لقد أكرم الله البشرية برسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، هذه الرسالة التي ختم الله بها الرسالات، وبها فضل الأمة الإسلامية وجعلها خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتؤمن بالله، هذه الأمة الإسلامية، التي تكونت بفضل الله تعالى، ثم بجهد النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين معه، حيث أتوا على أمة مبعثرة ممزقة تتبع الشرق والغرب، والفرس والروم عن طريق الغساسنة والمناذرة، فجمعهم ورتب صفوفهم وألف بين قلوبهم، وجعلهم خير الأمم بعد أن كانوا عباداً للصنم، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، هذه الأمة تملك طاقات متعددة ومختلفة، لو أحسنت استغلالها لكانت الرائدة كما كانت دائماً، من هذه الطاقات والقدرات: أولاً: القوة البشرية: وهي القوة العددية، حيث إن الأمة الإسلامية تملك من البشر ما يزيد على المليار وربع المليار من المسلمين المؤمنين بعقيدة التوحيد، منتشرين في قارات العالم الست، إن العبرة بالكيف لا بالكم، لكن الكم مهم أيضاً، لذلك نرى محاربة الغرب للمسلمين في نسلهم وفي عددهم، وفي ذلك يقول الله تعالى من باب الإنعام والفضل على المسلمين في سورة الأعراف {وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} (سورة الأعراف الآية 86). ثانياً: القوة المادية والاقتصادية: إن الأمة الإسلامية تملك من خيرات الله الشيء الكثير، تملك الأرض الخصبة في السهول والوديان، تملك الجبال والهضاب، تملك البحار والبحيرات والأنهار العظام، تملك العيون والآبار، تملك مخزوناً كبيراً من المياه الجوفية، حيث إن الحروب المقبلة ستكون على المياه، تملك معظم المعادن، التي يحتاجها العالم المعاصر، وتملك أكبر مخزون في العالم من النفط، كما أنها تملك أيضاً الأموال والسوق والعقول المفكرة والأيدي العاملة. ثالثاً: القوة الروحية: إن الأمة الإسلامية أمة ذات عقيدة واضحة، ندعو إليها ونحيى من أجلها ونلقى الله عليها، هذه العقيدة الصافية جاءت شاملة كاملة {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ تِبْيَاناً لّكُلّ شَيء} (سورة النحل الآية 89)، عقيدة تربي الأخلاق {وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ} (سورة القلم الآية 4)، عقيدة تقوم على الوسطية {وَكَذ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} (سورة البقرة الآية 143)، مع العلم أن العالم اليوم بحاجة إلى العقيدة الإسلامية لتأخذ بيده من الظلام إلى النور، ومن الخوف والضياع إلى الأمن والاستقرار، ومن الفساد الخلقي والاجتماعي إلى الأمن والأمان والحياة الكريمة الطيبة، لذلك يجب على الأمة الإسلامية أن تحسن استخدام هذه النعم في طاعة الله ورسوله وأن تتعاون فيما بينها، لأنه لا مكان في هذا العالم للضعفاء ولا للمتفرقين ولا للمتنازعين. إن الأمة الإسلامية أمة عظيمة، فهي تضم ملتقى القارات ومنبع الحضارات ومهبط الرسالات وقد خصها الله بميزتين: الخيرية: فهي خير الأمم ما اعتصمت بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} (سورة آل عمران الآية 110) الوسطية: والوسطية هنا ليست النقطة بين طرفين، لكنها الخيار والأفضل {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (سورة البقرة الآية 143)، ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى في سورة القلم {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ} (سورة القلم الآية 28) ومعناها قال خيارهم، وفي الحديث (الفردوس وسط الجنة) وهي أعلاها مرتبة. هذه الأمة التي كانت الرائدة دائماً، وطأطأ لها الشرق والغرب إجلالاً و احتراماً، ما بالها أصبحت اليوم في العالم الثالث في الدول النامية؟!، ولو كان هناك عالم عاشر ومائة لكانت فيه، مع العلم أن رسولنا- صلى الله عليه وسلم- قد حذر المسلمين من مؤامرة دولية ضد الإسلام والمسلمين تتداعى فيها قوى العالم ضد المسلمين، الذين أصبحوا لقمة سائغة لكل طامع، والواقع يقول بذلك، حيث اجتمع علينا الشرق والغرب واليمين واليسار لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: إنكم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل وليقذفن الله في قلوبكم الوهن قلنا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)(أخرجه أبو داود). إن ما يحدث من مؤامرات دولية في هذه الأيام ضد العالمين العربي والإسلامي ليس عنا ببعيد، حيث نرى ما يجري في السودان الشقيق من تقسيم لأرضه وشعبه، ونهب لثرواته، وتمزيق لوحدته، مع أن السودان كان دائماً بلداً واحداً موحداً عبر تاريخه الطويل. إننا نؤكد هنا أهمية وحدة السودان الشقيق، حيث يحرم شرعاً التصويت لصالح انفصال جنوب السودان عن شماله، لأن الاستعمار يخطط لهذا العمل منذ سنوات طويلة، فيجب على الجميع العمل على إفشال مخطط الانفصال، كما يجب تضافر الجهود المخلصة للمحافظة على وحدة السودان الشقيق. إن هذه المخططات الإجرامية تهدف إلى تفتيت الأمتين العربية والإسلامية وجعلها دويلات ضعيفة متفرقة. إننا نشيد بالتجربة الناجحة لدولة الإمارات العربية المتحدة في جمع شمل الإمارات تحت راية واحدة، عنوانها الحب والإخاء والمودة والصفاء، فهل نستفيد من هذه التجربة لتكون مقدمة لوحدة الأمة العربية والإسلامية على أسس سليمة. إن وحدة المسلمين وتضامنهم عمل يمثل قطب الرحى، ويمثل طوق النجاة لسفينة المسلمين، فالمسلمون لن ترتفع لهم راية، ولن يستقيم لهم أمر، ما لم يكونوا متضامنين مجتمعين على كلمة واحدة، فقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم على أمة ممزقة مبعثرة فجمعها ووحد كلمتها، ثم جمع العرب والمسلمين على اختلاف أوطانهم وجعلهم أمة واحدة بعد أن كانت الحروب مستعرة بينهم وصهرهم جميعاً في بوتقة الإسلام، وجمع بين أبي بكر القرشي الأبيض، وبلال الحبشي الأسود، وصهيب الرومي وسلمان الفارسي جعلهم أخوة متحابين بعد إن كانوا أعداء متخاصمين، كما ورد في قوله تعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (سورة آل عمران الآية 130)، كما وأزال ما بين الأوس والخزرج من خلاف، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأصبح المسلمون بفضل الله كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وقد بين عليه الصلاة والسلام ذلك بقوله : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم»( أخرجه ابن ماجة) . والله سبحانه وتعالى يرشد إلى ذلك بقوله: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (سورة المؤمنون الآية 52)، وفي آية أخرى يقول: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (سورة الأنبياء الآية 92) . إن أمتنا الإسلامية كانت خير الأمم، لأنها كانت أمة متآخية كل التآخي، متعاونة على البر والتقوى، متحدة في أهدافها وغاياتها، معتصمة بحبل ربها، قلوبها متآلفة، وصدورها متصافية، وكلمتها مجتمعة، التراحم قائم والتسامح موجود، وحب الخير يملأ كل قلب ونفس. وبذلك تبوأت أمتنا أعلى مراتب العز والشرف، وكانت لها السيادة والقيادة على شعوب الأرض قاطبة، فأقامت موازين القسط والعدالة والمساواة بين الناس، ونشرت في ربوع الدنيا رسالة الإسلام، ومبادئ القرآن. أملنا أن تبقى أمتنا العربية والإسلامية واحدة موحدة إن شاء الله. الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك www.yousefsalama.com