دينا محمود (لندن)

بعد أيامٍ قليلةٍ من تلويح نيبال بفرض قيودٍ على إرسال مواطنيها للعمل في قطر بفعل الانتهاكات الوحشية التي يتعرضون لها هناك، يبدو أن الهند التي يعمل نحو 650 ألفاً من أبنائها في الدويلة المعزولة، صارت على الطريق لبحث اتخاذ إجراءٍ مماثلٍ، إثر كشف النقاب عن أرقامٍ صادمةٍ للضحايا الهنود للممارسات غير الإنسانية السائدة في «إمارة السخرة».
فبحسب دراسةٍ أجرتها مجموعةٌ تطوعيةٌ هندية معنية بحقوق العمالة، تبين أن الأعوام الستة الماضية وحدها شهدت وفاة نحو 1700 عاملٍ هندي في قطر، بمعدلٍ صادمٍ يفوق 280 عاملاً في العام الواحد. وشملت الدراسة الفترة بين عام 2012 وشهر أغسطس من العام الجاري، ما دفع محللين هنود إلى القول إن العدد قد يزداد خلال السنتين المقبلتين، في ضوء المساعي القطرية المحمومة لاستقدام المزيد من العمال الآسيويين للاستعانة بهم في مشاريع تأهيل البنية التحتية وتشييد المرافق التي يُفترض أن تستضيف منافسات بطولة كأس العالم المقبلة لكرة القدم 2022، والتي حصلت الدوحة على حق تنظيمها في ملابساتٍ مشبوهة.
واستندت الدراسة التحليلية التي أجرتها المنظمة المعروفة باسم «مبادرة الكومنولث لحقوق الإنسان» - واطلعت عليها «الاتحاد» - إلى وثائق رسميةٍ صادرةٍ عن السفارة الهندية في الدوحة، بجانب خلاصة المعلومات التي كُشِفَ عنها خلال نقاشاتٍ جرت من قبل في غرفتي البرلمان في نيودلهي، حول ملف العمال الهنود في قطر.
وكشفت هذه الوثائق عن المحاولات المستميتة التي تقوم بها السلطات القطرية لطمس الأسباب التي أدت إلى حدوث الغالبية العظمى من حالات الوفاة بين العمالة الهندية. إذ أشار بيانٌ صادر عن سفارة نيودلهي في الدوحة في السادس من سبتمبر من العام الجاري إلى أن أكثر من 80% من هذه الحالات، أُرْجِعَتْ إلى «أسبابٍ طبيعية» بإجمالي 1354 حالةً.
ووفقاً للبيان، لم يقر «نظام الحمدين» بوقوع حوادث أفضت إلى وفاة هؤلاء الضحايا سوى في 14% فقط من الوقائع المُسجلة، ما يثير مزيداً من الشكوك خاصةً في ظل تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، التي تفيد بأن تدني معايير السلامة والأمن في مناطق البناء والتشييد في قطر، أفضى إلى مقتل مئاتٍ من العمال المهاجرين خلال الأعوام القليلة الماضية.
كما أشار بيان السفارة الهندية في قطر إلى أن نحو 6% من إجمالي الوفيات التي وقعت بين العمال الهنود في الدويلة المعزولة لقوا حتفهم انتحاراً، وهو ما قد يعود على الأرجح إلى الظروف المزرية التي تعيش في ظلها العمالة الوافدة هناك، والتي قال نشطاء حقوقيون إنها تشبه «ظروف معيشة الحيوانات» لا البشر.
وكشف البيان عن أن العام الماضي شهد العدد الأكبر من حالات الوفاة بين العمال الهنود في قطر، بإجمالي 282 عاملاً يليه عام 2016 بحصيلة ضحايا بلغت281 ثم عام 2014 الذي توفي خلاله 279 من بين أولئك العمال.
وقالت «مبادرة الكومنولث لحقوق الإنسان» في تقريرها الذي صدر أمس إن العدد الكبير من الوفيات الذي شهدته قطر - والذي بلغ 1678 عاملاً تحديداً - يعني أن هناك أكثر من 74 من العمال الهنود لقوا حتفهم في هذا البلد مقابل كل مليار دولار تم تحويله إلى وطنهم من جانب عمالته المهاجرة الموجودة في الدويلة المعزولة. وبحسب التقديرات الهندية، بلغ حجم تحويلات العمال الهنود في قطر خلال السنوات الست الماضية 22.57 مليار دولار، وذلك في وقت تشير فيه الأرقام الرسمية المنشورة في نيودلهي إلى أن ما حولته العمالة الموجودة في منطقة الخليج بشكلٍ عامٍ، شكّل أكثر من نصف تحويلات العمالة الهندية في مختلف أنحاء العالم، في الفترة بين عامي 2012 و2017، والتي تزيد على 410 مليارات دولار.
وفي تعقيبها على التقرير، أكدت صحيفة «إنترناشيونال بيزنس تايمز» الهندية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية أن العمال الهنود الموجودين في دولٍ مثل قطر، يعيشون ويعملون في ظل ظروفٍ شديدة القسوة، وفي بعض الأحيان «لا إنسانية».
وأشارت الصحيفة إلى أن المرء يستمع في أغلب الأحيان إلى «قصصٍ مرعبةٍ عن.. عمالٍ يلقون معاملةً سيئةً، وخادمات يستعبدن، وشِراك ديونٍ» تستمر مدى الحياة يقع فيها العمال الهنود المهاجرون.
وأضافت أن هذه القصص تشتمل على وقائع يتم فيها منح رواتب متدنيةٍ للعمالة الوافدة، وتعريضهم لظروف عملٍ ومعيشةٍ مترديةٍ، بجانب مصادرة جوازات سفرهم في أغلب الأحيان، ما يجعل السبل تتقطع بهم ويعجزون عن العودة إلى وطنهم.
وأكدت «إنترناشيونال بيزنس تايمز» في تقريرها أن الكثير من عقود هؤلاء العمال يتضمن ثغراتٍ، تجعلهم غير قادرين على تغيير أرباب عملهم، مهما كانت المشكلات التي يعانون منها. وأشار التقرير في هذا الشأن إلى الحوادث المتعددة التي تكشف عن عمق المحنة التي تكابدها العمالة الهندية في قطر، وهو ما وثقته منظماتٌ حقوقيةٌ مرموقة من قبل مثل منظمة العفو الدولية «أمنستي إنترناشيونال»، التي أكدت في وقتٍ سابق أن العمال الأجانب الذين يشاركون في عمليات تأهيل البنية التحتية لمونديال 2022 يواجهون «معاملةً مروعة».
وتفيد أرقامٌ رسميةٌ بأن عام 2015 شهد وحده وفاة نحو ألف عاملٍ أجنبيٍ في قطر، بينما بلغ عدد حالات الوفاة المماثلة التي وقعت عام 2012 - بحسب بيانات الحكومة القطرية نفسها - 520 حالة، وكانت لعمال من الهند وبنجلاديش ونيبال، من بينهم 385 توفوا لأسبابٍ لم تكشف عنها السلطات الحاكمة في الدوحة.
وأشارت الصحيفة الهندية إلى بعض الأدلة التي تثبت شيوع الانتهاكات التي تحدث بحق عمال البلاد في «إمارة السخرة»، ومن بينها ما تعرض له أكثر من 200 عاملٍ هندي ينخرطون في مشروع صيانة ملعب خليفة الدولي في الدوحة وفي مجمع «أسباير» الرياضي هناك، ممن شكوا من أنهم «واجهوا انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان.. تراوحت بين إجبارهم على الإقامة في منازل قذرةٍ ومكتظةٍ بقاطنيها، وإرغامهم على العمل في ظل درجات حرارةٍ مرتفعةٍ للغاية».
وأوردت عبارةً مُفعمةً بالمرارة وردت على لسان أحد هؤلاء العمال قال فيها: «حياتي (في قطر) تشبه السجن. العمل عصيب، نعمل لساعاتٍ طويلة تحت الشمس الحامية».