الاتحاد

تقارير

ساكاشفيلي··· ضغوط داخلية وتوترات خارجية

الرئيس الجورجي يسعى لحشد التأييد الداخلي

الرئيس الجورجي يسعى لحشد التأييد الداخلي

في العشرين من ديسمبر الماضي، أي ليلة عيد ميلاه الحادي والأربعين، كان الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي يجوب غرب جورجيا يحيي الناس ويصافحهم· كما خاطب عمال المناجم وقال لهم إن ''قلبه يتألم'' لرؤية مدينتهم تعاني ووعدهم بإنشاء منتجع سياحي في بلدة جوماردولي، ثم وقف لتُلتقط له صورة إلى جانب عجوز رزت سنها الذهبية حين ابتسمت وانفرجت شفتاها· بدا اليوم كجزء من حملة انتخابية، وبدا ساكاشفيلي مرتاحاً وسعيداً· ''لم أقل أي شيء عن روسيا، ولم يطلبوا مني شيئاً من ذلك''، هكذا قال ساكاشفيلي بعد انتهاء جولته·
والواقع أنه أصبح من النادر رؤية الرجل في عاصمة البلاد تبليسي هذه الأيام· فبينما يحل الشتاء ضيفاً ثقيلاً على جورجيا، يجد ساكاشفيلي نفسه في موقف دفاعي· ذلك أنه أمر جيشه في أغسطس الماضي بشن هجوم على الانفصاليين في أوسيتيا الجنوبية، التي شكلت إلى جانب أبخازيا سببا للتوتر بين روسيا وجورجيا طيلة 15 عاماً· وكانت النتيحة أن هُزمت القوات الجورجية بسرعة واستولت روسيا على المنطقتين·
ويقدِّم ساكاشفيلي الهجوم على أنه كان ضروريا للرد على الغزو الروسي، غير أنه لا يوجد أي دليل للتحقق مما يقوله، بينما يتهمه خصومه السياسيون بأنه تصرف بتسرع وتهور· وإذا كان القادة الروس لا يخفون رغبتهم في أن يتنحى عن السلطة، فإن خصومه السياسيين في الداخل يطالبون بانتخابات مبكرة يقولون إنها يمكن أن تطيح به (ويذكر أن ولايته الرئاسية تنتهي في 2013)· وفي هذا الإطار يقول ''سوزار سوباري''، الحقوقي الجورجي المعروف بانتقاداته للرئيس: ''ما هو مستقبل ساكاشفيلي؟ لقد بدأ الحرب وخسرها، وخسر المنطقتين· واليوم، لا توجد استثمارات في جورجيا، والوضع يسير من سيئ إلى أسوأ· وبالتالي، فإذا لم يحدث تغيير، فإن جورجيا ستتذكره باعتباره الرئيس الذي خسر كل شيء''·
وقد أمضى ساكاشفيلي أشهراً في الطعن في مثل هذه التقييمات، قائلاً إنه واثق من أنه مازال يتمتع بدعم الشعب الجورجي· ولكن رغم مهارته السياسية، فإن رد فعله غالباً ما يتميز بالغضب، فيشبِّه المشككين في روايته حول ظروف بدء الحرب بمن يدافعون عن ألمانيا النازية ويلتمسون الأعذار لها إذ يقول: ''إنهم الأشخاص أنفسهم الذين كانوا يقولون إن بولندا بدأت الحرب العالمية الثانية''، مضيفاً ''لقد كانوا يستعدون للحرب، لقد كانوا يريدونها، فقاموا بغزونا واحتلوا أراضينا··· وإذا كان الناس لا يريدون رؤية هذا الواقع أو سماعه، فذاك اختيارهم!''·
في سن السادسة والثلاثين، أصبح ساكاشفيلي رئيساً لجورجيا عام ،2004 وسعى ليصبح شخصية تاريخية قوية في بلاده على غرار ''ديفيد الباني''، وهو ملك عاش في القرن الثاني عشر وطرد الأتراك من جورجيا، ويعد من الشخصيات التي كثيراً ما يشير إليها في أحاديثه· وفاز ساكاشفيلي في انتخاباته الأولى بـ97 في المئة من الأصوات وضغط من أجل تعديل الدستور الجورجي، مانحاً نفسه سلطات استثنائية· ويقول مؤيدوه إن تلك كانت الطريقة الوحيدة لدفع دولة غارقة في الفساد خلال مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي لدخول العصر الحديث· ولكن منتقديه يقولون إنه أنشأ نظام حكم فردي مطلق، وأحاط نفسه بمجموعة من الموالين والأنصار· وحتى الآن، لم تنتج المعارضة الجورجية المنقسمة على نفسها شخصية تشبه ساكاشفيلي، وهو أمر يصفه هو نفسه بـ''المحزن جدا'' إذ يقول: ''لو كنتُ في المعارضة، لدمرت هذه الحكومة في ثلاثة أشهر'' وخاصة في ضوء الأزمة الاقتصادية الحالية· وحين سئل كيف، كان جوابه: '' أعرف كيف أقوم بذلك، ولكنني لا أريد أن أعلمهم كيف يقومون بذلك''·
منذ البداية، تميزت رئاسة ساكاشفيلي بالخطوات الجريئة، فبعد أشهر معدودة على تنصيبه، أقدم على طرد كل شرطة المرور التي تعود إلى الفترة السوفييتية والبالغ قوامها 13000 رجل واستبدلها بـ1600 ضابط على نموذج الشرطة في الولايات المتحدة· كما وعد باستعادة أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، مؤججاً المشاعر القومية الجورجية ورافعاً من حدة التوتر مع موسكو· وقد بُهر المراقبون الغربيون بالإصلاحات التي عرفتها البلاد وسُحروا بالنخبة السياسية الجديدة في تبليسي والتي بثت الحياة والأمـــل في دولة فاشلة·
وفي هذا السياق يقول مارك ليونارد، الخبير البريطاني في السياسة الخارجية، في مقال بمجلة ''ذا نيو ستيتسمان'': بدا كما لو أن شخصيات فيلم ''أوشنز إيليفن'' باتوا يشرفون على الجمهورية··· مجموعة من الشباب بوجوه وسيمة يتحركون في جميع الاتجاهات ويغيرون البلاد من أعلاها إلى أسفلها''·
ولكن ثقة الحلفاء الغربيين سرعان ما اهتزت في نوفمبر 2007 حين تمكن زعماء المعارضة من جمع آلاف المتظاهرين للاحتجاج على حكومة ساكاشفيلي، وهاجمت قوات مكافحة الشغب المحتجين بالغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، وأُعلنت حالة الطوارئ في البلاد، وأُرغمت قناتان تلفزيونيتان تابعتان للمعارضة على الإغلاق· وأمام ازدياد انتقادات حلفائه الغربيين، قال ساكاشفيلي إنه تحرك على ذاك النحو من أجل وقف وإحباط مؤامرة روسية· وقد نجح في الصمود في وجه الأزمة عبر دعوة إلى انتخابات رئاسية قصد ''تجديد التفويض'' الممنوح له، كما قال، وفاز بـ53 في المئة من الأصوات·
في حرب أغسطس الماضي، دعم الغرب ساكاشفيلي حين دخلت الدبابات الروسية أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، ولكن المحللين يُحملونه بشكل متزايد مسؤولية تصعيد النزاع الذي سبق الهجوم، مع اعترافهم في الوقت نفسه بأن البلدات الجورجية كانت خلال الأيام التي سبقت الحرب هدفاً لنيران الانفصاليين في المنطقتين· ولكن ساكاشفيلي يطعن بقوة في صحة هذه التقارير·

إيلين باري - جورجيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا