الاتحاد

رأي الناس

عوائل.. بلا فضائل

حدثني رجلٌ أشيب ذات يوم بأن «أينما حضرت المادة، غابت الروح، فلا نستطيع الجمع بين الاثنتين».
واليوم بعد ما مررت بتجارب الحياة، وخضت عباب البحر، أدركت ما كان يقصد ذاك الأشيب، فالإنسان في داخله عالم مختلف يعيش في صراعات ونزاعات نفسية تعكسُ جل سلوكياته وتصرفاته الحياتية.
فحين تغيب الروح، تستحوذ المادة على تلك الكتلة الجامدة الصلبة لتبقيها مجرد هيكل يؤدي وظائفه التي تبرمج عليها، لا يحمل أية مشاعر في داخله عكس الإنسان الحقيقي بفطرته الكونية الروحية.
من يعبد المادة، يلهث خلف الأشياء الدونية الزائلة قافزاً، ومهرولاً، وزاحفاً لأجل الوصول، والحصول على ما تُريد شهواته ورغباته من دون أي وعي مسبق، مستصغراً ذلك الوهج الروحي ليبقى بلا روح.
وحين تكون العائلة «الأسرة»، والتي أساسها وعمادها «الأب والأم» ضمن قالب مادي بحت، فلا ننتظر ما قد تقدمه من جيل ٍذي كتلة وحزمة متشبعة من المشاعر «فكل إناء بما فيه ينضح».
تتلاشى المشاعر حين يصبح الجسد يبحث عن المادة تاركاً الروح «فالأنا» واحدة لا تتجزأ، وحين يصبح الضمير غائباً مستتراً خلف كثبان الروح الغارفة، النازفة من شتات الأحاسيس المبعثرة في وديان التيه، الغائصة في أعماق الفضيلة الغائبة، الشائبة، السائبة في أتون المعضلة..
وحين تكون الأسرة مجرد مسمى لاستكمال مهمة خلاصة القيد، «الأب في صوب والأم في صوب» تجر الأمنيات أذيالها معترفة بالهزيمة الساحقة.
الشتات العارم الذي تعيش به أغلب العوائل اليوم قد يتسبب في عواقب وخيمة على من هم لا علاقة لهم ولا صلة في ذلك، ولكن حين يتنحى العقل عن إدراكه، معتزلاً عن مهماته الفطرية، تتخبط كل الجينات المتوارثة من تلك البيئة المعدومة، الملغومة، حيث تصبح كل التصرفات عبارة عن آفات، وعاهات، وواحات جدباء تفتقر العطاء والسخاء في المشاعر.
هكذا حين تنعدم الروح في الأسرة وتذوب متوارية خلف ستار اللامبالاة، ماخرة عباب المشاعر، مندفعة بتصرفاتها اللاواعية، متجاهلة ما على عاتقها من مسؤولياتٍ جمة، في حينها ترخي الطموحات عنانها متمثلة ما قال المتنبي في قصيدته: «أفعالُ من تلدُ الكرام كريمةٌ وفعلُ من تلدُ الأعاجم أعجمُ».
وفي الختام ليست من الضرورة اليوم كتابة الرسالة على الورق وأن تعلق برجل الزاجل لنقلها، وطرق النوافذ، وإنما بمقالة واحدة تصل مع الفكرة، وتؤدي المطلوب، حيثُ يقول الشاعر: «إذا اعبت أمراً فلا تأتهِ .. فذو اللبَّ مجتنب ما يعيبُ».

هزاع أبو الريش - أبوظبي

اقرأ أيضا