطر بنفسه في وقت صعودها: أي عندما كانت تحتل قسماً كبيراً من الشارع المصري الشعبوي. وتحداها! ومن يتجرأ على ذلك إلا عباس محمود العقاد؟ والشيء الذي أزعجه أكثر هو استخدامها للاغتيالات كسلاح فعال لترويع الخصوم المختلفين معهم في الرأي، وإخراس أصواتهم عن طريق الرصاص. وهذه هي عادتهم وديدنهم، فقد قتلوا العشرات وربما المئات من المثقفين وقادة الرأي العام في مصر وسوريا والمغرب وبقية أقطار العرب. ومعلوم أن العقاد كان يكره جداً أساليب الإرهاب الفكري ولا يطيقها. من هنا موقفه الصلب والقوي ضد جماعة الإخوان المسلمين.
ولذلك، فبعد اغتيالهم لرئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي كتب الأستاذ العقاد مقالة مدوية يندد فيها بما فعله الإخوان ويصفهم بالعصابة الإجرامية. وهذا أخطر من نعتهم بالماسونية، ثم يقول حرفياً: «أجمع المصريون على استنكار تلك الجرائم الوحشية التي يقدم على ارتكابها أفراد جمعية الإخوان المسلمين، ولكن فريقاً من الذين بحثوا في تلك الجرائم يتوهمون أن جناتها الأشرار يساقون إليها بدافع من الإيمان المضلل، ويحسبون أن إدخال هذا الإيمان إلى عقولهم الملتوية يحتاج إلى قدرة نفسية، أو قوة من قبيل القوة المغناطيسية، وهذا هو الوهم الذي يفترض أن للمجرمين شرفاً لا يرتفعون إليه هو شرف الإيمان ولو كان إيماناً مضللاً ومنحرفاً عن مقاصد الأديان وبخاصة مقاصد الدين الإسلامي». هكذا نجد أنه يتهم الجماعة بأنها غسلت دماغ أتباعها وصورت لهم الباطل حقاً والحق باطلاً ودفعتهم دفعاً لاغتيال النقراشي والقاضي الخزندار وشخصيات أخرى عديدة، وهذا هو معنى القوة المغناطيسية الواردة في كلامه. هذا الموقف الصارم للأستاذ العقاد دفع بهم إلى تهديده بالرسائل المشفرة كمرحلة أولى إذ قالوا له فيها: «قُذفت القاذفة». بمعنى أزفت الآزفة وحان أجلك، ولكنه لم يعبأ بهم ولم يخف منهم نظراً لقوة شخصيته، فانتقلوا إلى المرحلة التالية: التخطيط لاغتياله فعلاً. كانوا يعرفون أن تليفونه موجود بالقرب من النافذة الزجاجية المواجهة لمنطقة خلاء، فضربوا له تليفوناً وعندما توجه إلى النافذة لرفع السماعة والرد على المكالمة أطلقوا عليه النار، ولكن الرصاصة التي اخترقت الزجاج لم تصبه لحسن الحظ، وهكذا حماه الله منهم. وعندما سمعت وزارة الداخلية بالأمر أرسلت فرقة حراسة لحمايته لأنه كان بالفعل على رأس قائمة الشخصيات التي يريدون اغتيالها.
نقول ذلك على الرغم من أنه لم يشتكِ إلى الوزارة ولم يطلب أي حماية، وإنما فعلوا ذلك على غير علم منه ودون استشارته. هذه هي قصة اغتيال الأستاذ العقاد رويناها بكلمات معدودات.

البغدادي.. الأصل الإخواني
إبراهيم عواد إبراهيم علي البدري السامرائي، أو أبو بكر البغدادي، قائد تنظيم «داعش» في العراق والشام ولقّب نفسه بأمير دولة العراق الإسلامية، هو خريج المدرسة الإخوانية بامتياز. وقد تحدث عن ذلك بوضوح شيخهم يوسف القرضاوي.
أسست الارتباطات الإخوانية لكي يختط البغدادي عبرها طريقه نحو التوحوش على النحو الذي مارسته «داعش» في كل من العراق وسوريا، وفي غيرها من بقاع المسلمين.
تخطى البغدادي الثانوية العامة عام 1991 بنتيجة 481 من أصل 600 نقطة. وحصل في شهادة الثانوية العامة على درجات إضافية كونه «شقيقاً لأحد الشهداء»، في عهد صدام حسين. أما البغدادي نفسه، فلم يتم قبوله لتأدية الخدمة العسكرية، بسبب قصر النظر في العينين.
انتسب البغدادي إلى جامعة بغداد، وأراد دراسة القانون، وكانت رغبته الثانية والثالثة هما علم اللغات وعلم التربية. ولكن درجاته لم تكن كافية لدخول أحد هذه الفروع الدراسية، فالتحق في نهاية المطاف بكلية الشريعة الإسلامية، فحصل منها على البكالوريوس في الدراسات القرآنية. وبعدها على الماجستير 2002، وتمحورت رسالته حول موضوع تلاوات القرآن الكريم، وبعد ذلك على شهادة الدكتوراه 2006 في الاختصاص ذاته.
وهو موضوع على عدد من قوائم الإرهاب التي تصدرها دول العالم.

طعون المودودي
يبجّل الإخوان أبو الأعلى المودودي باعتباره عالماً في الدين لا يشق له غبار. وقد تأثّر سيّد قطب بالعديد من أفكاره ودعواته، خصوصاً تلك ذات الصبغة العنفية والانغلاقية. ومن أهم ما يأخذ الدارسون على المودودي هي طعونه بعدد من الأنبياء والصحابة.
ولد المودودي بمدينة جيلى بورة القريبة من أورنج أباد في ولاية حيدر أباد بالهند، من أسرة مسلمة محافظة اشتهرت بالتدين والثقافة. لم يعلمه أبوه في المدارس الإنجليزية، واكتفى بتعليمه في البيت. درس على أبيه اللغة العربية والقرآن والحديث والفقه وكانت أسرته أسرة علم وفضل. بدأ المودودي العمل في الصحافة عام 1337 ه. وأصدر مجلة «ترجمان القرآن» عام 1351 ه. أسس الجماعة الإسلامية في الهند عام 1360 ه وقادها ثلاثين عاما، ثم اعتزل الإمارة لأسباب صحية عام 1392 هـ وتفرغ للكتابة والتأليف.
اعتقل في باكستان ثلاث مرات وحكم عليه بالإعدام عام 1373 ه، ثم خفف حكم الإعدام إلى السجن مدى الحياة. كما تعرض المودودي لأكثر من محاولة اغتيال. وهو صاحب فكرة ومشروع إنشاء الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وبعد إنشائها صار عضواً في مجلس الجامعة. وكان عضوا مؤسساً في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي. وله من المؤلفات الكثيرة عدها بعضهم فتجاوزت الستين كتاباً. توفي عام 1979 ودفن في ساحة منزله بمدينة لاهور الباكستانية.