الاتحاد

ألوان

أبطال يهزمون «سارق الفرح» والصحة

علي النقبي

علي النقبي

أشرف جمعة (أبوظبي)

اعتلى الفرح والارتياح وجوه بعض العائدين من الموت عبر رحلة مريرة مع سارق الفرح «السرطان»، حيث عاشوا خلالها لحظات صعبة، قبل أن يقول القدر كلمته فيهم، فيستعيدوا وجه الحياة والأمل والثقة بالغد الآتي. ولم يكن تكريم هؤلاء الذين تنوعت أعمارهم ما بين سنوات العمر الأولى، حيث تفتح الربيع في وجدانهم، إلى صفوة الشباب ومن ثم الذين هم في خريف العمر، من مؤسسة «السرطان الإيجابي» أمس الأول في فندق الملينيوم في أبوظبي إلا لفتة إنسانية واجبة، إذ حضر نحو 200 شخص ممن كبلهم هذا المرض القاتل.

السعادة كانت عنوانهم في هذه الاحتفالية التي حملت اسم «أنا بطل»، واللافت أن هناك نماذج كثيرة منهم أثبتوا أنهم أبطال فوق العادة، إذ صارعوا المرض حتى صرعوه، محتفظين بابتسامتهم التي تعبر عن نشوة المنتصر.

وعادت السعادة

قبل بداية حفل التكريم، سردت الطفلة عائشة جمعة الهاملي «15 عاماً» قصة صراعها مع مرض السرطان والابتسامة لا تفارق شفتيها، وقالت: «عرفنا مرارة السرطان، عندما أصيب شقيقي الأصغر بورم خبيث ونادر في المخ، إذ فقدناه وهو لم يتعدَّ العامين، فبكته الأسرة كلها وترك رحيله في نفوسنا غصة ومرارة، وعندما بلغتُ سن السادسة أصبتُ بورم سرطاني حار في تفسير الأطباء، وكلما ذهبت بي أمي إلى الطبيب كان يخبرها بأنه في حال إجراء جراحة لاستئصال الورم فسيحدث لي شلل كامل، لكن أمي وأبي رفضا هذا الاقتراح، والورم مع مرور الأيام وصل إلى النخاع الشوكي فعزمت أمي على السفر بي إلى أميركا. وأضافت عائشة أنه بمجرد الوصول إلى ولاية كليفلاند توجهنا إلى مستشفى الجامعة هناك لنجد صدمة مدوية في انتظارنا، حيث أخبرونا أن نوع الورم غير معروف، وأن اثنين في العالم هما المصابان به، وأنا واحدة منهما، مشيرة إلى أن أسرتها اضطرت للموافقة على تلقى العلاج التجريبي، وبعد مدة مات المريض الأول، وهو ما أشعر الجميع بأن المصير ربما يكون واحداً، وتتابع: لكن المفاجأة أن بعد إجراء الجراحة وتلقي العلاج التجريبي عدت إلى الحياة، وعانيت كثيراً قبل أن أستعيد كامل صحتي إذ ظللت في غرفة العمليات 12 ساعة، ووصل وزني في أثناء تلقي العلاج إلى 380 كيلوجراماً، وكنت أنتظر الموت في أي لحظة لكن الله كتب لي النجاة، واستعدت وزني الطبيعي وحياتي العادية لتستعيد الأسرة من جديد وجه الحياة السعيد بعد معاناة قاربت ثماني سنوات.

في حضرة الغياب

أما محمد عمار البريكي «14 عاماً» فإن المصادفة وحدها هي التي أنقذته من براثن ورم خبيث كاد يقضي عليه ويجعله في حضرة الغياب إذ يوضح أن أخيه الذي يكبره بثلاثة أعوام أراد أن ينضم لنادي الوحدة الرياضي، وفي أثناء إجراء الكشف الطبي طلب محمد أن تجرى عليه إجراءات الكشف نفسها، وبعد خضوعه لها فوجئ بأنه مريض وأن لديه ورم سرطاني يمتد من الصدر إلى الرئة، ويبين أن والده انتابه القلق خوفاً من المصير المجهول، لافتاً إلى أن الأسرة بكاملها عاشت سنوات صعبة بحثاً عن أفضل طرق العلاج، وفي مستشفى مدينة الشيخ خليفة الطبية في أبوظبي كان التواصل دائماً مع الأطباء. ويورد البريكي أنه في نهاية الأمر سافر مع والده إلى سنغافورة وفي مستشفى «مونت إليزابيث» ظل نحو 8 ساعات في حجرة الجراحة والقلق والخوف والألم يشق صدره وصدر عائلته خوفاً من أن تكون هذه المرة الأخيرة التي يرونه فيها، لكنه خرج بعدها وهو لا يصدق أن عينه رأت أهله من جديد . ويرى أن على الإنسان ألا يقف عاجزاً في مواجهة مرض السرطان، إذ إن التحلي بالصبر والإيمان بالقضاء والقدر وصفة سحرية للنجاة من الموت، مبيناً أنه الآن يمارس حياته الطبيعية ويسبح ويلعب مع أقرانه بلا محاذير، لكن أشياء بسيطة ستظل تلازمه مدى الحياة لتذكره بأن الله وهب له حياة جديدة، تتمثل في أن عينه اليسرى أصبحت أقل في الحجم وأن الجهة اليسرى بكاملها لا تعرق، لكنه يشعر في قرارة نفسه رغم سنه الصغير بأنه بطل استطاع هزيمة الألم.

شبح الموت

قصة أخرى بطلتها مسنة سودانية تدعى إحسان حسن عاد إليها سرطان الدم بعد عشر سنوات ليجدد أحزانها ويرسم لها صورة شبح الموت أمام عينيها، لكنها لم تستسلم له ولم تقل في نفسها: «غاض نهر الحياة ولم يعد يتبقَّ في العمر شيء» ورضخت لزراعة نخاع، ومضت في سبيلها إلى العلاج الكيميائي لافتة إلى أنها تود التعبير عن خالص شكرها وامتنانها إلى شرطة دبي التي قدمت لها المساعدات كافة، ومستشفى دبي، مشيرة إلى أن ابنها وزوجها وأسرتها وأصدقاءها دفعوها إلى التعافي ومؤسسة «السرطان الإيجابي» كافأتها على صمودها ومواجهتها إياه وترى أن تنقلها ما بين دبي والهند لتلقي العلاج أسهم في عودتها إلى الحياة من جديد.

دمعة خافية

الطفل عبد الرحمن عرابي« 7 سنوات» أصيب بسرطان في الغدد الليمفاوية وأصيبت الأسرة كلها بحالة ارتباك، إذ إن المرض هاجمه منذ عامين فجفت بسمته وكادت تزوي زهرة حياته وتذبل في لحظات، لكن يقظة والده ورباطة جأشه جعلته يتنقل بصغيره بين مستشفيات الدولة مثل النور ومستشفى مدينة الشيخ خليفة الطبية في أبوظبي، ثم ذهب به إلى مصر وانتهى إلى إجراء الجراحة في مستشفى مدينة الشيخ خليفة الطبية. ويقول عبدالرحمن: حزنت جداً عندما تساقط شعري في أثناء تلقي العلاج الكيميائي إذ فقدت في أثناء ذلك الشعور بقيمة الحياة، وعندما كان أبي يذهب بي إلى المتنزهات ليكسر رتابة الأيام الصعبة التي أعيشها كنت أرى الأطفال يلعبون وساعتها كنت تسقط مني دمعة خافية إلى أن كتب لي النجاة، وعاد لي شعري مجدداً وجفت دموع أمي لتستبدلها بابتسامات الفرح.

غير حميد

مأساة أخرى تروي تفاصيلها حنان الشويل « 52 عاماً» إذ تذكر أنها تعرضت لورم غير حميد في الصدر وهو ما جعل الشكوك تساورها في أن هذا الورم قد يكون الطريق إلى الموت، لكنها لم تركن للدموع ولم تستسلم لليأس، خصوصاً وأنها اكتشفته مبكراً، موضحة أنها أجرت جراحة في مستشفى المفرق في أبوظبي وتم استئصال الورم وبفضل مساندة الأصدقاء استعادت عافيتها ووجه الحياة النضر وابتسمت للحياة من جديد، لافتة إلى أنها بعد هذه التجربة أصبحت على يقين بأن البطولة أن يعيش المرء على الأمل، وأن يتجرع الصبر وقت المصائب، ويستعين بالخالق عز وجل حتى يعبر إلى الغد المشرق. وترى أن تلقي العلاج الإشعاعي فيه اختبار للإنسان، لأنه مرحلة صعبة يصل فيها الجسم إلى الوهن، وهو ما ينعكس سلباً على المريض، وتؤكد أن تكريم الناجين من الموت لحظة تاريخية تجدد الأمل في نفوس هذه الفئة.

كلية واحدة

وبالنسبة إلى الطفل محمد علي الملا فهو يعيش بكلية واحدة حالياً لكن الابتسامة لم تفارق وجهه، فقد عاد كمحارب قديم من رحلة الموت بعد ثلاث سنوات استؤصلت خلالها الكلى التي كان بها ورم غير حميد في مستشفى مدينة الشيخ خليفة الطبية وبعدها سافر إلى أميركا لتلقي العلاج بالإشعاع ثم عاد إلى أهله في دبي ليرى الحياة من منظور جديد وسط فرحة إخوته الذين يكبرونه قليلاً وهو ما جعل الأسرة بكاملها توقن أن اليأس لا وجود له إذا تحلى الإنسان بالصبر.

تشكيل الوعي
وعبرت بشجاعة كبيرة عائشة بن حويرب التي تحمل عدداً من الشهادات العليا -عن تجربتها وصراعها مع مرض السرطان، لافتة إلى أن الدولة لها الدور الأكبر في مجابهة هذا المرض، وأنها أعادت تشكيل الوعي لدى الناس، وهو ما أسهم في علاج أناس كانوا على مشارف الموت، واعتلت عائشة المسرح خلال حفل التكريم وتحدثت إلى الجميع بحكمة شاكرة القيادة الرشيدة في الدولة على دعمها مرضى السرطان، وذكرت أن المرضى الذين كتب لهم النجاة بُعثوا من جديد ليحثوا غيرهم على التحلي بالصبر ، وأن من الضروري أن يبادر الإنسان بالاطمئنان على نفسه، فالاكتشاف المبكر يؤدي إلى علاج أسرع.

تقول رئيس مجلس الأمناء بمؤسسة «السرطان الإيجابي» أمل الهدابي إن مبادرة «أنا بطل» في دورتها الثانية تأتي ضمن استراتيجية المؤسسة التي تهدف إلى دعم برامج الحياة الرامية إلى إحداث تغيير إيجابي في الممارسات والسلوكيات اليومية لمصابي السرطان، ومن ثم العمل على تحسين وتغيير نمط حياتهم، إضافة إلى دعم هذه الفئة بالمعرفة وتقوية عزيمتهم، وتأكيد كفالة المجتمع لهم بشكل يجاري التوجيهات السديدة للحكومة، والتي تهدف إلى تحقيق رؤية دولة الإمارات 2021.


تغيير إيجابي
وتقول رئيس مجلس الأمناء بمؤسسة السرطان الإيجابي أمل الهدابي إن مبادرة «أنا بطل» في دورتها الثانية تأتي ضمن استراتيجية مؤسسة السرطان الإيجابي التي تهدف إلى دعم برامج الحياة الرامية إلى إحداث تغيير إيجابي في الممارسات والسلوكيات اليومية لمصابي السرطان، ومن ثم العمل على تحسين وتغيير نمط الحياة، إضافة إلى دعم هذه الفئة بالمعرفة وتقوية عزيمتهم وتأكيد كفالة المجتمع لهم بشكل يجاري التوجيهات السديدة للحكومة، والتي تهدف إلى تحقيق رؤية دولة الإمارات 2021.

رحلة عبور
وعبرت المقيمة في الدولة ديبوا ستيفنذ 60 عاماً وتعمل مديرة وحدة التمريض بمستشفى مدينة الشيخ خليفة الطبية عن سعادتها لعبورها مرحلة المرض ومن ثم شعورها أن هناك في الحياة من يستحق أن يعيش المرء لأجله، مؤكدة أن فرحتها بعودتها إلى أسرتها بعد رحلة مع سرطان الثدي جعلها أكثر إشراقاً وإقبالاً على الحياة وتدعو ديبورا مرضى السرطان أن يتشبثوا بالأمل حتى توهب لهم الحياة.

«نصنع التحدي»
عبرت المقيمة في الدولة ديبوا ستيفنذ 60 عاماً وتعمل مديرة وحدة التمريض في مستشفى مدينة الشيخ خليفة الطبية في أبوظبي، عن سعادتها لعبورها مرحلة المرض ومن ثم شعورها بأن هناك في الحياة من يستحق أن يعيش المرء لأجله، مؤكدة أن فرحتها بعودتها إلى أسرتها بعد رحلة مع سرطان الثدي جعلها أكثر إشراقاً وإقبالاً على العمل، وتدعو ديبورا مرضى السرطان أن يتشبثوا بالأمل كي توهب لهم الحياة.

ميت لا محالة
يؤكد رئيس قسم أمراض الدم والأورام لدى الأطفال في مستشفى مدينة الشيخ خليفة الطبية الدكتور عزام الزعبي، أنه منذ عدة سنوات كانت الحسرة تبلغ مداها في الأسرة التي يصاب أحد أفرادها بالسرطان إذ إن معنى ذلك آنذاك أنه ميت لا محالة، فاكتشاف مرض السرطان قديماً بين الناس كان يعني الموت ومن ثم الاستعداد لترتيب المراسم الجنائزية، ويرى أن هذا المشهد تغير في الوقت الحالي، حيث إن قهر المرض أصبح مرتبطاً بعزيمة الفرد في المجتمع، ومن ثم الذهاب إلى الأماكن التي تكافح هذا المرض وتقضي عليه، ويشير إلى أن أسباب الإصابة بالسرطان عديدة، فمنها ما هو وراثي أو بسبب نقص المناعة أو لأسباب مجهولة، ويوضح أن طرق العلاج الحديثة أسهمت في علاج حالات كثيرة فضلاً عن الجهد البحثي في المؤسسات العلمية لا يتوقف، وهو ما يعزز فرص النجاة، ويرى أن تكريم الأبطال الذين عادوا للحياة وواجهوا السرطان بقوة هم أبطال يستحقون التحية والتقدير وما قدمته مؤسسة السرطان الإيجابي في هذه الاحتفالية هو نوع من الحفاوة بهؤلاء الناس.

اقرأ أيضا