الاتحاد

عربي ودولي

هل تصمد هيئة علماء المسلمين بوجه التحديات الجديدة؟


د· رسول محمَّد رسول
في الخامس والعشرين من شهر (ديسمبر) عام 2003 كان قد تأسَّس في العراق (مجلس شورى أهل السنَّة والجماعة)، وهو أول تشكيل ديني ـ سياسي يمثل أبناء الطائفة السنية العراقية بعد سقوط نظام صدام، وكانت أدواره تتعدى مجرد التكوين العلمائي أو الفقهائي لهذه الطائفة الحيوية في البلاد إلى مجال المزاحمة السياسية وسط أجواء سياسية وجهويَّة عاصفة كانت قد فرضت وجودها وأهميتها على المسرح السياسي والديني الجديد بالعراق بُعيد انهيار الدولة البعثية· وفي غضون عملها تحوَّلت إلى (هيئة علماء المسلمين) التي ضمَّت تشكيلات إسلامية، بعضها معتدل وغيرها متشدِّد؛ منها ما ينتمي إلى بقايا حركة الإخوان المسلمين، ومنها ما كان ينتمي إلى التيار السلفي العراقي، فضلاً عن توجهات إسلامية أخرى لا تنتمي إلى هذين الاتجاهين لكنها تنطلق من أزمة سياسية تسعى للتعبير عنها دينيا·
لقد لعبت هذه الهيئة أدوارا كبيرة في المجتمع العراقي، لكنها صارت خلال الفترة الماضية التي امتدت لأكثر من عام عُرضة لانتقادات عدَّة من قبل أطياف عديدة في المجتمع العراقي، فضلاً عن انتقادات الولايات المتحدة الاستراتيجية لها، إلا أن وجود الهيئة كان مدعاة لتوافر المجتمع العراقي بكل أطيافه على عناصر ايجابية أيضا؛ فهي واجهة إسلامية، وواجهة مؤسساتية لأهل السنة والجماعة في العراق، وهي المؤسسة التي غابت عن العراق على مدى ثلاثة عقود ماضية بعد أن ألغى النظام البعثي عام 1976 دار الإفتاء ببغداد إثر رحيل الشيخ نجم الدين الواعظ·
تحالف·· ولكن··!
هذا التحالف بين أطياف الإسلاميين السنة في العراق لم يستمر، فبعد معركة الفلوجة انفرط عقده عندما وضعت القوات العسكرية الأمريكية والعراقية في حسابها تصفية التيار الأصولوي المتشدد في الهيئة والمقصود به تيار السلفيين العراقيين الذي كان وما يزال يقوده السلفي عبد الله الجنابي وآمر جناحه العسكري (عبد الله كاظم الزوبعي) الذي كان وما يزال أيضا يتعرَّض في منطقة مثلث الموت (اليوسفية، المحمودية، المحاويل) بالذبح والإعدام والشنق للعراقيين الذين يقصدون المدن الشيعية للزيارة أو قضاء أعمالهم· وبعد الانتخابات تعرَّضت الهيئة إلى تصدعات أخرى عندما وجد المجتمع السني العراقي نفسه معزولا عن بقية شرائح المجتمع عزلا استراتيجيا لم يكن هؤلاء يريدوه أصلا لأنهم استساغوا توجيهات الهيئة بعدم المشاركة في العمليات الانتخابية· ولهذا وجدت الهيئة أنه من الضروري الخروج من عنق الزجاجة الخانق الذي مُنيت به استراتيجيتها بعد الانتخابات، فاستجابت لمطالب أمريكية عندما وجه السفير الأمريكي في العراق أحد مساعديه للتفاوض مع الهيئة بشأن مطالبها التي إذا ما تحقَّقت فإنها ستُشارك في العملية السياسية بالبلاد، لكن الهيئة وضعت شروطا لم تكن موضع ترحيب من قبل الأمريكيين ولكن من دون غلق باب الحوار مع الأمريكيين، ومن ثمَّ استمرت لجنة من الأمريكيين موجَّهة من قبل وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بالتفاوض مع الهيئة من أجل احتواء مطالبها وتليين تصلّبها ولكن ثمة متغيرا طرأ من الداخل العراقي وهو انفتاح الجماعات العراقية المرتبطة بالولايات المتحدة على الهيئة نفسها لاستدراجها على ساحة المشهد الجديد، وفي هذا السياق كان إياد علاوي قد لعب دورا كبيرا فيه عندما اجتمع مرارا بتكوينات معارضة مسؤولة عن حمل السلاح بوجه المشروع الأمريكي في العراق، وبالتالي صارت جهات عدَّة على اتصال دائم ليس مع الهيئة إنما مع ما باتت تسمى بـ (المقاومة الشريفة) ولكن من خلال الهيئة·
المظلة الأخرى
إن هذه الضغوط الحوارية التي هدفت إلى استدراج الهيئة تجاه المشهد الجديد أدَّت إلى تصدُّع جدار الهيئة من الداخل، فالاختلاف كان باديا بين (الحزب الإسلامي العراقي) الذي تمتد جذوره إلى مطلع الستينيات في القرن الماضي، وبالتالي حدث التصدُّع بين عدد من السنة العراقيين والهيئة حتى أدى ذلك إلى الاتهامات المتبادلة؛ ففي يوم الأحد انتقد خالد فخري الجميلي، أحد وجهاء مدينة الفلوجة، وعضو الوفد المفاوض سابقا للحكومة العراقية، انتقد مواقف هيئة علماء المسلمين معتبرا أنها ساهمت في تفتيت الصف السياسي للسنة العرب، وإضعاف تمثيلهم في العملية الانتخابية البرلمانية، وقال: إن المقاومة الشريفة تعيد بناء ذاتها من داخل مدينة الفلوجة، وستتصاعد بسبب خيبة الأمل الناجمة عن تصرفات حكومة إياد علاوي، والاتصالات التي يجريها بعض الأطراف· ومن جانبه كشف عبد القادر مصطفى، إحدى الشخصيات البارزة في العمل الإسلامي السني الراهن، عن انقسامات داخل هيئة علماء المسلمين، لكنه قال في تصريحات لصحيفة جريدة الحياة يوم الاثنين الماضي 4/4/2005 إن هذه الانقسامات لن تؤدي إلى تفكيك الهيئة أو انتزاع صفة التمثيل الشرعي للعرب السنة في العراق عنها، واعتبر أن انضمام بعض قيادات الهيئة إلى الحزب الإسلامي العراقي مثل الشيخ حارث العبيدي والشيخ أحمد السامرائي لا يعني بأي حال أن الهيئة توشك على الزوال· في حين أكدت شخصيات إسلامية سنية حقيقة انفراط عقد الهيئة وانسحاب شخصيات عدة منها للعمل في الحزب الإسلامي، وأرجعت السبب إلى أن هذه الشخصيات سئمت من المواقف المتشددة لرئيس الهيئة الشيخ حارث الضاري في ضوء صراع بين المتشدِّدين والمعتدلين داخل الهيئة نفسها·
شيئا فشيئا بات وضع هيئة علماء المسلمين أضعف من ذي قبل، خصوصا بعد أن وجد السنة العراقيون أنفسهم في مأزق العزلة غير الضرورية، وبعد أن منح الشيعة الفائزون بالعملية الانتخابية مزيد مرونة من أجل إشراك السنة العرب في العملية السياسية الجديدة، وبعد أن أثمرت هذه المرونة ترشيحهم الدكتور حاجم الحسني رئيسا للجمعية الوطنية العراقية الجديدة، وبعد أن قصقصت قوات الأمن العراقية والقوات الأمريكية الأجنحة العسكرية لمجموعات العُنف التي قد تجد مضلتها الافتراضية في خطاب الهيئة الفقهي والعلمائي·

اقرأ أيضا

المتظاهرون يغلقون ميناء أم قصر وحقول النفط في البصرة