الاتحاد

ثقافة

تناصٌّ أم أكثر!

إدوارد سعيد (أرشيفية)

إدوارد سعيد (أرشيفية)

عصام أبو القاسم (الشارقة)

تكشف القراءة، سواء كانت مستعجلة أو متريثة، لكتابي: «شكسبير وراسين وإبسن في مراحلهم الأخيرة» لكينث مور [1907 - 1996]، و«عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب عكس التيار» لإدوارد سعيد [1935 - 2003] عن تشابه مثير للاهتمام بين أفكارهما وملاحظاتهما حول ما يمكن عدّه تصوراً نظرياً متكاملاً يتعلق بخصائص المراحل الأخيرة من حياة المبدعين في مختلف المجالات: الموسيقى، القصة، المسرح، والرواية.

ثمة فروق في مواقيت النشر والترجمة وحتى في حجم النسختين المترجمتين من الكتابين إلى اللغة العربية، وبطبيعة الحال هناك اختلافات أسلوبية بين الرجلين أو بين مترجميهما اللذين عاشا في زمنين ثقافيين مختلفين، ولكن التشابه يبقى ظاهراً كل الظهور، في مبتدأ وخبر الأجزاء الجوهرية من الكتابين.
ترجم كتاب سعيد إلى العربية بواسطة فواز طرابلسي وصدر عن دار الآداب 2015 ويقع في 270 صفحة من القطع المتوسط، وهو مقسم إلى سبعة فصول، يخصص سعيد معظمها لتقصي ظلال وطبائع المراحل الأخيرة في مسارات بعض الموسيقيين وعلى نحو خاص بيتهوفن.
يورد مايكل وود في مقدمة الكتاب أن مساهمة سعيد حول «الأسلوب المتأخر..» هي من المشاريع غير المكتملة؛ فلقد رحل الناقد الأمريكي قبل أن ينهي الكتاب، ونفهم أيضاً من تقديم وود أن الكتاب جرى تجميعه وتحريره أخيراً، أي بعد رحيل سعيد وهو في أغلبه عبارة عن محاضرات قدمها صاحب كتاب «الاستشراق»، سنة 1993. لا ترد إشارة في ترجمة طرابلسي إلى النسخة الصادرة باللغة الإنجليزية من الكتاب أو دار النشر أو سنة الإصدار ولكن في مقدمة ثانية مضمنة في الكتاب، بقلم مايكل ستاينبرغ، يرد أن النسخة الإنجليزية من كتاب سعيد صدرت للمرة الأولى 2006.
أما كتاب «شكسبير وراسين وإبسن: في مراحلهم الأخيرة» فلقد ترجمه إلى العربية عبدالله حسين، وصدر عن دار الكاتب العربي في القاهرة من دون تاريخ، ويمكن الترجيح أنه صدر منذ عقود عدة ولكن نسخته الإنجليزية صدرت للمرة الأولى 1969. والكتاب الواقع في نحو 130 صفحة من القطع المتوسط، هو في الأساس عبارة عن أربع محاضرات قدمها مور، في جامعة ولاية مين، في الولايات المتحدة الامريكية، بصفة أستاذا زائرا. في المقدمات التي تسبق كتاب سعيد، تتم الإشارة إلى أن كتابه هذا، يمكن أخذه في حد ذاته كمثال على «الأسلوب المتأخر» لدى إدوارد سعيد، باعتبار أنه يمثل آخر ما كتبه. بالنسبة لمور فإن كتابه صدر قبل عقود على رحيله.
يذكر سعيد أنه قرأ عبارة «الأسلوب المتأخر» للمرة الأولى في مقالة لتيودور آدورنو [1903 - 1969] مؤرخة 1937، وضمها آدورنو إلى مجموعة دراسات موسيقية صدرت 1964 في كتاب بعنوان «لحظات موسيقية». كما صدرت لاحقاً في كتابه «محاولات في الموسيقى» وهو كتابه عن بيتهوفن الصادر 1993.
بيتهوفن يُذكر أيضا في مستهل مقاربة مور، إذ ينظر إلى «الرباعيات» بوصفها «نموذجا مثالياً للعمل النهائي لفنان عظيم». ولا تغب «الرباعيات» عن ملاحظة آدورنو التي يحاورها سعيد في كتابه، مضيفاً إليها سوناتات البيانو الخمس الأخيرة والسيمفونية التاسعة و«القداس الاحتفالي»، ويورد عنها «أنها تشكل مجتمعة حدثاً تاريخيا في الثقافة الحديثة: هي لحظة كان الفنان فيها يسيطر فيها سيطرة تامة على فنه ولكنه تخلى مع ذلك عن التواصل مع النظام الاجتماعي الذي هو جزء منه، محققا علاقة متناقضة ومستلبة معه..».
ويتزود مور باقتباسات أكثر عن الشاعر الألماني رينيه ماريا ريلكة [1875- 1926] ليؤكد على خصوصية مراحل العمر الأخيرة لدى المبدعين، ومما يورده في هذا الجانب مقولة ريلكة: «أواه! ولكن الشعر لا يبلغ قدرا يذكر حين يبدأ الإنسان في كتابته وهو صغير.. فعلى المرء أن ينتظر ويجمع من المعاني والطلاوة على مدى عمر بأكمله.. وثمة، قبل النهاية، قد يستطيع أن يكتب عشرة أبيات جيدة..». أما اقتباسات سعيد فتركز على متن آدورنو.
ويتشارك مور وسعيد في التمثيل على رؤاهما حول الموضوع بتجارب مبدعين في مجالات مختلفة، بخاصة في الموسيقى والمسرح، ومما يلفت في هذا السياق أن مور يستدرك في مقدمته، منبهاً إلى أنه سيقرأ المراحل المتأخرة لدى الرسامين والموسيقيين لو «تهيأت لي الدراية الفنية الكاملة».
فيما اختار سعيد أن يظهر رؤاه حول «الأسلوب المتأخر» استنادا إلى تجارب ثيودر آدورنو والمؤلف الموسيقي ريتشارد شترواس والكاتب جان جينيه والسينمائي لوتشينو فسكونتي. من الجانب الآخر، نجد أن مور قد خصّ بنظره ثلاث تجارب مسرحية: (شكسبير، راسين وإبسن) بيد أن الفصل التقديمي من كتابه قرأ (سوفكليس، يوربيديس، ييتس وريلكة)، وبعض هذه الأسماء الأخيرة ورد أيضاً في كتاب سعيد.

اقرأ أيضا

«الفريج».. ذاكرة المكان الأليف