الاتحاد

ثقافة

«المستوحشون» في الأرض!

ما الذي يدفع المبدع إلى التصدع؟

ما الذي يدفع المبدع إلى التصدع؟

تحقيق: هزاع أبوالريش

خاض العديد من الكتاب والمثقفين والأدباء، على مر العصور، معارك شرسة وطاحنة مع النفس، ولم يستطيعوا التغلب عليها، والخروج من اضطراباتهم النفسية بسلام، ثم خسروا إبداعاتهم في الوهلة الأخيرة، ولم يجدوا حتى أنفسهم، بعد المسيرة الحافلة بالإنجازات المبدعة والملهمة.
والحديث عن العلاقة بين الإبداع والمرض النفسي «بل والجنون أحياناً» حديث قديم متجدد؛ ذلك أن صراعات المبدع لن تنتهي، وأمراض النفس البشرية هي الأخرى لن تنتهي.

مبدعون أم مرضى؟
ثمة ميل لدى كثير من المتخصصين في الطب النفسي، والفلاسفة أيضاً، إلى وجود خيط رفيع بين الأدب والجنون، أو بالأحرى الاضطرابات النفسية التي تؤثر على المبدع. وإذا أردنا أن نذكر الكتاب المشهورين الذين تعرضوا لاضطرابات نفسية سنجد الكثير، من أبرزهم: «سيلفيا بلاث» التي انتحرت عام 1963 بوضع رأسها في فرن مشتعل. و«إدغار آلان بو» الذي أدخل مستشفى الأمراض العقلية، وتوفي إثر إصابته بورم في المخ. و«فرانز كافاكا» الذي كان دوماً يعاني الأرق والاكتئاب، ومرض ثم توفي بسبب «الجوع». و«فليب. ك. ديك» الذي عانى علامات انفصام في الشخصية، وهلوسة سمعية وبصرية، فتم حجزه في المستشفى، والأمثلة كثيرة لمبدعين كانوا يعيشون حالات اكتئابية وأعراضاً نفسية تشبه أعراض المرض النفسي، لكن لماذا؟

فتّش عن الاختلاف
ربما يفسر ذلك أن المبدع غالباً ما يخرج عن نمطية الواقع، ليغوص في جدلية الفكرة والنظرة التأملية، ويغرق في الاستفهامات والتساؤلات التي تجول في ذهنه، ليصبح بعدها تائهاً ما بين الشك واليقين، كشعرة مرهفة أصبحت أدق من الوعي نفسه. هذه المعاناة النفسية الهائلة هي ما يجعلنا نكرر دائماً أن «الإبداع يخرج من رحم المعاناة»، وما المبدع سوى شظايا ذاته، ومعظم المبدعين الذين سطرت أسماؤهم على صفحات التاريخ، عانوا في حياتهم بشكل أو بآخر ألماً نفسياً بسبب الحروب أو السجن أو الفقدان ناهيك عن الأمراض النفسية التي أصابت بعضهم بالفعل.
لكن السؤال الذي لا يزال محيّراً: هل يعيش المبدعون بعيداً عن الواقع ليصطدموا بجدار العزلة، ثم يعيشوا الوحشة النفسية التي يمرون بها، مما يسبب لهم اضطرابات مزمنة قد تؤثر على حياتهم وإبداعاتهم مع الوقت؟ وهل تجعلهم يعانون أمراضاً نفسية أكثر من الناس الطبيعيين، وهل هناك علاقة تربط بين الحالات الإبداعية والنفسية؟
يشير الدكتور خالد البغدادي، استشاري أمراض المخ والأعصاب والفسيولوجيا السريرية العصبية، إلى مقولة الفيلسوف اليوناني أرسطو: «لم يكن هناك عبقري من غير لمسة جنون»، أي أن كل عبقري يعاني مشكلة نفسية ما، مضيفاً أن الارتباط بين المشاكل النفسية والإبداع له تساؤل منذ عهدٍ طويل، فمثلاً في عام 1931 قام العالم ايكباوم بسؤال 800 مبدع في ذلك الوقت، قلة قليلة منهم كانت خالية من الأمراض النفسية، فأكثر الاضطرابات النفسية كانت الاكتئاب الحاد، وانفصام الشخصية أو مرض ثنائي القطب.
وتابع البغدادي: بعض الدراسات بينت انتشار الاضطرابات النفسية بين فئة الكتاب أكثر من غيرهم. بيد أن تفسير هذا الارتباط بين الاضطراب النفسي والإبداع ليس واضحاً، ولكن توجد هناك فرضيات عدة، الأولى: مريض ثنائي القطب يعاني تقلبات بين مرحلة أو قطب الاكتئاب و مرحلة أو قطب الجنون، فالمريض يتنقل بين هذه المرحلة وتلك. بعد خروجه من مرحلة الاكتئاب ينتقل فوراً إلى مرحلة الجنون وفي هذه المرحلة تبين بالفحوص أن الفص الأمامي للمخ يعمل بصورة نشطة جداً، وهو الفص المطلوب استخدامه في حل مسائل معقدة والألغاز، هذا النشاط المفرط يمكن أن تنتج عنه أفكار إبداعية. والثانية: أثناء قطب الجنون، تتزاحم أفكار وفرضيات كثيرة وفي وقت واحد في عقل المريض، وهذا تنتج عنه أفكار عبقرية أيضاً. وأما الفرضية الثالثة والأخيرة: فهي عدم وجود أو ضعف في الفلتر العقلي لدى الأشخاص المصابين بالاضطراب النفسي، فالأفكار تخرج من دون تنظيم واضح.
وأوضح الدكتور مازن حمودي، استشاري الطب النفسي «البورد الأميركي»، ورئيس قسم الطب النفسي في عيادات نوفومد: بالنسبة للاضطرابات النفسية التي تصيب بعض المبدعين، لا تختلف في أسبابها عن غير المبدعين، وليس هناك أسباب تخص المبدع، فأسباب المرض النفسي إما أن يكون وراثياً جينياً أو يكون لظروف قاهرة في وقته مثل الجانب المادي، الوظيفي، الفقر، الحاجة، بما يعني أن المرض النفسي مرتبط بالجينات الوراثية والظروف البيئية. الإبداع لا يتعلق بأي حالة نفسية يمر بها المبدع.
ويشير حمودي إلى أن أكثر الأمراض شيوعاً عند بعض المبدعين، مرض الاكتئاب الشديد «الرئيسي»، كما يُسمى، ومرض اضطراب المزاج ثنائي القطب أو كما يُسمى قديماً «الزهو الاكتئابي»، وهو مرض يجعل الشخص يمر بحالتين مزاجيتين: الأولى حالة مزاجية لعدة أسابيع وهي الاكتئاب، ومن ثم تليها حالة مزاجية مدتها أسبوع أو أكثر وهي حالة الزهو، هذه المرحلة تحديداً هي ما ينتج منها الأفكار الجديدة والغريبة والقدرة على الإبداع والابتكار، إذ إنها مرحلة تقل فيها حاجة الشخص إلى النوم، وتكثر إنتاجيته في العمل، ويوجد لديه تسارع في الأفكار بعكس الشخص الطبيعي الذي تعن على باله فكرة أو فكرتين أو ثلاث، فالشخص الذي يمر في مرحلة الزهو تتزاحم الأفكار في ذهنه لتصل إلى العديد من الأفكار المتنوعة في مرة واحدة، مما يتسبب في إنتاج الأعمال الإبداعية الملهمة مثل: كتابة الشعر، والرواية، والرسم.. إلخ.
وتابع: هذا لا يعني أن مرض الاكتئاب لا توجد فيه إنتاجية وإبداع باعتباره حزناً واكتئاباً، فأغلب المبدعين سطروا إبداعاتهم التي أذهلت العالم بأسره في عز مرحلة الاكتئاب، لافتاً إلى أن العمل الإبداعي الذي يتم إنتاجه في حالة الاكتئاب الشديد أو حالة الزهو سيكون الاختلاف فيه عن النمطية وارد جداً، مما يجعله عملاً إبداعياً في أغلب الأحيان.
واختتم حمودي حديثه بالقول: لا توجد أي علاقة سببية تفرض على الشخص المبدع أن يكون مكتئباً، وإنما العلاقة عكسية، فالشخص الذي يمر بحالة الاكتئاب أو الزهو قد ينتج عملاً إبداعياً مذهلاً.
مما يجدر قوله، في تحقيق كهذا، أن النفس البشرية وأمراضها وأحوالها تظل من أصعب الموضوعات التي يمكن دراستها، فلا شيء هنا يتمتع بالوثوقية أو الإطلاق.. كل شيء نسبي، وقابل للنفي، وكل ما سبق، لا يعني أن المرء يجب أن يكون مريضاً نفسياً إذا أراد أن يكون مبدعاً، فهناك - أيضاً - العديد من الدراسات المضادة التي تقرأ الإبداع وتحلله في إطار الفعل البشري الخلاق الذي لا علاقة له - من قريب أو بعيد - بالمرض النفسي أو العقلي أو الاضطرابات في أشكالها كافة.

اقرأ أيضا

«خورفكان المسرحي» 24 الجاري