باتت العديد من البنوك الأميركية التي توفر خدمة الودائع بلا فوائد مهددة، عقب سحب العديد من العملاء ودائعهم التي لا توفر أرباحاً، في ظل الزيادات المتواصلة للفائدة من قِبل الاحتياطي الفيدرالي خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث يقوم العملاء بسحب مليارات الدولارات من الحسابات التي لا تدر فوائد ويضعون أموالهم في البدائل ذات عوائد أعلى، ما يؤدي إلى تقليص قدرة البنوك على زيادة الأرباح في المستقبل.
وسجلت البنوك الأربعة الكبرى في الولايات المتحدة كـ«جيه بي مورجان» و«بنك أميركا» و«ويلز فارجو وسيتي بنك»، انخفاضاً بنسبة 5% في الودائع الأميركية التي لم توفر أي أرباح في الربع الثالث من العام الحالي، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وسحب العملاء أكثر من 30 مليار دولار من حسابات مصرفية أميركية لم تحقق فائدة على مدار العام المنتهي في 30 يونيو الماضي، وهو أول انخفاض سنوي من هذا القبيل منذ أكثر من عقد من الزمان، وذلك وفقاً لبيانات شركة تأمين الودائع الفيدرالية.
وتتكون هذه الودائع إلى حد كبير من الحسابات التجارية وحسابات الأفراد، وتعتبر ذات قيمة خاصة لأن البنوك يمكنها استخدام هذه الإيداعات الخالية من دفع الأرباح لتغطية القروض التي تقدمها، ومع ارتفاع أسعار الفائدة قصيرة الأجل، تصبح هذه الودائع أكثر ربحاً.
على الرغم من أن بنك الاحتياطي الفيدرالي بدأ في رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل في ديسمبر 2015، فقد تمكنت البنوك من زيادة الأرباح عن طريق فرض معدلات أعلى على القروض في حين لا تزال لا تدفع للمودعين تقريباً، ولكن بعد زيادة الأرباح لثماني فترات متتالية من قِبل الاحتياطي الفيدرالي، يقوم بعض العملاء بتحويل أموالهم للحصول على عوائد أعلى في أماكن أخرى، مما يهدد المكاسب المستقبلية في أرباح البنوك.
وقال ألن تيشلر، النائب الأول لرئيس شركة موديز إنفستورز للخدمات والاستشارات الاستثمارية: إن الودائع التي لا تحقق أي فائدة هي «جوهرة التاج في قاعدة تمويل البنوك، وعندما يفقد البنك هذه الميزة، فتنتهي قدرته على الاستفادة من زيادات أسعار الفائدة المستقبلية».
وقبل الأزمة المالية العالمية، شكلت الودائع التي لا تحمل فائدة نسبة صغيرة من المال في البنوك. ففي عام 2007، بدأ الاحتياطي الفيدرالي في تخفيض أسعار الفائدة في محاولة لمكافحة المشاكل الاقتصادية المتصاعدة. وقد ترك البنك المركزي هذه الفوائد بالقرب من الصفر لمدة سبع سنوات في خطوة غير مسبوقة.
وبالنسبة للعديد من المودعين الأفراد، كانت الأسعار منخفضة للغاية لفترة طويلة في سوق المال وحسابات التوفير لدرجة أنهم اختاروا الاحتفاظ بأموالهم في حسابات توفير لا تحقق أرباحاً على الإطلاق.
أما بالنسبة للحسابات التجارية، فإن هذا النوع من الودائع كانت له نقاط إيجابية، منها فرض الحكومة الأميركية تأميناً على تلك الودائع خلال السنوات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، مما دفع الشركات إلى وضع أموالهم في تلك الأنواع من الحسابات البنكية من أجل المزيد من الحذر خوفاً من تقلبات الأسواق.
وهناك حافز آخر لعملاء الحسابات التجارية، فغالباً ما يحصلون على ائتمانات لتغطية الرسوم على المنتجات البنكية الأخرى عندما يضعون الأموال في حسابات بلا أرباح، أو مع معدلات منخفضة جداً، وكانت تلك الاعتمادات في كثير من الأحيان قيمتها أكثر مما كانت ستجني في حساب بفائدة.
وعندما بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة في ديسمبر 2015، زادت أرباح البنوك وبسرعة. ويرجع ذلك إلى أن المقرضين بدأوا في فرض المزيد من الأرباح على بعض القروض مثل بطاقات الائتمان وخطوط الائتمان للشركات، وذلك دون أن يكون لازماً عليهم دفع أرباح للمودعين بشكل فوري.
ببطء، بدأ المقرِضون يدفعون أسعاراً أعلى لبعض العملاء المتمرسين في إدارة الشركات والثروات الذين قد يأخذون أموالهم إلى مؤسسات مالية أخرى. ومع ذلك، استمرت الأموال في حسابات الودائع التي لا تقدم فوائد في النمو.
وهذا عكس ما يحدث الآن، حتى لو ببطء. كانت الودائع من دون فوائد البالغة نحو 3.2 تريليون دولار تعادل 26.3% من الودائع المحلية في البنوك الأميركية خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي، وذلك وفقاً لبيانات مؤسسة التأمين الفيدرالية. وعلى الرغم من أن مستوياتها أعلى من مستويات ما قبل الأزمة، فإن النسبة انخفضت من 27.5 % في العام الماضي. وهذا يعادل نحو 30.6 مليار دولار.
وتأتي هذه الخطوة التي تهدف إلى الحصول على أرباح أفضل من أموال الودائع، في الغالب من الشركات التي لديها حسابات بأموال كبيرة. وقال مقرضون من بينهم بنك أوف أميركا وجي بي مورغان ومجموعة بي إن سي للخدمات المالية، إنهم قاموا بتحويل الكثير من أموال ودائع العملاء من حسابات لا تكسب أي فائدة إلى حسابات تدفع أرباحاً عالية في الربع الثالث من العام المالي الحالي.
وعلى سبيل المثال، قال بنك أوف أميركا، إن متوسط الودائع بلا أرباح للشركات انخفضت بنسبة 11% في الربع الثالث مقارنة بالعام الذي سبقه. وفي الوقت نفسه، ارتفعت ودائع الشركات ذات الفائدة المرتفعة بنسبة 49 % خلال نفس الفترة.
وقال توم هانت، مدير خدمات الخزانة في رابطة المهنيين الماليين: «هل يعقل أن يكون لديك المال في حساب ولا تحصل مقابله على أرباح؟». وأضاف أنه سيتعين على البنوك، ليس فقط التعامل مع نقص الأموال التي كانت تقدمها كقروض وتحصل على الأرباح التي عادة تكون عالية مع أنها لا تدفع شيئاً يذكر للعملاء أصحاب الودائع، بل سيتعين عليها أيضاً دفع الأرباح لعملائها بعد تحويل أرصدتهم من ودائع بلا فوائد إلى حسابات بنكية أخرى يحصلون فيها على أرباح مقابل أموالهم.
وقال جيرارد كاسيدي، المحلل في آر.بي.سي كابيتال ماركتس: «الودائع التي لا تحمل فائدة هي الإوزة التي تضع البيض الذهبي في البنك». وأضاف أن تراجع مثل هذه الحسابات هو أحد الأسباب التي من المرجح أن تؤدي إلى تراجع أرباح البنوك خلال العام المقبل.


بقلم: راتشيل لويز إنساين