الاتحاد

تقارير

بين ترامب وبوتين

لا يتوقف دونالد ترامب عن ترديد مقولة إنه عندما يصبح رئيساً فسوف يقيم علاقة جيدة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وترامب عندما يقول ذلك يتناسى أن بوتين ليس من طراز الرجال الذين يعقدون صفقات مع رجال أعمال يتصفون بالخفة وحب الظهور، وإنما هو في الحقيقة يقوم بالتهامهم على الغداء.
في يونيو الماضي، قال ترامب لمذيع «فوكس نيوز» الشهير «بيل أورايلي»، إنه زار موسكو ويعتقد أنه سيكون لديه على الأرجح علاقة جيدة مع بوتين، وسيتمكن من عقد صفقات معه، على النقيض من أوباما.
ونظراً لهذا النوع من التآلف الوهمي بين الملياردير الأميركي ورجل الاستخبارات الروسي السابق، فإن الكثير من الكتاب الأميركيين باتوا يقارنون بين ترامب وبوتين. بل أن أحدهم، وهو «جاك تشافر»، طرح في مطبوعة «بوليتكو» هذا الأسبوع سؤالاً هو: «ألا يبدو ترامب مثل بوتين أميركي؟».
وبعد أن قارن «تشافر» في مقاله بين صفات الرجلين، كما يراها، ومنها النرجسية، وتفضيل فرع تنفيذي قوي في الحكومة، والشغف بافتراس الآخرين، والخوف المرضي من الإصابة بالجراثيم.. تساءل: «أليست الطريقة الأفضل لمواجهة شخص سلطوي في الكرملين، هي وضع مجنون في البيت الأبيض؟».
في رأيي أن أي روسي لن يجد أساساً للمقارنة بين الرجلين، بل إن ترامب يذكرني بشخصين روسيين آخرين لم يتح لأي منهما العمل بشكل جيد في عهد بوتين.
الأول هو «يفجيني تشيشفاركين» الشريك المؤسس لسلسلة «إيفروسيت» للهواتف النقالة، الذي يشبه ترامب كثيراً من حيث إفراطه في التأنق، وصراحته البالغة. كانت أمور تشيشفاركين تمضي على نحو جيد، إلى أن أدرك في سبتمبر عام 2008 أنه سيضطر لبيع شركته المزدهرة، التي كانت قد أصبحت أكبر شركة بيع بالتجزئة للهواتف النقالة في روسيا، وأنه إذ لم يفعل فهناك احتمال لدخوله السجن بتهم جنائية ملفقة.
لذلك قام الرجل ببيع شركته بمبلغ بخس لرجل يرتبط بعلاقات وطيدة بالكرملين، ونال ترقية مقابل ذلك في حياته السياسية، حيث منح منصب القيادة في حزب ليبرالي صغير، وكان ذلك خطأً فادحاً منه. وبعد فترة من الوقت، وصلته تحذيرات بأن الشرطة تراقبه، فقرر الهروب إلى لندن ومن هناك أعلن أنه لن يعود إلى روسيا قريباً.
رجل الأعمال الروسي الثاني الذي يشبهه ترامب أحياناً هو «بوريس بيريزوفسكي» الذي كان ينتمي للأوليجاركية الروسية، وكان رجلا مصاباً بجنون العظمة، ويميل إلى التباهي بثروته وقدرته على تكوين المليارات، كما اشتهر بتعدد علاقاته النسائية، وكان يعتقد أن أي شيء يمكن أن يباع ويشترى.
وساعدته علاقته بعائلة الرئيس الأسبق بوريس يلتسين على أن يصبح نائباً في البرلمان، وصاحب محطة تلفزيونية، وموظفاً كبيراً في الحكومة، وبعد ذلك ارتكب خطأه الأكبر عندما أعلن أنه ساعد على جعل بوتين يخلف يلتسين في منصبه، ثم قام بتوجيه الانتقاد إليه، بعد أن أصبح رئيساً، بشأن أسلوب معالجته للوضع في الشيشان. فما كان من السلطات سوى أن فتحت ملفات تهم جنائية قديمة كانت مسجلة ضده، فاضطر هو الآخر للفرار إلى لندن، وقـرر البقاء فيها إلى أن نفدت نقوده.
وفي عام 2013 وجد مشنوقاً في حمام منزله وفشل الطبيب الشرعي في تحديد ما إذا كان الحادث انتحاراً أم قتلاً مدبراً.
بوتين شخصية مختلفة؛ فعلى النقيض من الصور التي يظهر فيها عاري الصدر، مفتول العضلات، وهو يمارس ألواناً من الرياضات والمغامرات، لا يعتبر بوتين بحال من الأحوال رجل مظاهر، وإنما هو بيروقراطي محترف، ذو جوهر صلب يليق برجل «كي جي بي» السابق. وبوتين ليس رجل صفقات مثل ترامب أو بيريزوفسكي أو تشيشفاكرين، لأنه لم يكن أبداً رجل أعمال في أي مرحلة من حياته، وإنما هو رجل دولة بمعنى الكلمة.
قد يصدق ترامب -إذا ما أصبح رئيساً- ولبعض الوقت أنه وبوتين سيتوافقان سوياً ويمضيان معاً بشكل جيد. والرئيس بوش الابن الذي قال ذات مرة إنه تمكن من النفاذ إلى«روح» بوتين، كان يعتقد ذلك أيضاً. لكن ما سيحدث في نهاية المطاف أن ترامب، شأنه في ذلك شأن بوش من قبله، سيدرك أنه كان ضحية للسخرية بل والاستغلال، وهو ما لا يقبله أوباما على نفسه.
وخيبة أمل ترامب بشأن علاقته مع بوتين، قد تؤدي إلى مواجهة معه أكثر شراسة من تلك القائمة الآن بينه (بوتين) وبين أوباما.

ليونيد بيرشيدسكي*
*كاتب روسي مقيم في برلين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوزسيرفس»

اقرأ أيضا