عبده وازن

لعل العلاقة التي جمعت بين الشاعرين الفرنسيين فيكتور هوغو، وشارل بودلير، اللذين جمعهما القرن التاسع عشر، هي من أغرب العلاقات التي يمكن أن تقوم بين شاعرين كبيرين كانا على اختلاف في الموقع أو المرتبة وعلى تباعد يشبه القطيعة. ولئن سمي القرن التاسع عشر الفرنسي قرن فيكتور هوغو، الذي تعده فرنسا شاعرها الوطني ولا تفوّت مناسبة للاحتفال به، فإن بودلير عاش على هامش هذا القرن الذي لم ينصفه كما يستحق، وكان عليه أن ينتظر بزوغ القرن العشرين ليلمع اسمه ويصبح في طليعة المشهد الشعري الحديث، متجاوزاً هوغو نفسه.

كان هوغو بمثابة الشاعر المكرس، شاعر السلطة والجماهير، شاعر المنفى والوطن في آن واحد، وكان الآخرون وبعضهم من الكبار، أشبه بالشعراء الصعاليك الذين يدورون حول نصبه الذي ارتفع خلال حياته. وقد بلغ شعره قرابة أربعة مجلدات ضخمة، أما نثره الذي توزع بين الرواية والتأملات والنقد فاحتل ما لا يحصى من المجلدات. أما بودلير، فلم يتخط ديوانه «أزهار الشر» الذي لم يلبث أن أصبح في ما بعد منارة في الشعر العالمي، المئة صفحة، عطفا على كتاب «سأم باريس» الذي ضم قصائد نثر طليعية وبضعة كتب في النقد.

طلب الحماية
في العام 1859 كتب شارل بودلير رسالة «استعطاف» إلى هوغو طالبا منه أن «يتكرم» عليه بشهادة كان شاعر «أزهار الشر» في أمسّ الحاجة إليها: «إنني أحتاج إليك.. إلى صوتك المستبد. إنني أنشد الحماية». لهجة بودلير في تلك الرسالة كانت لهجة الشاعر الهامشي، الضعيف، الملعون والمهزوم. كانت الحملة ضده في أوجها وكانت التهم القاسية تكال له ولقصائده «الخليعة» وشعره السوداوي القاتم الذي يمجد قباحة «الجيفة»، وهذا عنوان قصيدة له قلبت المفهوم الأخلاقي والجمالي الذي كان سائدا حينذاك، إلا أن «شاعر فرنسا» لم يبخل عليه برسالة حملت بعض الإطراء ولكن من قبيل المجاراة، إذ وجد فيه خامة ناقد كبير، وخصوصاً من خلال ما كتب عن تيوفيل غوتييه.
وصف هوغو بودلير في تلك الرسالة بـ «العقل النبيل والقلب السخي»، وقال له: «إنك تكتب أشياء عميقة ومشرقة غالبا». ولم ينس هوغو أن يذكره بأن غاية الشعر هي التقدم أو الارتقاء في المفهوم البشري والحضاري. هذه الغاية لم تكن تعني بودلير أبدا. فالشعر في نظره «لا غاية له سوى نفسه». وعندما أرسل بودلير إلى هوغو ديوانه «أزهار الشر» مع كلمة منه، لم يستطع صاحب «التأملات» أن يتجاهل فرادته فكتب له يقول: «تلقيت، أيها السيد، رسالتك النبيلة وكتابك الجميل. الفن هو اللازورد، هو الحقل الذي لا نهاية له. وها انت تثبت هذا.
«أزهار الشر»، أزهارك، تشع مثل النجوم. أكمل». أما بودلير الشاعر «الملعون» فلم يتمالك عن وصف هوغو بـ «المخلوق الأسطوري» و«العظيم» و«الرهيب». وهذا التبادل في الوصف أو «التوصيف» المتبادل، أضحى يفترض استدعاء هوغو عند الكلام عن بودلير، أو عند التطرق الى شعرية القرن التاسع عشر، بوصفهما النموذجين البارزين، مثلما يفترض النقيض استدعاء نقيضه أو المتن استدعاء هامشه.
كان هوغو يتربع على قمة القرن التاسع عشر في فرنسا، وكان بودلير يتوه في «هاوية» ذلك القرن المضطرب مثله مثل كثر من الشعراء الرومانطيقيين أو البرناسيين أو الرمزيين الذين كان بعضهم من المجددين الحقيقيين. كانت صورة هوغو هي الطاغية، وكان شعره هو المثال سواء في رومانطيقيته «السوية»، أم في غنائيته العالية، أم في ملحميته التي توفق بين السياسة والتاريخ والماوراء.. وكان هوغو أيضا بمثابة الشاعر الكوني علاوة على كونه الشاعر الوطني من دون منازع. كان الشاعر الذي جرب كل الأنواع التي عرفها الشعر الأوروبي منذ الإغريق حتى القرون الوسطى:الملحمة، النشيد، المرثية، الحكاية الخرافية، الدراما، القصيدة - اللوحة، القصيدة - المشهد، القصيدة التاريخية، القصيدة الغنائية، القصيدة الدينية... وليس من المستهجن أن يضع هوغو نصب عينيه نماذج كبيرة راح يحتذيها: دانتي، فيرجيل، اوغسطينوس، التوراة، شكسبير... فهدفه أن يكون «شاعراً كونياً»، كما يعبر وهدف الشعر أيضا أن «يجمع في رؤيا واحدة كل عناصر الخلق». وكم كان يحلو له أن يصف الشعر بـ «الحديقة الفسيحة» ولكن حيث «ما من ثمرة محرمة».
كتب هوغو الكثير من الشعر مثلما كتب الكثير من النثر السردي والروائي والسياسي. ودواوينه تمثل أحوال العصر في ما عرف من اضطراب وتقلب وتناقض. وقد يحتاج شعره الى قراءة شبه منهجية، نظراً الى ضخامته، وإلى تعدد المراحل التي اجتازها والأنواع التي اختبرها. فالديوان لديه يختلف عن الآخر مثلما تختلف مراحله بعضها عن بعض. «ثلاثيته «الشعرية التي تضم «أسطورة العصر» و«نهاية الشيطان» و«الله» هي أقرب إلى «الملحمة السردية الكبيرة «كما يقول هو نفسه، القصيدة هنا هي «قصيدة الإنسان «والعالم الشعري يتفاوت بين «الحال العدنية» - نسبة إلى جنة عدن - و«الحال الظلامية» (أو الجحيمية). وفي هذه الثلاثية التي تتفاوت أجزاؤها شعرياً ولغوياً يبرز الكائن في ثلاثة وجوه: الوجه الإنساني (أو المتقدم)، الوجه الشرير (أو النسبي)، الوجه اللانهائي (أو المطلق).

شاعر يفوق التصنيف
كانت قضية هوغو الرئيسة هي قضية الشر المتجذر في المجتمع والحياة والطبيعة كالبؤس والظلم الاجتماعي والغريزة والقتل... ولم تكن مهمة الشعر إلا أن يقتلع هذا الشر، وأن يعيد اللاوعي الى الوعي والليل الى النهار، وأن يرد الشيطان الى ماضيه الملائكي. أما دواوينه الأخرى من مثل «أوراق الخريف»، و«التأملات» و«أناشيد الغروب» و«المعاقبات» و«أغنيات الشوارع والغابات» فينم كل ديوان منها عما يناقض الآخر أو يختلف عنه أو يحاذيه... قصائد كثيرة، قصائد طويلة أو قصيرة، سياسية وخطابية صاخبة، أو قصائد رومانطيقية حميمية وهادئة وخفيضة النبرة، قصائد صوفية تحل فيها روح الشاعر في عناصر الطبيعة، قصائد وثنية أو أبيقورية، قصائد حب، قصائد وجدانية أو رثائية شديدة اللوعة، قصائد تاريخية هي أشبه بالوثائق الصحافية... كتب هوغو الكثير من الشعر على خلاف بودلير الذي لم يتخط ديوانه اليتيم «أزهار الشر» المئتي صفحة.
وعرف شعر هوغو الكثير من العيوب مثلما عرف الكثير من الجمال والسحر. وغزارته مثلا كانت مأخذ غوته عليه حين قال عنه مستعيراً لهجة الناقد أو المعلم: «عليه أولاً أن يقل في الكتابة وأن يعمل أكثر فأكثر». ولم يكن رامبو بريئاً حين اعتبر رواية «البؤساء» هي «القصيدة الحقيقية» التي كتبها هوغو ولو كان اعترف بأن هوغو «رأى» جيدا في كتبه الأخيرة (والمقصود الثلاثية الشعرية).
لكن شاعراً في حجم هوغو كان ليضحي «جندياً» لو لم يصبح شاعراً كما يعبر، لم يكن يبالي بما يوجه إليه من نقد، على رغم مأساته الحياتية المتمثلة في موت بعض أبنائه وجنون بعضهم. فالشاعر الذي يعتبر أن الأرض والسماء معاً أوكلتا إليه مهمة أن «يتكلم»، وأن «يعلم»، وأن «يبارك»، هو شاعر يفوق التصنيف أو التحديد. رسالة الأرض إليه هي أن يكون الشاعر المصلح وصوت الناس وضمير المجتمع، ورسالة السماء هي أن يكون الصوت المتنبئ والصارخ والمتوعد والرائي والمنتصر للخير والنور والحق.

أفول هوغو.. صعود بودلير
هيمن فيكتور هوغو على شعراء القرن التاسع عشر وتربع على عرش الشعر، وكان شاعر الأمة والجماهير، شاعر الامبراطورية والثورة، شاعر الفصاحة المثقلة والغنائية المتفاوتة بين الصفاء والانثيال، لكنه لم يلبث أن غاب مع انصرام ذلك القرن وبزوغ القرن العشرين. شارل بودلير الذي عاش ومات في الظل وحيداً وشبه مجهول سرعان ما خرج الى النور شاعراً حداثياً وطليعياً بامتياز. كان ينبغي أن تمر بضعة عقود ليستعيد هذا الشاعر الملعون والبائس والمقهور «الحق » الذي «اختلسه» منه فيكتور هوغو، ولكن عن غير قصد طبعاً. أضحى شاعر «أوراق الخريف» من تراث الماضي خلال حقبة قصيرة وأعلن ديوان «أزهار الشر» ولادة الحداثة لا في فرنسا أو أوروبا فحسب بل في العالم كله. حينذاك تحققت «توقعات « تيوفيل دوبانفيل الذي تجرأ في العام 1862 على امتداح بودلير في أوج هيمنة هوغو قائلاً: «يجب أن نستحسن في بودلير واحداً من كبار رجال هذا الزمن، وهو كان ليستحق، لو أننا لم نكن نعيش تحت النفوذ الثقافي لفيكتور هوغو، ألا يعلو عليه أي شاعر معاصر». ولم تمض سنوات حتى بدأ النقاد يشرحون «هامة» فيكتور هوغو الشعرية آخذين عليه رتابته وغزارته و«سطحيته»... فهو بحسب غايتون بيكون: «لم يخلق لغة جديدة» وهو أيضاً بحسب هنري دو مونترلان: «كتب الكثير من الحماقات، ولكن المرء يعذر إن كتب كثيرا من الحماقات عندما يعيش ثلاثة وثمانين عاما، وعندما تكون ريشته سيالة»، لكن النقد لم يهمل إبداعات هوغو الشعرية ولا «لبروق» الرائعة التي تخللت أعماله الهائلة والغزيرة.
أصبح بودلير في الطليعة إذا وبات ديوان «أزهار الشر» الذي رفضه «عصر هوغو» واضطهده وحاكمه، اصبح «الكتاب - السيد للشعر الفرنسي» كما يقول ايف بونفوا. اصبح هذا الديوان أشبه بـ «انجيل» الحداثة الذي عاد إليه الشعراء فيما بعد وسيظل الشعراء يعودون إليه على مر العصور. وبات الشعر الفرنسي (والعالمي) يؤرخ بما قبل هذا الديوان وما بعده. ولعل العصر الذي بدأه فيكتور هوغو وكان عصره بحق، أنهاه بودلير ليصبح شاعر العصور كلها رغم انف سانت بوف الناقد المكرس الذي توسل إليه بودلير أن يحميه بشهادة ولو صغيرة فتغاضى عن شعره الذي لم يستوعبه حينذاك متكرماً عليه برأي عن الألم الذي يعتري قصائده.