سعيد ياسين (القاهرة)

تعد «الصورة» واحدة من أبرز العناصر الفنية في الفيلم السينمائي، وهي مرت بالعديد من المراحل، بداية من الفوتوغرافية، ثم الوصول إلى الصورة السينمائية التي تدب فيها الحركة، وما مرت به من مراحل صمت، ودور هذه الصورة في الأساليب المختلفة من السرد الروائي بعد مرورها بالمرحلة التسجيلية الأولى، ومرحلة ما هي قادرة عليه من تقديم الخدع المختلفة، إلى مرحلة السينما الناطقة وما يتبع ذلك من تطوير في الصورة السينمائية، ومرحلة الانتقال من الصورة باللونين الأبيض والأسود ودرجاتها المختلفة، إلى الصورة السينمائية كاملة الألوان والأساليب المختلفة لاستخدام الألوان حسب اختلاف الفنانين واختلاف دولهم، ثم ما مرّت به من اختلاف المقاس وطريقة العرض أمام الجمهور، وصولاً إلى الصورة الرقمية.
وما سبق يعد ملخصاً لكتاب «الصورة السينمائية.. من السينما الصامتة إلى الرقمية» لمدير التصوير سعيد شيمي الذي يعد واحداً من أشهر مديري التصوير في السينما العربية، خصوصاً وأنه قام بتصوير 108 أفلام روائية طويلة، و75 فيلماً قصيراً وتسجيلياً و6 مسلسلات، ومن أفلامه «ضربة شمس» و«الشيطان يعظ» و«البريء» و«أحلام هند وكاميليا» و«العار» و«ضد الحكومة» و«سلام يا صاحبي» و«الحب فوق هضبة الهرم» وغيرها، إضافة إلى ابتكاراته في التصوير السينمائي تحت الماء، واستخدام تقنيات مستحدثة في الإضاءة وحركة الكاميرا.
وتكمن أهمية الكتاب في أن شيمي قدِم إلى السينما الروائية من عباءة التسجيلية، وساهم في تدشين واقعية مصرية جديدة، تعبر عن الواقع المعاصر وتخرج بالكاميرا إلى الشارع لتحقيق الصدق الدرامي، وصولاً إلى السينما الرقمية، والتعامل مع الصورة على أنها إشارات كهربائية رقمية، بدلاً من تحميضها وطبعها كيميائياً على ورق حساس، فلا يوجد شريط أو صورة ملموسة، كما تلتقط الصورة من أجهزة الكمبيوتر أو التليفون المحمول، حيث تصور الكاميرات الرقمية وتخزن المعلومات في ذاكرة إلكترونية بداخلها، بديلاً لبكرات الشرائط في الكاميرات السينمائية التقليدية، ويرى شيمى أن هذه التقنية الجديدة ستعصف بكل ما في الماضي من عراقة، خاصة أن الصورة الإلكترونية قد تبلغ قريباً درجة الاكتمال وتصبح متساوية مع جودة شريط السينما «السليلويد».
وقال الناقد محمود عبدالشكور، إن شيمي يقدم في الكتاب سياحة ممتعة ومثيرة عن تاريخ الصورة أو الأطياف التي تتحرك فوق الشاشة البيضاء، ورغم أنه يسجل في الكتاب إعجاباً مستحقاً لإنجاز الصورة المطبوعة على أفلام السيلولويد التقليدية، إلا أنه يؤكد على أن العصر القادم هو زمن الصورة الرقمية، والشرائح الإلكترونية الصغيرة، والتي تكاثر عددها لتعطي الجودة نفسها تقريباً التي كان يمنحها الفيلم السينمائي التقليدي، وهو ما يجعلنا نكتشف بطريقة غير مباشرة أن تطور الصورة لم يكن إلا ترجمة للقفزات العلمية المدهشة التي حققها الإنسان، ولكن الكتاب لا يعرض هذه الانتقالات الكبرى لذاتها، ولا يحتفي بالتكنولوجيا إلا باعتبارها أداة تسهل على فناني السينما وخصوصاً المخرجين والمصورين، تحقيق أحلامهم الفنية، وأعتقد أن تلك الثورة الإلكترونية التي اقتحمت عالم الصورة، وهذه الكاميرات الديجيتال الصغيرة جعلت السينمائي قادراً على إنجاز فيلمه بنفسه، والتعبير ذاتياً عن أفكاره، وكل ذلك يشكل تحدياً لأصحاب المواهب الحقيقية في الفرز والانتقاء، وأنه كلما توافرت القدرة على التصوير بالأجهزة العجيبة التي تقدم إمكانيات لا نهائية من حركة الكاميرا، كلما احتجنا إلى عين مثقفة وخبيرة.