صحيفة الاتحاد

تقارير

الشيشان.. وتناقض الصورة

التناقض صارخ في الشيشان. فعلى قمة جبل، افتتح الرئيس رمضان قاديروف وطبقة مقربيه الكبيرة أول منتجع تزلج في البلاد في منطقة فيدوتشي ضمن أحد أكبر المشروعات التي تمثل الثراء والسلام الذي يقول الرجل القوي إن حكمه حققه للجمهورية الروسية. أما في سفح الجبل فقد وقف أيوب تيتيف البالغ من العمر 60 عاما، رئيس الفرع الإقليمي من منظمة حقوق الإنسان «ميموريال»، في قفص الاتهام في محكمة لاتهامه بحيازة مخدرات. وفوق الجبل كان الوزراء يشتكون من الافتقار إلى تساقط الجليد. أما عند سفح الجبل فقد سعي الأقارب إلى الحصول على علاج لأسنان تيتيف التي يشكو منها وانتظروا في البرد خارج قاعة المحكمة.
وعلى قمة الجبل لم يكن هناك الكثير من القلق من التقارير المستمرة منذ عام عن الاختفاء القسري والسجن دون محاكمة وإلصاق التهم لأسباب سياسية. والواقع أن عدم الاكتراث بكل هذا كان واضحاً. فقد صرح جامبولات عمروف، وهو وزير تختص حقيبته بشؤون السياسات القومية والعلاقات بوسائل الإعلام، أن السلطات في الشيشان «لا تريد تيتيف ولا أي من هذه القضايا غير المريحة بشأن دس المخدرات له. هناك مليون طريقة لإغلاق فم المرء. ودس المخدرات أو القتل ليس ضروريا».
لكن افتتاح أحدث مقصد لاجتذاب السياح في الشيشان يأتي في وقت غير ملائم. فقد أحاط بحكم قديروف المستمر منذ عقد مزاعم غربية بالتعذيب والعقوبات الجماعية، لكن التقارير التي تحدثت العام الماضي عن اعتقال وتعذيب أكثر من 100 رجل من المثليين جنسياً في الشيشان، أثارت غضبا واسعاً وأدت إلى مسعى متكتم لإبعاد هؤلاء الأشخاص عن المنطقة. وذكر نشطاء في الولايات المتحدة اشترطوا عدم نشر أسمائهم أنهم حشدوا الضغط منذ منتصف عام 2016 كي تفرض إدارة ترامب عقوبات على الشيشان، وضغطوا على «فيسبوك» أيضاً لكي تغلق حساب الرئيس الشيشاني على انستجرام الذي يتابعه بضعة ملايين. وذكر أحد النشطاء أن هناك رغبة قوية في إغلاق حساب قديروف على انستجرام الذي استغله كأداة أساسية لرسم صورة جيدة لنظام حكمه. وكان تيتيف يحقق في قضية أشارت إليها في بداية الأمر صحيفة «نوفايا جازيتا» التي ذكرت أن 27 شخصا قتلتهم قوات تنفيذ القانون قبل عام من افتتاح منتجع التزلج يوم الجمعة الماضي.
وعلى ما يبدو فإن الحكومة الشيشانية تستعد في الوقت الحالي لتحييد منظمة «ميموريال»، وهي آخر جماعة ترصد أوضاع حقوق الإنسان في الجمهورية الروسية. ويعتقد زملاء تيتيف الذي يرأس «ميموريال» في الشيشان منذ مقتل «ناتاليا ايستميروفيان» عام 2009، أن الرجل الذي له أطفال أربعة والمعلم السابق في مدرسة، لُفقت له قضية حيازة المخدرات كي يُلقى في غياهب السجن لمدة عشر سنوات. وصدرت أحكام بناءً على الإدانة بحيازة المخدرات ضد عدد من النشطاء والصحفيين ممن انتقدوا قاديروف منذ عام 2014. ومن بين هؤلاء الناشط رسلان كتاييف في عام 2014 والصحفي جالودي جيرييف في عام 2016، وكلاهما أعلن شكواه من تعرضه للتعذيب على أيدي الشرطة. وحين ظهر تيتيف أمام المحكمة كان يرتدي معطفا مغلقا حتى عنقه وكان يتحدث بصوت واهن. وتوقع الأصدقاء إدانته. ويرى أحد الأصدقاء الذي طلب ألا ينشر اسمه، لأسباب أمنية، أن المحاكمة معروفة النتائج سلفاً، ولا أمل في تغييرها.
وعلى قمة الجبل كان قاديروف يتقدم موكب سياراته، بينما تبعته نحو 800 شاحنة -بحسب التقارير- تحمل الثلوج إلى القمة. وازدان الاحتفال بمائدة طعام عامرة وطائفة من الأبطال الأولمبيين والمتطوعين الذين يتحدثون الإنجليزية. وعلى المسرح تحدث قاديروف إلى بضع مئات من الأشخاص. وحضرت الحفل شخصيات مهمة من الصفوة الشيشانية، من بينهم ماجومد قاديروف الابن الأكبر للرئيس الراحل أحمد قاديروف. وحين سئل ماجومد عن كيف تجتذب الشيشان المتزلجين رغم اشتهارها بعدم الاستقرار، قال: «لا تصدقوا الشائعات.. فالشيطان ليس أسود بالدرجة التي يُرسم بها».
وحث مسؤول عن العلاقات العامة في إدارة قاديروف الصحفيين الأجانب على أن يرسموا صورة إيجابية للشيشان التي دمرتها حربان وعانت من حركة تشدد دينية طويلة الأمد حتى أصبحت الآن آمنة ومزدهرة اقتصاديا. وعبر مسؤول العلاقات العامة عن أمله في أن يكتب الصحفيون عن خطط إقامة مضمار للتزلج بطول تسعة أميال، وفندق فخم يُفتتح في فبراير، وشاليهات، وتوفير تعليم مجاني لأطفال المنطقة، ومزايا أخرى ناتجة عن استثمار بقيمة 210 ملايين دولار في المنطقة، بحسب قول شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» لتقديم الخدمات. واُعتقل تيتيف في وقت مبكر من العام الجاري حين وجدت الشرطة 180 جراماً من الماريجوانا في سيارته. وذكرت شقيقات تيتيف أنه لا يدخن ولا يشرب الكحوليات. وأكد أحد أصدقائه أنه رجل شيشاني تقليدي للغاية لا يتعاطى المخدرات، وأن هذا أدى إلى نقاش حاد أحيانا بينه وبين زملائه أصحاب وجهات النظر الأكثر تحرراً. وذكرت تانيا لوكشينا، مديرة برنامج روسيا في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، أن تيتيف لم يهتم كثيرا بمسعى السلطات الشيشانية لإجبار النساء على ارتداء الحجاب، لاعتقاده بأن القضية ليست مهمة. وقد وجد صعوبة في أن يفهم السبب وراء التفات العالم فجأة إلى قضية المثليين جنسياً بينما وقف لسنوات دون أن يحرك ساكنا في الوقت الذي كانت تعتقل فيه الشرطة أشخاصاً أبرياء.

*مراسل «واشنطن بوست» في موسكو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»