عبد الوهاب العريض

نسج الكاتب البحريني فريد رمضان خيوط روايته ما بين الواقع والخيال، ليستخرج أسطورة «الحجر الأحمر»، ويبني شخصية «يوسف»، إحدى تلك الشخصيات المتعددة التي في «المحيط الإنجليزي»، الصادرة عن دار سؤال اللبنانية خلال العام الحالي 2018م، وكما رصد تاريخ الإنسان وطعم الطين وذاكرة البحر، قام رمضان بأرشفة الذاكرة المنسية التي لا يمكن الوقوف على ملامح إنسانها إلا من خلال يوميات المستشرقين في الأساطيل البحرية، أو في الإرساليات الأميركية والبريطانية، أو من خلال وثائق الحملات التبشيرية في شبه الجزيرة العربية التي كانت بأمسّ الحاجة لأدوات الحفر والبحث والتنقيب، وهذا ما فعله فريد رمضان خلال 13 سنة هي الوقت الذي استغرقته كتابة هذا العمل الذي يقع في 480 صفحة ويؤسس لأسلوب جديد في الرواية الخليجية، لا تعتمد على السرد التاريخي، بل على بناء الشخصية الروائية من خلال البحث في نسيج الذاكرة. وفي حوار مطول حول «المحيط الإنجليزي»، تحدثنا مع الروائي فريد رمضان حول تلك الأسرار والمصاعب التي واجهته أثناء كتابة العمل.

* متى بدأت خطواتك في هذه الرواية؟ أي نوع من الهويات بحثت فيها خلال «المحيط الإنجليزي»، خاصة أنك مهموم بموضوع الهويات منذ أول رواية لك؟

** لم تكن الرواية أو فكرتها وليدة اللحظة، كان المشروع يتشكل ببطء وحذر كي لا أقول بثقة! وتبلورت كمشروع بعد التجربة الروائية الأولى «التنور؛ غيمة لباب البحرين» والصادرة في العام 1994م. تولد سؤال الهوية في حيّ البوخميس وهو من أعرق أحياء المحرق الشعبية القديمة، حيث ولدت وعشت في مجتمع يمتاز بوفادة إنسانية جميلة متنوعة في الهويات والأصول والأعراق، يشكل رجاله ونساؤه رافداً مهماً لخدمة تجّار جزيرة المحرق بمهنهم البسيطة ولكن الضرورية، لعل أهمها الغوص وصيد اللؤلؤ لخدمة ربابنة السفن وتجار اللؤلؤ، وآخرون يمتهنون مهنة الفلاحة، البناؤون والحدادون والنجارون والقلافون والخياطون والحراس الشخصيون (الفداوية) والصاغة وغيرها. ونساء يمتهن الطبخ في منازل الشيوخ والتجار وسقاية الماء وغسيل الملابس. كل هذه المهن شكلت قيمة اقتصادية عالية ميزت البحرين قبل اكتشاف النفط واللؤلؤ الصناعي، أجناس شكلت بتنوعها المذهبي والعرقي والمجموعات الإثنية العصب الأساس للبنية السكانية لمعظم مناطق جزيرة المحرق والعاصمة المنامة. وشكلت حارة البوخميس كحارة شعبية في المحرق، نموذجاً صالح التربة للتعايش بشكل نموذجي ومميز يقوم على التكافل الاجتماعي مع وجود استحقاقات منحازة هنا وهناك. تفتحت عيناي على طقوس العزاء التي يمارسها إخوتنا الشيعة بثرائها المتنوع، وكنا نشارك فيها بحكم علاقات الصداقة التي تربط المنازل والعائلات والأرض المشتركة. شاهدت حفلات الزار، وهي تنظم أسبوعياً في (المكيد) وداخل المنازل، وأخرى عامة تقام وسط ساحة مخصصة ومُعلَّمة بعمود يبلغ السماء، تربط فيه الأقمشة ويكسر حوله بيض الدجاج وتدلق القهوة ويحفر موضع النحر ليستقبل دم الذبيحة ومن حق الجميع المشاركة فيها بممارسة ومحاكاة أرواحه القديمة المعذبة على الطريقة الممباسية أو الحبشية. دختُ مع أصوات شيوخ الموالد النبوية والذكر.
كل هذا أتاح لي كطفل مصادقة خليط من أرواح ضائعة وضائقة بجسدها. وتوجب عليّ أن أعود بهذه الذاكرة وأتوقف أمام خيالات هذا الطفل الملونة بكل أشكال الطيف وأضحى أهله من كل لون وهوية وعرق، لذا فإن الرواية لم تبدأ بل كانت تكبر من عمل إلى آخر وتنتقل من بيت إلى بيوت لها لهجاتها ولغاتها وحيواتها السابقة والحاضرة. ساهمت في هجرتها وتحولاتها عوامل داخلية وخارجية، سياسية واقتصادية واجتماعية.

تخييل الواقع
* كيف استطعت دمج الواقع والخيال في رواية تدور أحداثها ما بين نهاية القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر؟ وكيف استطعت الدمج بين كل هذه القصص؟

** لا أعرف كيف أجد في الحدث الواقعي ما يضاهي الخيال، ويندمج معه ويتحول فيه. وهي تجربة يمكن رصدها في معظم كتاباتي، دائماً يشكل حدثاً واقعياً مؤرخاً عبر الصحافة أو كتب التاريخ أو السير الذاتية والحكايات الشفهية نقطة بناء لمتخيل سردي يتسع ويأخذ بعده الأسطوري والأنثروبولوجي، ورواية مثل هذه تنبسط جغرافياً على تخوم ممتدة من الهند وشبه الجزيرة إلى أفريقيا وأوروبا، ويستحيل فيها المحيط إلى مكان رئيس لشخصيات لا ترسو في مرفأ حتى تنتقل إلى بندر أو ميناء. حركة مد وجزر تصيب الجميع بين الواقع والخيال، بين الشخصيات الحقيقية، كالأخوين الأميركيين المبشرين بيتر وصموئيل زويمر وجزء من سيرة التنصير في المنطقة خاصة مسقط والمنامة، وبين حوادث مختلقة، وأخرى واقعية مثل مدرسة العبيد المحررين وخيالية، مثل قرية سقر!
ثمة متعة لا تضاهى، بالنسبة لي على الأقل، وأنا أبصر القلوب وهي تحب وتعشق وتشيخ في عالم أوكل الخالق فيه للبشر مهمة لم تمنح لأي من الكائنات الأخرى على سطح الأرض، إلا أن البشر خانوا هذه الأمانة وتعلق بعضهم بكائنات ربما أجمل مثل الطيور. كل حدث مبني من السراب ينبعث مثل العنقاء. ربما بهكذا تفسير يتداخل العالمان!

الروايات الشفوية والكتب
* ماذا كانت مصادرك؟
كل شيء يمكن لك أن تتخيله، رواية تمتد هذا الامتداد الزمني والجغرافي، وتتناول قضايا وتاريخ المنطقة من التبشير بالمسيحية والعبودية والاحتلال الإنجليزي، إلى قضايا شخصية ونمط معيشة وسلوك إنساني متنوع الثقافة والمرجعيات تتطلب بالتأكيد كل ما يخطر على بالك من مصادر وبحوث ومكتبات علمية وبحوث شخصية ومقابلات ومراجعات وصور فوتوغرافية وأفلام وثائقية، ملفات شركة الهند الشرقية، المذكرات والسير الشخصية ودليل الخليج بشقيه الجغرافي والتاريخي والسفر، والكثير الكثير من الخيال وبناء الشخصيات والتحبيك. والسؤال؛ جوهر الحياة.

الاستشراق في الخليج
* كيف وجدت الاستشراق في منطقة الخليج.. وما هي الخدمات التي قدمها للمنطقة حينها؟
** يظل الاستشراق في جوهره ميداناً سياسياً بالدرجة الأولى تندرج فيه الشروط الاقتصادية والثقافية والفكرية عبر حتمية تاريخية فرضت وهيأت لهذه الدول الأوربية (المملكة المتحدة وفرنسا) من جهة وأميركا من جهة أخرى، أن تتغلغل في بنية المجتمع الشرقي من خلال قوة وسلطة الغرب القائمة بينه وبين الشرق بشكل عام، والشرق الأوسط بشكل خاص، كونه يشكل مركز أقاليم الكتاب المقدس كما طرحها إدوارد سعيد، خاصة فيما يتعلق بالتنصير . وعبر مصالحه الكلية التي تنتج على أثرها المتغيرات وتفرض سلطتها عبر عنصري المعرفة والقوة، لذلك أرى بدهشة إلى قدرة شركة الهند الشرقية على التحول من شركة تسعى لتحقيق تجارة في الشرق إلى قوة عسكرية تهيمن بشكل كامل على بلد بحجم الهند وتسلمها جاهزة للحكم الإنجليزي!
وعلى المستوى الإقليمي يمكن النظر إلى حركة السيطرة على الخليج العربي والتحكم في بوابته على مضيق هرمز وإدارة شؤون سواحله، وكيف أفضت إلى أن يكون المدخل الحيوي لشبه الجزيرة العربية ودول الخليج العربية بما فيها العراق تحت سطوة الدولة العظمى! وكيف لعب رجالها الإنجليز والمستشرقون الأميركيون دوراً على مستوى اللعبة السياسية بين عزل وتعيين وتصفية وقتل، وبين إشهار الوعي الصحي والاجتماعي والإنساني.
على الجانب الآخر لطبيعة الاستشراق، فإن إعادة تنظيم الدولة وتقسيم الإدارات وتخصيص الميزانيات كانت عاملاً مهماً لدولة صغيرة مثل البحرين كانت مقبلة على نهضة اقتصادية مع إعلان تفجر حقول النفط.

مجتمعات تملك طاقة الخفاء
* ما هي الصفحات المسكوت عنها التي كشفتها الرواية؟

** الرواية لا تدعي ذلك حتى وإن ذهبت إليه! نحن في مجتمعات تمتلك طاقة الخفاء، كل شيء يركن إلى الستر والإضمار والكتمان. والرواية كخطاب إبداعي يميل إلى عكس ذلك، إلى الكشف والفضح والظهور. انعكاس لحالة الفرد والأنا ضمن سياق المجتمع. ما تشير إليه بالكشف هي إحدى مهمات الرواية حتى إن ادَّعت غير ذلك. تاريخ المنطقة مازال رهن الاكتشاف بعيداً عن الادعاءات القبليّة والجماعات والمذاهب والطوائف. إن تفحص الهوية من منظور روائي هو أن تعكف الرواية على فهم لغز «الأنا» أو «الذات» ضمن أنساقها الإثنية دون إلغاء أو تذويب، بل مع احترام التعددية الثقافية وتحقيق التوافقات الشعبية لبناء أنظمة يحكمها قانون «العدل والمواطنة» وتقويض سلطة القبيلة والطوائف والجماعات التي تحكم وتدير المجتمع ضمن سياقاتها الاجتماعية والسوسيولوجية الخاصة. الرواية، أي رواية يجب أن تفعل كل ذلك دون ادعاء. السؤال: هل نجحت هذه الرواية في ذلك؟

شخصيات
* شخصية البطل «يوسف» هل هي شخصية قريبة من الواقع أو نسجت الأحداث التي مرت بها منطقة الخليج مثل هذه الشخصية؟

** الرواية تنهض بالعديد من الشخصيات ذات الأصول المتنوعة، ويقود الرواية شخصيتان رئيستان هما: يوسف البلوشي ومباندا التنجانيقي الذي سمي جيكوب بعد تنصيره، ثم سمي يعقوب بعد إسلامه. هما نموذج من هويتين ضاربتين بجذورهما في واقع المجتمع الخليجي، ويعيش أحفادهما اليوم بيننا. تنقلوا عبر محطات وبنادر كثيرة بين بيع وشراء، بين جحيم ونعيم. هل تحب أن أقول إنهما شخصيتان حقيقيتان، نعم، رغم أنني لا أعرفهما شخصياً. تاريخ أحفادهم رُمِيَ في فؤادي وكتبته.

الاسم دليل
* ما سبب اختيار العنوان؟

** أنا كاتب ميال لوضع الأسماء قبل الكتابة، الاسم دليل في مواجهة الضياع. كل مشروع يبدأ بعنوان، وكل مشروع يبدأ فيما بعد بطرح أسماء بديلة له وهو يتشكل ويكبر وينضج ويتمرد. وهكذا فعلت «المحيط الإنجليزي» معي وأنا أكتب وأخط وأطرز العمل، وكلما تركته في البحث أو كتابة مشروع آخر عدت إليه بعنوان فرض نفسه في ليلة أرق ممطرة بالتعب، فأضع العنوان الجديد قرب الآخر القديم وأواصل رسم الحرف والحكاية. وكانت المعالجة تكبر وتتعقد وتضعني في التيه. أتوقف وأهدأ قليلاً، فتعذبني الأماكن والشخوص، وتبرز عناوين أخرى فأسجلها. وحتى آخر ثلاث سنوات قبل طباعتها كانت تحمل عنواناً آخر، وكنت أشعر بقلق تجاه انحياز العنوان لشخصيات على حساب شخصيات أخرى، حتى جاءني نبأ طفر فجأة وأنا في مرحلة التحرير وصقل الجمل والفقرات والفصول. ووضعته وشعرت بالخوف من ذلك، وتساءلت فأفحمتني زوجتي حين عرضت عليّ اسم رواية «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف ورمت في قلبي الطمأنينة وأن العنوان ربما يتخفى حول مكان ما ويحتفظ بسره وإيقاعه الخاص. وتحدثت مع صديق قريب من القلب، وتحاورنا طويلاً وأعدنا كتابة العنوان حتى بين تحريف الحرف بين «الكاف، والجيم والسين» من «المحيط الإنكليزي» و«المحيط الإنجليزي»
و«المحيط الإنكليس» مستندين بذلك إلى وثيقة جاء ذكرها في الرواية.