صحيفة الاتحاد

دنيا

معركة فحل مهدت الطريق أمام المسلمين لانتصار اليرموك

(رسوم عصام طه)

(رسوم عصام طه)

في سنة 13 هجرية الموافقة لسنة 635 ميلادية، التقى الجيشان الإسلامي والروماني في معركة حربية شرسة عُرفت بمعركة فحل، وتعد هذه المعركة إحدى أهم معارك فتوحات بلاد الشام، وكان مكانها في غور الأردن قرب مدينة بيلا الرومية تسمى حاليا طبقة فحل، وتُعرف هذه المعركة في المراجع الغربية واليونانية باسم معركة بيلا، وتعرف أيضا باسم «يوم الردغة» «أي أرض الوحل والطين»، وقد انتهت بهزيمة ساحقة لجيش الروم ومقتل قائده وانتصار المسلمين.


أحمد مراد (القاهرة) - بيلا أو طبقة الفحل عبارة عن مدينة في شمال غرب الأردن، وتقع إلى الشرق من بلدة المشارع، وشيدت المدينة في العصر الهلنستي في الفترة التي شهدت فتوحات الإسكندر الأكبر المقدوني، وسميت بيلا نسبة إلى المدينة التي ولد فيها الإسكندر، وتعتبر بيلا إحدى المدن العشر في حلف «الديكابولس» الذي أقيم أيام اليونان والرومان، وهي المدن الواقعة عند ملتقى حدود الأردن وسوريا وفلسطين، واشتهرت هذه المدينة بغزارة ينابيعها المائية في واديها المعروف قديما بوادي جرم الموز أو «شجوة».
حصون
وتعود بداية تفكير المسلمين في فتح مدينة بيلا إلى الهزيمة التي لحقت بالروم في معركة «أجنادين»، حيث بدأ الروم يجمعون قواهم في أحد حصونهم المنيعة في بيلّا التي تقع على ارتفاع 150 متراً عن سطح البحر وتطل على غور الأردن بحوالي 50 كم جنوبي نهر اليرموك، وقد أقام الروم حول بيلا خطاً دفاعياً مائياً، بشق قنوات من بحيرة طبرية، وسلطوا مِياهها على الأراضي المحيطة بالمدينة بهدف منع تقدم جيشِ المسلمين، وحشدوا في المنطقة عشراتِ الآلافِ من مقاتليهم، وكان تجمع الروم في تلك المنطقة يشكل خطراً محدقاً على جيش المسلمين المتوغل شمالاً، لان أي هجوم يقوم به الروم شرقا سيؤدي إلى قطع خطوط الإمدادات من الجزيرة العربية إلى جيوش المسلمين، وهو ما جعل الصحابي الجليل أبا عبيدة بن الجراح الذي كان يتولى قيادة جيوش المسلمين التي كانت تفتح بلاد الشام في ذلك الوقت يقرر الانسحاب جنوباً من وسط سوريا لتدارك الخطر في أغوار الأردن، وأدرك ضرورة فتح مدينة بيلا والسيطرة عليها للقضاء على خطر الروم في هذه المدينة، وعلى الفور أرسل جيشاً بقيادةِ شرحبِيلِ بن حِسنة للقضاء على تجمعات الروم في بيلا.
جيش الروم
وفي الثالث والعشرين من يناير عام 635 م الموافق للثامن والعشرين من ذي القعدة عام 13هـ، كانت المواجهة بين جيش المسلمين بقيادة شرحبيل بن حسنة وجيش الروم بقيادة سقلار ونائبه نسطورس، وقد تراوح جيش المسلمين في هذه المعركة ما بين 26 إلى 30 ألفاً، مقابل 80 ألفاً عدد جيش الروم.
في البداية فرض جيش شرحبيل حصاراً شديداً على بيلا، استهدف حرمان الرومِ من استغلال التحصينات المائية التي أقاموها، وبعد الحصار شن جيش المسلمين هجوماً كاسحاً على المدينة، وامتدت ساحة المعركة من طبقة فحل شرقا إلى بيسان غرباً، وتمكن الجيش الإسلامي من دفعِ قوات الروم نحو الغرب باتجاه المستنقعات الدفاعية التي أقاموها، وانتهت المعركة بهزيمة الروم ومصرع قائدهم سقلار ونائبه نسطورس، ولم يسلم من جند الروم الثمانين ألفا إلا الطريد أو الشريد كما روت ذلك بعض الكتب القديمة.
وسيطر المسلمون بعد معركة فِحل على بيسان، وتلتها طبرية، ثم واصلت قوات شرحبيل بن حسنة تقدمها باتجاه بقيةِ مدنِ الأردن لتحريرِها من الروم، وبذلك سقطت ما سُميت مدن الديكابولِس، وأصبحت مدناً إسلامية، وقد شهد هذه المعارك معظم قادة الجيوش الإسلامية المشهورين آنذاك، أمثال: خالد بن الوليد وعامر بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وضرار بن الأزور وعياض بن غنم وأبي الأعور السلمي ويزيد بن أبي سفيان والقعقاع بن عمرو التميمي الذي قال في معركة فحل: كم من أبْ لي قد ورثتُ فعاله جمُّ المكارم بَحرُه تيار.. وغداة فحلْ قد رأوني معلما والخيلُ تخبطُ والبلا أطوار.
معركة فاصلة
ورغم الانتصار الحاسم للمسلمين في معركة فحل فإن ذلك لم يشل قدرة الروم على الهجوم المضاد، حيث بقيت جيوش الروم تشكل تهديداً للمنطقة إلى أن التقى الجيشان مرة أخرى في معركة فاصلـة بعــد عام ونصف العام وهي معركة اليرمـوك، حيـث كانت معركة فحل مقدمة ناجحة وتهيــئة قوية لتحقيق النصر للمسلمين في معركة اليرموك وغيرها من المعارك التي جرت على أرض بلاد الشام.
وبعد إتمام الفتح الإسلامي لغالبية بلاد الشام اهتم المسلمون في مختلف العصور بمدينة الفحل أو بيلا كثيراً، ففي العصر الأموي ازدادت أهميتها حيث وجدت فيها البيوت المتناثرة، وكذلك مسجد أموي، بالإضافة إلى الأواني الفخارية الرائعة الصنع، وأيضاً السيراميك المصنوع في جرش والسيراميك المستورد من جزيرة «رودس».
ولكن المدينة كغيرها من مدن ذلك العصر، هدمت في الهزة الأرضية التي أصابت المنطقة بأسرها عام 747 ميلادية وأدى ذلك إلى اختفاء معالمها وتناقص أهميتها في الفترات اللاحقة.
ولكنها بقيت مأهولة بالسكان في العصور العباسية والمملوكية، حيث وجد فيها بقايا مسجد مملوكي، واشتهرت أيام المماليك أيضاً بزراعة قصب السكر وإنتاج السكر بكميات تجارية.