الاتحاد

تقارير

الصين··· عودة السياسات الصديقة للتصدير

الصادرات الصينية··· هل تصمد أمام شبح الانكماش الاقتصادي؟

الصادرات الصينية··· هل تصمد أمام شبح الانكماش الاقتصادي؟

في السنوات الأخيرة تخلت الصين عن الكثير من سياستها''الصديقة للتصدير'' وهو ما لقي ترحيباً من المنافسين الأجانب، باعتباره خطوة نحو تجارة أكثر حرية وأكثر عدالة·
وكما هي عادتها فعلت الصين ذلك على نحو تدريجي· أما الآن، وبعد أن استحكم الانكماش الاقتصادي، فقد هرعت عائدة إلى ضفة النهر، التي انطلقت منها، لتعمل مجدداً على تفعيل سياسات تخفيض الضرائب وغيرها من السياسات الصديقة للتصدير، ولتعيد إلى العمل نظام المزايا العينية التي تمنح لشركات التصدير الذي كانت قد تخلت عنه مؤخراً· وآخر زيادات في الخفض الضريبي، وهي تلك التي تسري اعتباراً من الأول من يناير الحالي، سيتم توزيعها على مصدري الدراجات النارية، وماكينات الخياطة، والروبوتات، وغيرها من البضائع حسبما ورد في جريدة'' تشاينا ديلي''·
والحال أن تراجع الصين عما كانت قد بدأت السير فيه، يحمل في طياته خطر حدوث نوع مع التوتر مع الولايات المتحدة وغيرها من الشركاء التجاريين· ومما يشار إليه أن واشنطن وغيرها من العواصم قد اشتكت طويلاً من سياسات الصين التجارية (غير العادلة) وطوفان البضائع الصينية الرخيصة التي تتدفق على أسواقها وتخل بمبدأ المنافسة فيها· وقد رحبت الولايات المتحدة بالسياسة التي طبقتها الصين عام 2007 والتي تمثلت في إلغاء بعض الإعفاءات الضريبية، واعتبرتها علامة من علامات التقدم، وذلك قبل أن ترى الصين وهي تتراجع عن تلك السياسات مؤخراً·
لكن المحللين هنا يقولون إن الصين لا تحاول تقويض المنافسين الأجانب، وإنما تحاول فقط مد حبل نجاة لإنقاذ مصدريها المتعثرين، وتجنب الاضطرابات، والقلاقل الاجتماعية، التي يمكن أن تنتج عن الاستغناء عن أعداد كبيرة من العمال·
وحول هذه النقطة يقول ''راسل ليه موزيس'' مراقب الشأن الصيني في مركز بكين للدراسات: ''إن القيادة هنا تتعرض لضغوط هائلة من أصحاب المصانع والمسؤولين المحليين، تطالبها بأن تبذل كل ما يتطلبه الوضع منها من أجل إنقاذ الوظائف والمحافظة على الاستقرار''·
ومن باب الإنصاف يجب علينا الاعتراف بأن الأصوات المنادية بتطبيق استراتيجيات تقوم على تفضيل المصلحة الذاتية على المصلحة العامة لا يقتصر وجودها على الصين فحسب، وإنما يمكن سماعها في الكثير من البلدان الأخرى في ظروف الأزمة المالية والاقتصادية الحالية· فالعوائق التجارية التي كانت قد أزيلت في العديد من البلدان يعاد وضعها مرة ثانية· ومما يشار إليه في هذا السياق أن روسيا قد فرضت رسوماً جمركية على السيارات المستوردة وأن دولاً أخرى قد حذت حذوها كما قامت فيتنام بفرض رسوم جمركية على الحديد المستورد من الخارج· ويتوقع البنك الدولي أن تؤدي مثل هذه الإجراءات مقرونة بانخفاض الطلب على السلع إلى هبوط التجارة العالمية بنسبة 2,1% خلال العام القادم وهو أول انكماش يحدث في التجارة منذ عام·1982
وكل تلك التطورات تثير مخاوف من أن تتم العودة مرة أخرى إلى سياسات ''إفقار الجار'' الحمائية في ثلاثينيات القرن الماضي والتي قادت إلى الحرب العالمية الثانية· ولكن ''أندي زاي'' خبير الاقتصاد المستقل الذي يتخذ من شنغهاي مقراً له يقول إن هذه المخاوف مبالغ فيها وإنه ''ستكون هناك بعض الإجراءات الحمائية، ولكن ذلك لن يكون بنفس مستوى الإجراءات المماثلة التي جرى تطبيقها في ثلاثينيات القرن الماضي''·
ويقول ''زاي'' إن هناك نوعاً من ''الانفصال'' بين المحادثات التي تتم بين وفود أميركية وصينية على مستوى عال وبين الوضع القائم في أماكن أخرى مثل ''نينجبو'' أو ''دونجوان'' وهما مركزان من مراكز الصناعة الخفيفة يقعان في جنوب الصين· فهناك يواجه المصدرون متاعب جمة ليس أقلها أن تكلفة العمالة قد تضاعفت تقريباً في الخمس سنوات الأخيرة بالنسبة للمنشآت العاملة هناك، كما أغلقت أعداد هائلة من المصانع أبوابها (100 ألف مصنع في عام 2008 وحده وفقاً لأحد التقديرات) وهو ما أحدث نوعاً من الخلخلة الكبيرة في الاقتصاد الصيني برمته·
والحكومة الصينية لديها هموم أخرى بخلاف المصدرين المفلسين· فإغلاق هذا العدد الهائل من المصانع لأبوابه سيعني تفاقم مشكلة البطالة بدرجة كبيرة، وهو ما يمكن أن يؤدي بدوره إلى قلاقل واضطرابات اجتماعية واسعة النطاق· ومما يزيد الطين بلة، أن هناك تقديرات إحصائية حكومية صينية نشرتها صحيفة ''تشاينا ديلي'' تشير إلى أن ما يقرب من 10 ملايين من مهاجري الصين قد فقدوا وظائفهم ويخططون للعودة إلى وطنهم· وفي مثل هذه الظروف فإن سياسة منح إعفاءات ضريبية مثل تلك التي طبقتها الحكومة الصينية تصبح نوعاً من الإسعافات الأولية العاجلة·
ويؤكد ''زاي'' هذه النقطة بقوله: ''إن الحكومة تحاول قدر جهدها تخفيض عدد حالات الإفلاس لا زيادة كميات التصدير··· فهي في حاجة لإظهار اهتمامها بمصدريها من خلال منح إعفاءات ضريبية لهم لتخفيض الضغوط النقدية التي يتعرضون لها''· يشار إلى أن الصادرات الصينية قد هبطت بنسبة 2,2% في شهر نوفمبر الماضي بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية وهي أعلى نسبة هبوط خلال سبع سنوات، وتمثل ضربة قاصمة موجهة للنمو في الناتج القومي الصيني الذي كان يتم بنسبة تتجاوز عشرة في المئة· ويتوقع الاقتصاديون أن تشهد الصادرات مزيداً من الهبوط عام 2009 بسبب إحجام المستهلكين الأجانب عن الإنفاق·
ويقول ''زوانج جيان'' الاقتصادي الأول في بنك التنمية الآسيوي فرع بكين: ''إن عودة الصين للسياسات الصديقة للتصدير ليست إلا إجراء مقصوداً به سد الفجوات إلى أن تنقضي الظروف القاتمة الحالية''·

جوناثان آدامز - بكين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا