الاتحاد

ثقافة

جسور.. مخالب

مخالب

مخالب

خطواتها البطيئة، تدل على ثقة، بأن أحداً لن يؤذيها، فهي المدللة فِي المنزل. كانت ذات شعر كثيف ناعم، عيون زرقاء لامعة، جسمها متناسق، تقدم رب المنزل، فاتحًا باب غرفته. ناداها، دلفت إلى الداخل. أغلق الباب جيدًا، نظر لأجواء الغرفة، وجد جميع الشبابيك مغلقة. كانت الغرفة واسعة بها سريريْن، حقائب ملابس، دولاب واسع، يضع فيه ملابسه. اعتادت الدخول إلى الغرفة، مع أي فرد من أفراد الأسرة. كانت فِي أغلب الأحيان تنام مع طفلته الصغيرة، حيث تغسلها بالماء والصابون، تنشف شعرها، تمرر المشط على أجزاء جسمها، تقدم لها أفضل المأكولات، تنام معها فِي سرير واحد.
كَان رب المنزل مطمئناً لعلاقته معها، ولهذا كَان على ثقة، بأنها ستقعد فِي الغرفة كعادتها، لم يكن يعلم بما يدور فِي خلدها، وأنّ إغلاق الشبابيك، وباب الغرفة، سيؤثر على نفسيتها، كانت رابضة فِي مكانها، تتأمله بذهول، وتتساءل أيكون هذا الرجل حسن النية؟ أم يريد إلحاق الأذى بي؟!
شكوكها تدور... لماذا أغلق الباب مع الشبابيك؟ ماذا يريد؟ تسمّرت في مكانها. تقدم هو نحوها، كان الأمر طبيعياً بالنسبة له، قدمت يدها اليمنى، تراخت للخلف برجليها.
تفاجأ من وقوفها أمامه، على هذا النحو، أخذ ينظر إليها بذهول، تقدم خطوة. زادت تأهبًا للانقضاض عليه.
تسرّب الخوف إلى قلبه.
بدأ ت أوصاله تخفق وترتعد، كَان منذهلاً.
أيعقل أن تقف أمامي هكذا، وهي الّتي كانت بالأمس تتدلل عليّ، وتتمسح بجسمها إذعانًا لي.
ما الذي حدث لها؟ ترى ما الذي ستفعله بي؟!
رفعت شفتيها، بانت أسنانها بيضاء، صارت كالمسامير تقيس بهما الاتجاه، الذي ستنقض به على الرجل.
رجع للخلف قليلًا، استل عصاته المعكوفة، والمعلّقة على جدار الغرفة، أمسك برأس عصاته، تقدم نحوها، ملوحًا بالهواء يريد ضربها.
تراجعت بحذر، بعيون زرقاء تنطق بالشرر. لكزها بالعصا، محاولًا إبعادها، ركضت فِي الطرف الآخر، محاولة الهرب... كان الباب موصدًا تمامًا، الشبابيك مغلقة، لم تجد مهربًا، سوى الاختباء تحت السرير.
لحق بها متكئاً فوق ركبته، يده اليسرى ممسكة بالسرير، والأخرى ممسكة بالعصا، لكزها بالرأس. أحست بالألم، أطلقت فحيحها، ثم انطلقت متجهة نحوه، تملصت من بين رجليه... تزحلقت فوق المشمع البلاستيكي، المفروش على أرضية الغرفة... تحمس أكثر، وشعر بالنشوة، لهروبها من أمامه. كَان يريد إخضاعها، حتّى تصبح أكثر هدوءً، لم يعرف كل منهما، ما الذي يريده من الآخر! سوى الدفاع عن النفس، وإن أدى إلى موت أحدهما. هي لم تستسلم، تدافع عن نفسها بكل قوة، رغم محاولتها مداراته، بعدم المواجهة، إلاّ أنّه أصر على ملاحقتها... وقفت أمامه رافعة رأسها بعيون بارقة، وعلى أهبّة الاستعداد للانقضاض عليه... وقوفها فِي هذه الوضعية أربكه. ازداد خوفًا، اشتدت أعصابه، لم يعد يعلم ماذا يريد منها؟ سوى أنّه ممسك بالعصا.
انطلقت نحوه، تشبثت برقبته، غرست مخالبها، كادت تقضي عليه... أمسك بها بفزع، رماها أرضاً، انطلقت مسرعة، تتزحلق على الأرضية، جاعلة السرير ملاذًا لها.
تراجع إلى الوراء، ربض فوق السرير، يلتقط أنفاسه، لا يكاد يصدق ما يحدث!
- أهذه هي الوديعة التي أدللها؟ كيف تتحول إلى هذه الوحشية، أو لعلي بالغت فِي إيذائها، لماذا هذا الانقلاب المفاجئ؟!
أخذ يفكر في الخلاص من هذا المأزق.
قال: سأفتح أحد الشبابيك لعلها تخرج منها.
وما إن فعل حتى انطلقت هي مسرعة، ودلفت من الشباك إلى الخارج.
أدرك أخيراً، أن القطط لا يرغبن فِي الجلوس بالأماكن المغلقة.

اقرأ أيضا

فاطمة المعمري: لا معوقات أمام الأدب النسوي