إبراهيم الملا (الشارقة)

تمثل اللغة بمحتواها الجمالي والتعبيري علامة فارقة في تطور الشعوب وتنمية المجتمعات، بشرط أن تظل مصانة ومحميّة من العوامل الضالعة في هدمها، وهدم وتفكيك المجتمعات المسرفة في حق لغتها الأم، والمرتهن مصيرها بلغات دخيلة استحوذت عليها، وشكّلت وعيها اللاحق، كي تأخذه إلى مسار كارثي خاطئ ومنجرف نحو الكمون والانزواء والتخلف عن ركب المجتمعات المتطورة والشعوب الصاعدة.
هذا المدخل قد يكون مناسبا لتوصيف المحاضرة التي ألقاها الباحث والفنان التشكيلي العراقي زيد الأعظمي بقاعة ملتقى الأدب، مساء أمس الأول، ضمن الفعاليات الفكرية والثقافية لمعرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته السابعة والثلاثين.
حملت المحاضرة عنوان: «اللغة وأثرها في تفكك وبناء المجتمع، وتأثيرها في الإبداع والابتكار» حيث اعتمد المحاضر على خبرته الفنية وتعامله مع الخط العربي كحمولة معرفية متجليّة، وحاملة لأسرار عميقة، كي يشرح للحضور من خلال الوسائط البصرية جانباً من نظرته للغة العربية كوعاء حاضن للفن والتاريخ والتراث والأدب والإبداع والأخلاق، وليس من خلال ارتباطها بعلوم الصرف والنحو والبلاغة وغيرها من الأنماط الشكلية والخارجية التي طالما قاربت بها الذهنية العامة مفهوم اللغة العربية.
وقال الأعظمي إن أكثر الأشكال اكتمالا في الطبيعة هو الدائرة، وعندما تلتقي النفس مع المجتمع في دائرة مكتملة فهذا يعني أن الاثنان يتعاملان مع اللغة بشكل صحيح، وعندما تنقطع علاقتهما مع اللغة فإن المجتمع يتفكك، والنفس تتشوّه.
وأوضح الأعظمي أن علماء الفيزياء اكتشفوا وجود ستة عشر بعدا في الكون، وهي أبعاد تتفوق بكثير على الأبعاد الثلاثية المعروفة والتي لا يمكن للعين البشرية أن تتجاوزها، مضيفاً أن اللغة العربية هي الوحيدة القادرة على التداخل مع هذه الأبعاد الإضافية في الكون، وهي بذلك تعتبر لغة إعجازية، كما أنها تتجاوب في وقت واحد مع فصّي الدماغ الأيسر المتجاوب مع الأرقام والمعادلات الرياضية، ومع الفصّ الأيمن المتجاوب مع العاطفة والخيال والجمال، وبسبب هذه الميزة الفريدة – كما أشار الأعظمي – أطلق علماء اللسانيات على العربية: «اللغة الأم».
ونوّه المحاضر إلى أن انتشار وتسيّد اللهجات العامية واللغات الأجنبية الدخيلة، أصابت مجتمعاتنا العربية بما يشبه الانفصام الثقافي، مضيفاً أن اللهجات العامية يمكن حفظها كمحتوى تراثي ولكن لابد من تفعيل اللغة الفصحى، واعتمادها كأصل لاشتقاق المصطلحات العلمية والفلسفية والأدبية وما يرتبط بالعلوم الإنسانية والسياسية والاقتصادية وغيرها.
وطالب الأعظمي بضرورة اعتبار اللغة الفصحى أمانة ومصيراً مشتركاً، وأنها تمثل لنا جميعاً مسألة سيادة، فضياع هذه اللغة والمس بها هو مسّ أيضا بسيادة المجتمعات العربية، وإهمالها يؤدي لتشتّت وعي الشعوب العربية وتخلفها وإنمحاء الأساسات التي ترتكز عليها الرؤية الاستراتيجية والنظرة المستقبلية الطموحة.
وذكر الأعظمي أن شعوب أوروبا تعصبت للغتها ورفضت أن تستعيض بمصطلحات وافدة على علومها وآدابها الأصلية، وهي بذلك حافظت على وحدتها وتماسكها في وجه التغيرات الأيديولوجية العاصفة، وقال إن على العرب أن يتعصبوا للغتهم لأن التعصب للغة محمود في هذه الحالة، مشيراً إلى أن ضعف اللغة يؤدي إلى اضطراب الذات، وضعف الشخصية، وتفشّي الكذب، وصعوبة الإبداع والابتكار، فنشوء الحضارات القوية اعتمد على لغة قوية وحية ومتفاعلة، استطاعت تسمية أدوات الإنتاج والتصنيع، وكانت قادرة أيضا – دون أن تخسر مرتكزاتها -على المرونة والتطور كي تواكب الجديد وتتعالق معه وصفا ومعنى ومبنى.