الاتحاد

ثقافة

جسور.. الحذاء

الحذاء

الحذاء

تسللت أشعة الشمس إلى غرفته معلنة ميلاد يوم جديد، الشمس ما تزال ترسل أشعتها وترسم لوحات على جدار الغرفة، تململ جسده النحيل المرتمي تحت اللحاف، فتح عينيه بتثاقل وتثاؤب، تحسس معدته الخاوية وتمتم: حياة كريهة. ما أصعب الحصول على القوت، الجوع كافر عبارة رددها وهو لا يزال في فراشه. بدت الغرفة مهجورة موحشة كجدران زنزانة لا يزينها شيء سوى صورة للوحة يتوسطها صحن من الفاكهة.
نهض من فراشه. وقف أمام المرآة، فبانت نحافة جسده وصفرة وجهه الباهتة التي امتدت إلى وجنتيه الضامرتين وعينيه الغائرتين كامتداد السهل إلى الجبل. خفض رأسه وانسل من أمام المرآة دون أن ينبس بكلمة. رائحة غرفته مقززة. أشعل نصف سيجارة متبقية في المنفضة فزادت في صفير معدته الخاوية. تناهت إلى سمعه حركة طقطقة صحون في المطبخ.. أصغى بتوجس، عرف أنها محاولة فاشلة لقطة تحوم على الصحون الفارغة بلا أمل. فتح باب الغرفة. ولج إلى المطبخ وبسرعة وضع إبريق الشاي على الموقد غسل وجهه، وسرح شعره الطويل الأشعث المنسرح على كتفيه بقوة وتمرد، حضَّر لفافة من الزعتر والزيت، أخذ الإبريق وكوباً ولفافة الزعتر العريضة المتكسرة، جلس على بساط أخضر رقيق، صب الشاي في القدح. التهم لفافة الزعتر بنهم شديد.
أخذ يفكر في طعام العودة، نبتت في ذهنه فكرة، سأدهن قليلا من معجون الأسنان على رغيف الخبز، تراجع عن فكرته، صحيح أن طعمه شهي لكنه ملَّ هذه الأكلة، نظر إلى ساعة الحائط، إنها السادسة تماما. فكَّر ماذا سيفعل، أمامه متسع من الوقت. أفكاره مشوشة، غاص طويلاً في أفكاره.. نعم سأقوم بتنظيف الحذاء من وحل البارحة، الحذاء لم يعد يصلح للانتعال أبدا.
تذكر أن لديه أحذية في الحديقة سارع إليها جمع أحذيته القديمة المتراكمة التي يعلوها الغبار والرطوبة ووضعها أمامه. صرصار صغير خرج من الكيس تبعه عنكبوت صغير شرس، حذاءه اهترأ وبات كالسلحفاة البطيئة عند ارتداءه، المطر والماء والزمن هاجمه فانفتح فمه الأمامي، وظهرت أصابع قدميه منه، لا ينسى ذلك اليوم حينما انفتح فمه وسط السوق وظهرت أصابعه، فدهس على قطعة زجاج فانجرحت أصابع قدمه أمام جمهرة من المارة. خمسة أحذية قديمة لا جدوى من إصلاح أحدها، كلها كحذائه فهو لا يترك حذاء ويشتري آخر إلا وقد اهترأ من جميع جوانبه، لابد أن يصلح أحدها لن يقبض راتبه الشهري إلا بعد خمسة عشر يوما. تناول بعض المواد اللاصقة وشرع يضمد الأماكن التي اهترأت ويطرق بالمسمار فوق الأماكن التي التصقت.. آه ثلاث آهات صدرت من فمه، أردفها بتنهيدة، بعد أن ضرب إبهام يده اليسرى فاحمرَّ وآلمه. انتعل الحذاء بعد جهد طويل. كانت محاولة فاشلة فقد انفتح الحذاء كأنه لم يصلح من شأنه أبداً.
في تلك اللحظات شعر أن جبالا من الأحزان تجثم فوق صدره، قهقهات أصدقائه في العمل مستغلين فرصة غيابه عن غرفة العمل (انه شبيه بحذاء أبي القاسم الطنبوري) كانوا يختلسون النظرات والضحكات خلسة، مديره في العمل كل يوم يبدل حذاء ويرتدي طقماً جديداً ليصعد على المنصة ويتباهى بمنجزات الشركة الوهمية. الديون تقف أمامه كالصياد مختلسة معاشه الشهري الذي يذوب كالملح؛ ديون للأصدقاء وأجرة الغرفة وديون البقال وديون كثيرة حمل همها عندما ترك قريته وجاء ليعمل في المدينة. الأسعار التي يطرحها تجار الأحذية أمام واجهات محالهم باهظة ولا قدرة له على شراء حذاء منها. عاد لحذاء آخر، قال في سرّه: هذا سيكون أفضل من سابقه، هيأ بعض الخيوط النايلون القوية المتينة وإبرة كبيرة وبفضل قارضة مقبضها من البلاستيك ورأسها من حديد. أنهى خياطة الحذاء بعد وخزات عديدة ضربت يده وأسالت الدم منها. كانت محاولة ثانية فاشلة فلم يدخل الحذاء في قدمه أبداً. حاول جاهدا ولكن لا جدوى. تململ في مكانه، جمع الأحذية في كيس كبير بعد أن أضاف حذاءه، ووأدها في ركن من الحديقة.
جلس منقبضا، واجما، مشحونا بتوتر مكبوت وأصابعه تداعب ذقنه المرتجفة الشعثة، وأخذ يضحك حتى دمعت عيناه.

اقرأ أيضا

فاطمة المعمري: لا معوقات أمام الأدب النسوي