الاتحاد

ثقافة

مريم جمعة فرج.. انحياز مطلق للإنسان

 مريم جمعة فرج قدمت للقراء ملمحاً سردياً مكثفاً وبوحاً ذاتياً متوهجاً وساطعاً

مريم جمعة فرج قدمت للقراء ملمحاً سردياً مكثفاً وبوحاً ذاتياً متوهجاً وساطعاً

فقدت الساحة الثقافية في الإمارات قبل أيام، الكاتبة والقاصة مريم جمعة فرج، وهو فقدان يتأسس على مرارات وخسارات لها ما يبررها من تراجع وخفوت لمشاريع إبداعية حقيقية في المكان، مشاريع وإرهاصات كان لها صدى خاص، وحضور فاتن، وطموح متوثّب، خصوصاً في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي عندما كان المشهد الثقافي المحلي فائراً ومحتدماً وحيوياً وزاخراً بالأصوات النسائية الواعدة والمبشّرة والفاعلة، وغياب مريم جمعة فرج فيه قطع أيضاً لامتدادات حالمة ومشفوعة برغبة قوية في التحقّق، استناداً إلى ما حمله مشروعها الإبداعي والفكري من وعود وإضاءات، ارتكزت منذ شرارتها الأولى على توجه مغاير للسائد والمكرر والتقليدي، وعلى انحياز مطلق للإنسان، في الأبعاد المتعددة لقضاياه وأحلامه وهمومه، بدءاً من الأرض التي احتضنته، ووصولاً إلى أفق وجودي رحب ومنشغل بالتراجيديا البشرية وكيفية تجاوزها، انطلاقاً من صميم التجربة الذاتية للكاتب في مديات وحقول الإبداع المختلفة، في الشعر والنثر والقصة والرواية والفلسفة والترجمة والنقد وغيرها من الأنساق الأدبية والتعبيرية الطامحة لإطفاء جذوة الألم، ولهيب الشقاء، وحرائق التمزقات الفكرية والتباينات الثقافية في عالمنا المضطرب.
قذفت مريم جمعة فرج حجراً مضيئاً في ماء الكتابة منذ تشكل وعيها المبكر والناضج بأهمية الكلمة وتأثيرها، ومنذ اهتمامها الجدّي والملتزم بإشكالات وقضايا تتعلق بتحولات الزمان والمكان، وموقع النسيج السكاني المحلي، وسط هذه التحولات والانعطافات والتبدلات والتي كان بعضها جارفاً وصادماً في سمته الخارجي، ومحيّراً ومربكاً بالنسبة لرؤية المثقف المتصدي وحيداً لرياح التغيير وقلق المرحلة.

أسئلة المكان والبيئة
وضعت مريم جمعة فرج كتلة الأسئلة الضخمة والمتشعبة لأسئلة المكان والبيئة المحلية تحت مجهر الكتابة الفاحصة، وداخل مختبرها الإبداعي ذي الخصوصية النوستالجية والتأملية، وقدمت للقراء والمتابعين والنقاد ملمحاً سردياً مكثفاً، وبوحاً ذاتياً متوهجاً وساطعاً، عززته بنتاج قصصي ضالع في النبش والاستقصاء والكشف عن آليات البؤس والقهر والانسحاق في معركة الحياة الطاحنة للذين عانوا من التهميش والاغتراب والاستلاب الاجتماعي، سواء في الجانب المادي الملموس أو في الجانب النفسي الافتراضي.
وكما تشير مريم، فإن سيرتها المتشكلة في مخاضات الطفولة والسفر والتنقلات المرهقة بالنسبة لعائلتها والمدهشة بالنسبة لها بين الإمارات والكويت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كان لها الأثر القوي والمباشر في اقتناصها للتفاصيل البصرية، ولجوئها للحنين كترياق ضد الوجع الذاتي والألم الشخصي، وسط الظروف الخاصة والقاهرة التي حاصرتها في السنوات الأخيرة، وعطّلت تواصلها مع الكتابة الأدبية والترجمة، خصوصاً بعد مرض والدتها ورحيلها، ثم مرض والدها الذي اختطفه الموت سريعاً، وأخيراً مرضها الشخصي الذي أسكنها العزلة وخلق حاجزاً سميكاً بينها وبين الحراك الثقافي خارج جدران هذه العزلة، قبل أن تغادرنا نحو مجهولها الغامض والمتلاشي، حدّ المحو الضاري، والانكفاء المطلق.
تؤكد مريم أن ارتباطها بالقصة القصيرة كان انعكاساً لميراث «الخروّفة الشعبية» عندما كانت والدتها ترويها على مسامعها وهي ما زالت طفلة تتلمس حدود عالم مريب ومبهم، بقدر ما كان مربكاً، بقدر ما كان مكتنزاً بمفاجآت مفرحة من الفضول والاكتشاف والوعي بقيمة الأشياء، وبمتعة القصص، وبجماليات الروي، وهيبة وحضور الشخصيات المتحكمة بنسيج هذه القصص.
راكمت مريم خبراتها الشخصية والمعرفية والبصرية بعد مرافقتها للعائلة في الكويت أثناء عمل والدها في السفن التجارية النفطية، فتضامنت مع أحوال البحر وتقلباته، وراقبته في مده وجزره، وفي هياجه وسكونه، واختبرت معنى الاغتراب والهجرة المؤقتة، وعاينت وجوهاً وشخوصاً وقصصاً حقيقية لأناس قهروا ظروفهم، وآخرين قهرتهم الظروف، وكانت هذه الحالات والشواهد والمكابدات الروحية هي بضاعة مريم جمعة فرج الزاخرة والمتخمة بآلام وأحلام، وانكسارات وتطلعات ترجمتها لاحقاً في قصصها القصيرة، وبمناخ سردي يجمع بين الواقعي والتجريدي، وبين التوثيقي والميتافوري.
تقول مريم في وصفها لتأثير والدها عليها بعد عودتهم من الكويت إلى دبي: «كان والدي متعلماً، تربى في بيت المرحوم أحمد بن دلموك، مؤسس المدرسة الأحمدية بدبي، وتعلم هناك، وكنت مبهورة بخطه الجميل وقراءته الجميلة للقرآن الكريم، ومكتبته الصغيرة التي كانت تضم مجموعة من الكتب الدينية وأغلبها في فقه الإمام مالك. في تلك الفترة انتبه والدي إلى تفوقي في المرحلة الابتدائية وفضولي خاصة تجاه مكتبته، فأعطاني كتاب قصص الأنبياء وطلب مني قراءته وإبداء رأيي فيه، ما جعلني أعيش في أجواء الكتاب فترة طويلة، وداومت عليه وقرأته أكثر من مرة، وفتح لدي أفقاً في القراءة والكتابة والمعرفة، حتى أنني صرت حريصةً على إبداء رأيي والنقاش مع والدي في أمور الحياة».
لا شك أن في داخل تلك المكتبة الصغيرة التي داومت عليها مريم فرج، انطوى العالم الأكبر التي حولته القراءات الآنية واللاحقة إلى محيط هادر من الرؤى، وبحر متلاطم من التصاوير، والمعارف اللغوية، والنشوات الذهنية التي ظهر أثرها واضحاً في تجربتها القصصية الأولى والتي أصدرتها في مجموعة حملت عنوان «نشيد» في العام 1987 وبمشاركة الكاتبتين سلمى مطر سيف، وأمينة بو شهاب، وعنوان: «نشيد» يحمل مدلولاً لغوياً يشير إلى البوح الأنثوي وسط هواجس ومماحكات وجدل اجتماعي وثقافي فرضته ظروف الحياة الجديدة في المكان، وموقع المرأة تحديداً في السياق المتأرجح بين الشكل الماضوي، وبين الطموح المستقبلي.

انتماء مخلص للسردية
في العام 1988 قدمت مريم فرج مجموعتها المستقلة بعنوان: «فيروز» لتكشف عن موهبة قصصية ذات ثقل وانتماء مخلص للسردية المتجاوزة، والمغايرة، والتي يتحول فيها الزمن إلى سيرورة ممتدة ومتحكمة بالمكان وبالشخصيات، بحيث تصير الإحالة الرمزية هي عصب وقوام القصة، ما يجعلها قصة مفتوحة على التأويل وإثارة الأسئلة، بدل أن تكون خاضعة للتراتبية المعهودة، من بداية وحبكة وختام، وتشي نهايات قصص مريم جمعة بامتدادها في حياتنا العامة وذاكرتنا المشتركة ووجودنا المترافق مع قضايا وظواهر محيطة بنا ونتلمسها، ولكنها بحاجة لمن يدير زواياها ويحللها ويخترق قشرتها ويعيد قراءتها بعمق ونفاذية وشغف وانجذاب، وهذا ما فعلته مريم جمعة بامتياز، في مجموعة «فيروز» وفي مجموعتها القصصية التالية بعنوان: «ماء» والتي أصدرتها في العام 1994.
تنتمي مريم جمعة فرج لجيل عاصر مرحلتين متباينتين توزعتا بين المضمون التراثي المتجذر في اللاوعي والمقيم في الذاكرة الجمعية المحلية، وبين الشكل الحداثي الذي فرض شروطه ومقاييسه الجديدة، وكان لا بد لهذا الجيل أن يمتص أثر الصدمة، وأن يخلق المساحة المتوازنة بين نداء الأصالة وإغواء التيارات المعاصرة، فكان التجريب في الشكل الإبداعي هو المنفذ والمعبر الذي لجأ إليه هذا الجيل ضمن قوس واسع من الكتابات القصصية المتمحورة بشكل واضح حول المكانة الاجتماعية للمرأة، وحول دورها المنتظر في صنع التغيير، وفي مشاركة الرجل من أجل تنمية مستدامة فكرياً وثقافياً وسط النشأة الجديدة والناهضة لبنية المكان، ووسط الرغبة الحثيثة في التطور التدريجي والمتأني وغير المنسلخ عن الهوية وعن البيئة الحاضنة لهذه الهوية، ونذكر من المبدعات الإماراتيات التي عاصرتهن مريم جمعة في هذه المرحلة المهمة في تاريخ الثقافة المحلية، كل من: سلمى مطر سيف، أمينة بوشهاب، شيخة الناخي، عائشة الزعابي، عائشة عبد الله، عائشة الكعبي، مريم سعيد المري، سارة الجروان، وليلى أحمد وسعاد العريمي، وفاطمة محمد.
تميزت قصص مريم جمعة وسط الأصوات النسوية الأخرى بالاستئناس للطابع السحري والتوليف الشعري المهتم بالبلاغة وجماليات اللغة، من أجل اختراق القالب الانطباعي والتوثيقي الصرف للقصة التقليدية التي نشأت في الإمارات في ستينيات القرن الماضي، والتي تأثرت بنتاجات قصصية عربية ظلت أسيرة لشكلها التوثيقي، دون الخوض في التساؤلات الوجودية ودون البحث عن استقلالية في الرؤية والاكتشاف والمغامرة خارج إطار الحدود المتعارفة والقياسية لبنية القصة القصيرة، انغمست مريم جمعة في فضاء التجريب وكانت هي وسلمى مطر سيف من أوائل الكاتبات اللاتي قدمن الواقعية السحرية المحلية في سياقها المدهش واللصيق بدواخل الشخصيات وتوقها نحو التحرر والتعبير الحر عن أسرارها وجموحها المتجاوز للتابوهات والقيود الاجتماعية الضاغطة.

أنطولوجيا مشتركة
في الضفة الأخرى من سيرتها الثقافية والإبداعية الوافرة، اهتمت مريم جمعة بالحكاية الشعبية وما تحتويه من جذور ممتدة ومتداخلة مع ثقافات أخرى، وبما يمكن أن يصبح كينونة وأنطولوجيا مشتركة بين سرديات بعيدة ومبعثرة، ولكنها التقت من خلال هجرة القصص من خلال الرواة والحكواتية المرتحلين في أصقاع الأرض، وبما يشكل في النهاية الخريطة الذهنية المتداخلة للتوق الإنساني نحو ما هو غرائبي وأسطوري وملحمي في تاريخ التطور البشري وارتحالاته العظيمة ومغامراته الماتعة لاكتشاف المجهول وتخطي الخوف من المستقبل، ووثقت مريم جمعة هذه الصلات الخفية بين قصص الشعوب المختلفة في كتابها: «الذاكرة الشعبية في دولة الإمارات: مقاربة بين المحلية والعالمية».
كما اهتمت مريم جمعة بالترجمة، واعتبرته مشروعاً آخر كبيراً بجانب مشروعها الأدبي الحميمي وهو كتابة القصة القصيرة، واستندت مريم إلى دراستها للغة الإنجليزية في جامعة بغداد واستكمالها بالماجستير في بريطانيا، لتدخل العالم الواسع والمتشعب للترجمة كنافذة معرفية تتطلع من خلالها على التجارب الأدبية الكبرى لنساء استثنائيات تابعت نضالهن الشخصي، وأجرت مع بعضهن حوارات مباشرة، ووثقت جهدها الثقافي هذا في كتاب بعنوان: «امرأة استثنائية» أصدرته في العام 2003، وكتبت عنه في تقديمها له: «يرتبط العمل في هذا الكتاب ببعدين: الأول هو الترجمة كأداة في حد ذاتها، والترجمة كأداة تحتمل ثنائية الإبداع وإعادة صياغة الإبداع من منظور يتصل بالكشف عن جوهره الأساسي. والثاني يهدف إلى تسليط الضوء على جزئية مهمة في سياق الإبداع النسائي تتعلق بالمرأة والكتابة من حيث الخصوصية الشخصية والخصوصية الشاملة ذات الصلة بعلاقتها بما يمكن أن نسميه أدب الأقليات».
وقدمت مريم في كتابها ما يزيد على خمس وعشرين امرأة استثنائيات في إبداعهن النسائي وحضورهن على الساحة الثقافية العالمية على مستوى الكتابة والجوائز وبخاصة جائزة نوبل للأدب، ومن تلك النماذج أول من كتبت الرواية في العالم، وهي اليابانية «شيكيبو موراساكي»، صاحبة رواية «حكاية جينجي» التي ألفتها في القرن الحادي عشر الميلادي، وهناك أيضاً وفي نفس تلك الفترة الروائية «ساي تشيناغون» صاحبة رواية «الوسادة»، وتستحضر مريم في الكتاب الروائية البريطانية «دوريس ليسنغ» التي قدمت للمكتبة العالمية نحو 30 رواية، من أهمها «الشقوق»، كما يتضمن الكتاب حوارات مريم جمعة فرج مع مبدعات وضعن بصمة راسخة في الأدب النسوي، مثل الكاتبة البريطانية «نادين غورديمر» والكاتبة التشيلية «إيزابيل الليندي»، إضافة إلى ما تضمنه الكتاب من ترجمة لمتابعات نقدية، وقراءات تحليلية لأعمال روائية وقصصية لكل من: توني موريسون، وماريا انجيلو، وكيا كورثون، وفاليري مارتن، وأولغا توكار.

اقرأ أيضا

«بيبي فاطمة وأبناء الملك» في جلسة حوارية بـ «كتّاب الشارقة»