صحيفة الاتحاد

تقارير

مشكلات الهجرة.. بيروقراطية وليست أمنية

ما أن صدر الحكم بتبرئة «خوسيه اينس جارثيا ثاراتا»، يوم الخميس الماضي، عن هيئة محلفين في سان فرانسيسكو، حتى رد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطالباً بإقامة جدار حدودي، ومضيفاً: «قاتل (كيت) ستاينلي عبر مراراً حدود أوباما ضعيفة الحماية وارتكب دوماً جرائمَ وكان عنيفاً».
و«جارثيا ثاراتا» مهاجر دخل الولايات المتحدة بشكل غير شرعي واُتهم بقتل «كيت ستاينلي»، وهي من سكان كاليفورنيا، عام 2015. والواقع أن القضية تلقي الضوء على مدى تحسن أمن الحدود ومدى ضعف التهديد الذي يمثله المهاجرون غير الشرعيين. فمن عام 1991 إلى عام 1996 عبَر جارثيا ثاراتا الحدود بشكل غير مشروع مرتين. لكن عدد قوات حرس الحدود تعزز إلى ثلاثة أمثاله فيما بعد ولذا اعتقلته القوات في كل محاولة، منها مرة عام 2009، في محاولته الوحيدة في عهد أوباما.
وحتى حين نجح جارثيا ثاراتا في عبور الحدود بداية التسعينيات لم يرتكب أي جرائم عنف بل تورط في أنشطة حيازة الماريجوانا والهيرويين. وبعد كل عملية اعتقال على الحدود منذ عام 1998، قضى جارثيا ثاراتا في السجن سنوات لمحاولته إعادة الدخول بشكل غير قانوني بعد ترحيله. ومن المؤكد أنه خرق القوانين لكنه لم يفعل ذلك قط بالعنف. وانتهى الحال بجارثيا ثاراتا إلى سان فرانسيسكو نتيجة عدم كفاءة بيروقراطية متعددة المستويات، وليس بسبب ضعف الحماية الحدودية. فقد طلبت سلطات سان فرانسيسكو من مكتب السجون الاتحادي أن ينقله في نهاية فترة عقوبته في عام 2015 لمواجهة اتهام بحيازة الماريجوانا.
وأذعن مكتب السجون الاتحادي لهذا الطلب متجاهلا طلب الإدارة الاتحادية للهجرة والجمارك بتسليمه لترحيله. ثم طلبت الإدارة أن تحتجزه سان فرانسيسكو وتُخطر الموظفين بموعد الإفراج عنه. لكن الإدارة كانت تعرف أن المدينة لا تمتثل إلا لمذكرات الاعتقال الاتحادية الصادرة عن قضاة وليس لطلبات من مسؤولي الإدارة. واجتمع مسؤولو المدينة مع الإدارة ليخبروها بشأن سياستها سلفاً، لكن الإدارة اختارت ببساطة ألا تسعى للحصول على مذكرة اعتقال من القضاء. وهذا كان يعني أنه بمجرد أن يرفض ممثل الادعاء في سان فرانسيسكو محاكمة جارثيا ثاراتا في الاتهام بحيازة الماريجوانا، فإن قانون المدينة يطالب بالإفراج عنه.
لكن حتى حينذاك، ظلت سان فرانسيسكو تحتجزه لما يقرب من ثلاثة أسابيع وسألت الحكومة الاتحادية ما إذا كانت لديها أي مذكرة لاعتقاله. ولم يفرج عنه إلا بعد تلقي إجابة بالنفي. وكان لدى الإدارة الاتحادية للهجرة والجمارك وقت كاف لتحصل من القضاء على مذكرة اعتقال وتقدم سببا معقولا يثبت أن جارثيا ثاراتا موجود في البلاد بشكل غير قانوني. لكنها لم تفعل هذا. وبعد وفاة ستاينلي، غير مكتب السجون الاتحادي سياساته ليعطي الإدارة الاتحادية للهجرة والجمارك الفرصة لحجز أي سجين قبل أن تسلمه إلى سلطات الولايات أو سلطات الإدارات المحلية. ومازالت الإدارة الاتحادية للهجرة والجمارك تصر على رفض السعي للحصول على مذكرات الاعتقال من القضاء في الحالات التي تتطلب هذا.
وانتقد ترامب من قبل بشدة سياسة سان فرانسيسكو لطلبها مذكرة اعتقال، واصفاً هذا بأنه سياسة «الملاذ الآمن». لكن سان فرانسيسكو لم تتبن سياستها إلا بعد أن أصدرت الإدارة الاتحادية للهجرة والجمارك طلبات لتحتجز أشخاصاً تبين أنهم مواطنون أميركيون وبعد أن كشفت المحاكم أن الإدارات المحلية عرضة للغرامات إذا لبت الطلبات. ومثل هذه الحالات ظهرت مرارا منذ حادثة ستاينلي. والمطالبة بسبب معقول ومراجعة قضائية لا تمثل سياسات «ملاذ آمن». والآن، أصدرت «مصلحة قادة الشرطة»، وهي الذراع التنفيذية لوزارة العدل الأميركية مذكرة اعتقال بحق جارثيا ثاراتا، وهو ما ستمتثل له سان فرانسيسكو. لكن سياسة الإدارة الاتحادية للهجرة والجمارك يجب أن تتغير، ليس لأنها سمحت بالإفراج عن جارثيا ثاراتا، بل لأنها فشلت في تقديم حماية مناسبة لمواطنين أميركيين. فقد توصلت هيئة المحلفين في نهاية المطاف إلى أن وفاة ستاينلي سببها على الأرجح إصابة بطلقة خرجت عرضا من مسدس يحمله مدمن مخدرات كان قاض قد أصدر أمراً بإيداعه مصحة عقلية.
وما حدث لا ينبغي أن يسوغ حملة أمنية على امتداد البلاد على المهاجرين غير الشرعيين. فقد أشارت بيانات إحصائية إلى أن احتمالات ارتكاب المهاجرين غير الشرعيين لجرائم خطيرة عقوبتها السجن أقل ترجيحاً بنسبة النصف عن المواطنين المولودين في الولايات المتحدة. وبدلا من عمليات الترحيل الجماعية، على الحكومة الاتحادية اتباع سياسات ذكية تستهدف المجرمين الخطيرين وتمنع الأخطاء البيروقراطية. وعلى الكونجرس أن يركز على الصورة الأكبر، وهي أن المهاجرين (الشرعيين وغير الشرعيين) يرتكبون عدداً أقل من الجرائم المفضية للسجن، وهم في نهاية المطاف أكثر سلماً.

*محلل مختص بسياسة الهجرة في معهد كاتو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»