صحيفة الاتحاد

الإمارات

بدء أعمال المؤتمر الدولي للصقارة بمركز الشيخ زايد للصحراء في العين

ممارسة صيد حقيقية وسط صحراء العين ضمن مهرجان البيزرة الدولي الرابع (تصوير محمد البلوشي)

ممارسة صيد حقيقية وسط صحراء العين ضمن مهرجان البيزرة الدولي الرابع (تصوير محمد البلوشي)

عمر الحلاوي (العين)

أجمع المشاركون في فعاليات المؤتمر الدولي للصقارة، الذي انطلق صباح أمس بمركز الشيخ زايد لعلوم الصحراء، أكبر تجمع لصقاري العالم، على الإنجاز العظيم للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في حماية البيئة، والمحافظة على الثقافة البرية، وأهمية دور الصقارة، وتجميعهم من أنحاء العالم كافة، مثمنين دور دولة الإمارات في تطوير والمحافظة على ثقافة الصقارة، بغض النظر عن العرق والدين والجنس.
وكشف المؤتمر عن تاريخ الصقارة الذي يعود إلى 2200 عام سابقة، من خلال 6 صور قديمة، من بينها صورة لتاريخ الصقارة لدى العرب الذي يعود إلى 1500 عام، في محاولة لاستخدام علم الآثار لفك طلاسم تلك الحقب القديمة، لافتين إلى تزامن ممارسة الصيد بالصقور في كل من الجزيرة العربية وغرب أوروبا وشرق آسيا وشمال أفريقيا، ووجود دلائل أثرية تربط ممارسة الصقارة في تلك المناطق المتفرقة. وجاءت الجلسات الأولى للمؤتمر الدولي للصقارة بالتزامن مع مهرجان الصداقة الدولي الرابع للبيزرة الذي يقام تحت رعاية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ويستمر حتى التاسع من شهر ديسمبر الجاري.

إرث إنساني عظيم
وقال ماجد المنصوري، رئيس اللجنة المنظمة والمدير التنفيذي لنادي صقاري الإمارات، في الكلمة الافتتاحية للمؤتمر: «إن توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، تؤكد أهمية المؤتمر الذي يمثل أحد أهم أوجه البحث والمحافظة على إرث إنساني عظيم والمضي في مسيرة الوالد المؤسس»، لافتاً إلى أن المؤتمر الدولي للصقارة يجمع 700 باحث وخبير، يمثلون مختلف قارات العالم، حيث إن المؤتمر يحافظ على القيم والثوابت التي أسسها المؤتمر الأول في عام 1976 بالإمارات، والذي استطاع أن يجمع صقاري العالم»، مؤكداً أن التأسيس تم بناؤه على الحكمة والتخطيط الصحيح، الأمر الذي ساهم في نجاح دورات المهرجان في الدورة الثانية والثالثة والرابعة، لافتاً إلى أن مؤتمرات الصقارين أتاحت الفرصة الكاملة لتطوير ذاتهم وإبراز قدراتهم، والمشاركة الفاعلة في المحافظة على هذا الموروث الثقافي الإنساني العالمي، مثمناً حضور الصقارين للمهرجان في دورته الأولى بالإمارات عام 1976.
وقال: «إن تشريفهم بالحضور في الدورة الحالية من أهم ما يميز مهرجان الصداقة الدولي الرابع للبيزرة، الذي يحتفي بالشباب تحت شعار «واجبنا تمرير فن الجيل القادم»، استهدافاً لضمان انتقال التقاليد والممارسات المتفردة في الصقارة للجيل القادم، بمشاركة أكثر من 250 صقاراً شاباً في هذه الدورة، ويحتفي بهم مثلما يحتفي بالرواد الأوائل للصقارة، فضلاً عن تكريم كل من ساهم في إبراز جهود دولة الإمارات في الحفاظ على البيئة كإحدى أهم ركائز ومقومات التراث الوطني».

صقارة العصور الأولى
وطرح المؤتمر الدولي للصقارة في يومه الأول سبعة بحوث علمية حديثة، تعرض للمرة الأولى، من بينها علم أحياء الطيور الجارحة للبروفيسور انيتا غماوف من متحف التاريخ الطبيعي في النمسا، وورقة علمية حول صقارة العصور الأولى للصقارة بروفيسور ليزلي والاس من جامعة كارولينا الساحلية في الولايات المتحدة، وأطروحات عربية عن الصقارة في أوروبا للبروفيسور بودوان فان دن ابيلي من مركز دراسات العصر الحديث وعصر النهضة بجامعة لوفان في بلجيكا. وقد بلغ عدد المتحدثين في اليوم الأول للمؤتمر 10 أشخاص متخصصين.
واستعرض الدكتور اوليفر جريم عالم الآثار الألماني تاريخ الصيد بالصقور باعتباره ثروة تغطي مناطق واسعة في العالم، محاولاً فك طلاسم مدى قدم الصيد بالصقور ومتى وأين بدأت تلك الرياضة، من خلال استعراض بعض الصور التي تروي أول عملية صيد بالصقور معروفة في كل من الجزيرة العربية وأوربا وشمال أفريقيا ووسط وشرق آسيا، وحاول قراءة تاريخ الصقارة من خلال الصور الأثرية، من بينها صورة في القصر الملكي السوري في العصر الإسلامي الأول قبل 1500 عام، وهي صورة فسفورية لصقار يمتطي حصاناً، إضافة إلى صور أخرى مشابهة في أفريقيا وأوروبا وآسيا في الفترة الزمنية نفسها، الأمر الذي يشير إلى أن تاريخ الصقارة يعود إلى 1500 عام، مع اختلاف تاريخ تلك الصور مع صورة لصقارة في الصين تعود إلى 2200 عام، حيث لا توجد دلائل مكتوبة غير الصور عن تاريخ ونشأت الصقارة. وأكد أن علم الآثار في ظل الوضع الحالي يمثل المرجع الوحيد لتاريخ الصقارة، وكشف عن إصداره لكتاب العام المقبل يتضمن كل تلك الدراسات والأبحاث.

الصقور ومهارات البقاء
من جهتها، أكدت الين هايفن التي تعمل في مجال الثقافة المتحفية بالنرويج أن الصقور من الطيور الفريدة في قدرتها النادرة على ممارسة مهارات البقاء، حيث لا يزال عصر الصيد بالصقور مسألة مفتوحة للبحث والنقاش بعد أن عبرت هذه الممارسة إلى كثير من البلدان والثقافات، مؤكدة أن التعليم المتحفي، إلى جانب تجربة الصيد بالصقور، يلقي الضوء على حقيقة أن الصيد بالصقور كان يمارس في الشمال الأوروبي، وهو جزء من التراث المتبقي في جميع أنحاء العالم.
واستعرض المؤتمر جهود أبوظبي في المحافظة وتطوير فن الصقارة، وذلك بانعقاد أول مؤتمر يجمع الصقارين عام 1976، ومن ثم جهودها خلال السنوات الأخيرة، بالتعاون مع جامعة نيويورك أبوظبي والاتحاد العالمي للصقارة في المحافظة على الطيور الجارحة، حيث نظمت في عام 2014 مجموعة من العروض الحية ونظمت مؤتمر الصقارة في العالم عام 2015 بالتعاون مع جامعة لندن، ودشنت مشروع صور الصقارة في عام 2016. وتحدث البروفيسور ايرد نبات اولامبيار، عالم الآثار الألماني، عن العثور على الطيور الجارحة في مناطق الرحل في منغوليا وأوراسيا، والتي ظهرت في اللوحات الأثرية، وهي تحتوي على معانٍ دينية أو رمزية، واستناداً إلى تلك اللوحات الصخرية، ونتائج البحوث الأثرية، فإن ثمة علاقة وثيقة بين البشر والطيور الجارحة في العصور القديمة، مما يشير إلى أن تلك الطيور تم تدريبها بالفعل منذ حوالي 3 آلاف عام قبل الميلاد، وانتشرت فكرة الصيد بالصقور من جيل إلى جيل، وفي مناطق جغرافية واسعة من الإمبراطوريات البدوية، خصوصاً مع الأهمية الكبيرة للخيول والرعي في تلك المناطق.

الشيخ زايد الصقار الأول
يعتبر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الرائد الأول للصقارين وحماة البيئة في العالم، حيث ولد وعاش نصيراً للطبيعة، وكان اشتهار وذيوع مبادئه في هذا المجال إيذاناً ببداية عصر جديد. وبالرغم من نشأته في بيئة قاسية من صحراء شبه الجزيرة العربية، حيث يستعين البدو على معيشتهم بالصيد، إلا أن الشيخ زايد، ومنذ السنوات الأولى لحمله المسؤولية، استشرف الحاجة إلى إحداث توازن بين الحفاظ على التراث العريق للصقارة والصيد بالصقور، وبين التأكد من بقاء الصقور وطرائدها في البرية على المدى البعيد.
وتوصلت رؤيته المتفردة إلى ما عرفه حماة الطبيعة المعاصرون لاحقاً بمبدأ الصيد المستدام، وبذلك فإن الشيخ زايد لم يسبق جيله فقط، لكنه تفوق بمراحل على دعاة حماية الطبيعية العالميين. ومنذ منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، أصبح الشيخ زايد صاحب اليد الطولى في المحافظة على الطبيعة، انطلاقاً من رؤية شاملة تهدف إلى بناء المجتمعات الصديقة والحياة الفطرية. وعلى المستوى الاجتماعي جسد الشيخ زايد بلا منازع الصورة المثالية للصقار العربي وذلك لصدق حدسه ومعرفته الواسعة بالطبيعة، مما مكنه من الفوز بإعجاب وحب أفراد مجتمعه البدوي.
كما أدخل الشيخ زايد جانباً إنسانياً في مفاهيم رياضة الصيد بالصقور التي اعتبرها تراثاً لا يقدر بثمن. وبمواصلة شغفه بالصقارة، نمت مهارات الشيخ زايد الفائقة والمنقطعة النظير، كما وصفها بذلك المستكشف البريطاني السير ولفيريد زيسقير الذي شاركه الصيد قبل خمسين عاماً ماضية.
ومثل الشيخ زايد لدعاة حماية الطبيعية قيماً خالدة من منطلق قناعاته وتجاربه، فقد أحب الطبيعة والحياة البرية على نحو غير مسبوق.