الاتحاد

ثقافة

«أبو الفنون» في ظلّ الاتحاد

المسرح تواصل فنيّ وحضاريّ

المسرح تواصل فنيّ وحضاريّ

لا شكّ أنّ الدول الطموحة، والأمم الحيّة، والشعوب الرَّخيّة، في فكرها ومنظورها المستقبلي، وقبل أن تهتمّ بالتقدّم العمراني والبناء الاقتصاديّ، تضع في اعتبارها أنّ الثقافة عاملٌ مهم في تطوير هذه القطاعات، بوصفها تتغلغل في كلّ القطاعات، ولا يمكن أن يُنظر إليها عنصراً ترفيّاً أو على الهامش، لأنّ رهان تقدّم الأمم والدول والشعوب إنّما هو في المقام الأول رهانٌ على الفعل الثقافي الذي يشتمل على كثير من المفردات، حتى أسلوب العيش والتعاطي مع الآخر والانفتاح وقراءة الهويّة الجمعيّة بين الهويّات العالميّة، والتعبير عن كلّ ذلك بالفنون والآداب والفكر وتقديم المُكتسب التراثي والمنجز الوطنيّ بخطاب ثقافي واضح ومدعوم ولا يمكن التنازل عنه أو اعتباره أدّى مهمّته في فترةٍ ما، فيتوقّف بعد ذلك عن الاستخدام.
وقد انتبهت الدولة إلى ذلك مبكّراً منذ قيام الاتحاد بين إماراتها السبع عام 1971، فكان أن بدأت بواكير الفعل الثقافيّ في الفنون: المسرح، والموسيقى، والغناء، والدراما التلفزيونية والسينمائيّة، والفنون التشكيليّة، وفي الآداب: الشعر، والقصّة، والرواية، وكل أنواع الكتابة الإبداعيّة، مثلما اهتمّت بالفلسفة والتاريخ والتأريخ لحضورها الجغرافيّ على خريطة العطاء الإنسانيّ، بل ودَعَتْ إلى النهوض بالتراث الهائل الذي تحمله والذي يمتاز بالتنوّع والغزارة والتكامل والخصوصيّات التي تعطي قوّةً وتأكيداً للتكامل والبناء والإنجاز.
ويبدو المسرح عنصراً فنيّاً حضاريّاً ومهمّاً، وهو وإن جاء لاحقاً لعناصر الشعر وأسلوب الحياة الثقافي في الإمارات، كعنصرين أصيلين، فإنّه- المسرح- وجد بيئةً مواتيةً لأن يزدهر ويحمل فكر الدولة ورؤيتها الحضاريّة، وفي الوقت ذاته يحمل الهموم المجتمعيّة والقضايا الإنسانيّة، ويسهم في بثّ رؤية الدولة برسالة التنوير، فاستثمار المسرح «أبو الفنون» هو استثمارٌ ناجح كان مهاده الأوّل في بداية مرحلة الاتحاد، ليُكلَّلَ اليوم فعلاً مؤسسياً له أصول وقواعد وأركان.
ومما يجدر أن نضعه بعين الاعتبار، ونحن نتحدث عن مسيرة المسرح في ظلّ الاتحاد، أنّه لقي دعماً، ليس ماديّاً فقط، وإنّما على شكل توسيع ثيمة الأعمال المعروضة، واحترام فلسفة المسرح العالميّ في أنّه حاضنة قويّة لكلّ قضايا الإنسان والسياسة والكينونة والوجود والشعور مع الآخر في ما يعانيه، وكم بسط المسرح الإماراتيّ من قضايا مهمّة كان لها صداها الإنساني والعالمي، وفي ذلك شواهد كثيرة لأعمال قويّة، لم تكن فقط لتنقل هذا البوح على الخشبة، بل لقد كان مسرح الدولة، في كلّ إماراتها، ميداناً أو مضماراً للدفاع عن الأرض وترسيخ فكرها الداعي إلى الوحدة والنهوض بالمجتمع وحماية الدولة والمحافظة على خيراتها لبناء دولة متينة ومتطورة.

صورة حياة جديدة
لقد اعتمدت الدولة المسرح كوسيلة فعالة للوحدة، ومعالجة القضايا المحلية، واهتمت وزارة الثقافة والإعلام بالمسرح في الفترة التي تلت ميلاد الاتحاد فجاءت بالخبراء وابتعثت الطلاب ونظمت الأنشطة المسرحية في كل مكان، وزاد الاهتمام بتقنيات العرض المسرحي وبالكتابة والجمهور، وعاد الإماراتيون المبتعثون لدراسة المسرح ليأخذوا دورهم، من خلال تقديم عروض نوعية بدأت بالواقعية التصويرية وتجاوزت الكلاسيكية واهتمت بالواقع الاجتماعي والوطني والقومي منذ منتصف التسعينات، وعملت باتجاهين متوازيين: الأول إرضاء المتلقي وإقناعه، والثاني مواكبة الحداثة والتجريب. وأصبح المسرح في الإمارات، بعد قيام الاتحاد مفتاحاً لحياة جديدة، تحمل فيها الفنانون الرواد، الكثير من المعاناة والمسؤولية. وأيضا الرائدات المسرحيات اللاتي تحملن أعباء المشاركة في إيقاد جذوة تمدده وحيوية دوره المجتمعي الشامل ليطال مختلف القضايا.
وكان لتطور المجتمع الإماراتي الفكري والثقافي دوره في انتشار المسرح وازدهاره. فالمجتمع الإماراتي شهد تطورات ثقافية وفكرية منذ بداية الاتحاد كان من أهمها تطور الإعلام المرئي والمقروء وتأسيس المؤسسات الثقافية النوعية والمتخصصة، وإقامة الندوات والصالونات الفكرية والأدبية التي ناقشت أهم مظاهر تطور الثقافة في العالم العربي والغربي ومن بينها الفن بصفة عامة والمسرح بصفة خاصة لدورة في عرض قضايا المجتمع المختلفة ومحاولة حلها والتوثيق لها.
إنّ من يتصفّح هذا العمل المؤسسي الذي أولته الإمارات للمسرح في مهرجانات تتنوّع حتى في مسرح الطفل والكبار والفرجة والمسرح الخليجي والعربي والصحراوي، ومهرجان مسرح الشباب.. وغير ذلك من تصنيفات تنبثق عن رؤية واثقة للمّ كلّ هذا الكم الإبداعي... يجد أنّ البدايات أو الإرهاصات كانت الشرارة الإبداعيّة المبكّرة لهذا الجهد الجمعي والإفادة على مستوى الدولة والعرب والعالم، وهي شرارة لا يمكن أن تخبو أو تنطفئ، لأنّ القرار الثقافي المدعوم بقرار سياسي أو توجّه دولة قد وسّع من هذه الحواضن المؤسسية والبيئات المسرحيّة التي تأكّدت في مسارح وطنيّة، مثل مسرح أبوظبي الوطني، ومسرح دبي الأهلي، وأيام الشارقة المسرحية، والهيئة العربيّة للمسرح، وجمعية المسرحيين، ومسرح دبا الفجيرة، ومسرح عجمان الوطني، ومسرح رأس الخيمة الوطني، ومسرح أم القيوين الوطني،.. وهي مؤسسات فاعلة ومتأججة بالفعل المسرحي، أسهمت بأن احتفت بالروّاد المسرحيين في الإمارات، مثلما اهتمّت بخلق جيل ناشط ومبدع في هذا المجال، واستضافة تظاهرات مسرحيّة عربيّة وعالميّة، ما أسهم في ألا تقف هذه الحركة عند حدود الاستضافة أو التنافس، بل إنّ الإمارات يصدق عليها قول النقاد العرب في أنّها أصبحت مركز إشعاع ثقافي ومعرفي وأدبي وفنّي، وتهتمّ كثيراً بتوفير كلّ المتطلبات الضرورية لصناعة المسرح، فضلاً عن باقي ألوان الفن الحضاريّة الأخرى، كالتشكيل والموسيقى والسينما وباقي المفردات الإبداعيّة ذات العلاقة.

دعم المسرح العربي
يُحسب للإمارات أنّها تشكّل داعماً حقيقيّاً ينهض بتقدّم المسرح العربيّ الذي يعاني ظروفاً ماليّةً عصيبةً، قد تجعله ينأى عن الدور المنوط به، إذ تجيء المبادرات الثقافيّة للشارقة على سبيل المثال هدفاً قويّاً لأن تواصل المسارح العربيّة دورها، من خلال الهيئة العربيّة للمسرح، في إقامة مهرجانات عربيّة في كلّ البلاد العربيّة، تحت دورات متتالية ومنتظمة، بحيث تنسّق لهذا الفعل الإبداعيّ، دون أن تتدخّل في التوليفة الإداريّة أو الإبداعيّة للمشاركين، بل تكتفي بدور الإشراف العام أو التنسيق لدورات فاعلة أسهمت في تقديم العديد من الأسماء اللامعة في مهرجانات المسرح العربيّة. في ذات الإطار تأتي جائزة الشارقة للإبداع المسرحي العربي، للاحتفاء بالأسماء الرائدة التي أسهمت في تثبيت وتدعيم تجربة «أبو الفنون» ففي كل دورة من دوراتها تحتفي بشخصية محلية مكرمة أثرت المسرح المحلي، إضافة إلى الاحتفاء بفنان من رواد المسرح العربي. كما يأتي ملتقى الشارقة لأوائل المسرح العربي كمنصة هامة تهتم بدعم الحركة المسرحية وتطويرها ورفدها بالمواهب الشابة.
وإذا كان المسرح الإماراتي، في فترة ما قبل الاتحاد، قد مرّ بفترات مبشّرة أو قدّم جهوداً طيّبة في مسرح تلتهب خشبته بالقضايا العربيّة ومناصرة القضايا القوميّة الساخنة، في بدايات النضال العربيّ، فإنّ مرحلة الاتحاد قد جمعت هذه الجهود ووجهتها عبر المجلس الأعلى للاتحاد ورؤية حكام الإمارات وإيمانهم بالمسرح وسيلةً ملائمةً وذكيّةً في إشهار خطاب الدولة، ولذلك فإنّ هذا التأسيس على الحسّ الوطني والعروبيّ الصادق للإمارات جاء قويّاً ومتخصصاً وعن رؤية شاملة وتنافسيّة في تحقيق هذا الهدف الأسمى للنضوج المسرحي الذي هو جزءٌ من حالة النضوج الثقافيّ التي شهدتها الإمارات وبنت عليها وأصبحت يشار إليها بالبنان في هذا المجال.
ويحيلنا المسرح التاريخي والإنسانيّ بين الأمس واليوم إلى ما يؤكّد هذا التواصل وعدم انقطاع الرؤية الثقافية والفنيّة، فمن يقرأ سيرة «سرد الذّات» على سبيل المثال، لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، يدرك مبررات هذا المشروع الأصيل في نفسه، سواءً عند تداول مسرحيّاتٍ شارك هو بنفسه فيها أو شهد عليها في مرحلة الطفولة أو في ما بعد، لأنّ مسرحيّةً قديمةً تتحدّث عن فلسطين بعنوان «المروءة المقنّعة» في خمسينات القرن الماضي، وأعمال أخرى، تُستنسخ اليوم على هيئة مسرحيّات تتخذ الروح ذاتها ولكنّها تتكامل بالتقنيات، ففي أرشيف حاكم الشارقة ما يجعلنا بين زمنين، زمن ما قبل الاتحاد وما بعده، ولنا أن نشير في فترة ما بعد الاتحاد إلى مسرحيّة: «شمشون الجبار»، التي كتبها «القاسمي» وتحمل الفكرة ذاتها في قراءة التاريخ أو تزييفه والانتصاف الحضاريّ للفلسطينيين،.. ومثل هذه الثيمة، توخّت أعمال القاسمي أيضاً مسائل حضاريّة غاية في الدقّة، مثل مسرحيّة «كتاب الله: الصراع بين النور والظلام»، وهي مسرحيّة تتناول الصراع بين النور والظلام وقراءة الواقع وإظهار سماحة الإسلام وقبوله الآخر واحترامه للتنوّع الإنسانيّ، ويتصل بهذا العنوان عنوان آخر هو «داعش والغبراء» المسرحية التي كتبها القاسمي كإدانة للعنف عبر التاريخ.
ولا بدّ أنّ صناع العمل المسرحي الإماراتي ورواده يحظون من لدن الدولة بتكريمٍ واحترام لما قدّموه، باعتبارهم شاهدين على مرحلة البدايات، ولذلك نجد هذا العرفان في أكثر من إمارة، في لقاءات حيّة أو تفاعليّة وحواريّة مع الشباب، لإفادتهم واستذكار التحديات التي تمّ تجاوزها قبل فرحة الاتحاد، ليكون هؤلاء المبدعون أيقونات مضيئة في سماء هذا الفن الإبداعي المهم في الإمارات، فالقائمة تطول في تبيان ما قدّموه للوطن والناس في فترات زمنيّة كان يتوفّر فيها القليل والقليل جداً من مبررات البقاء أو الاستمرار في مجال المسرح.

الجدية والطاقات الإبداعية
تحظى الثيمة المسرحيّة الإماراتيّة المتنافسة أو المشاركة في مهرجانات المسرح العربيّة بالاحترام والتقدير، وذلك لأنّ الدولة تكون، وفي كلّ مشاركة، مهتمّة جداً بإظهار الجديّة التامّة في العمل المسرحي المؤطّر فنيّاً والمكتمل لشروطه الفنيّة والثقافية وأسئلته الذكيّة في أكثر من مجال، مثلما تولي تدريب الكادر التمثيلي أو الأدائي أكبر الاهتمام، ليس لقطف الجوائز فقط، بل لنشر خطاب الدولة الإنساني المتماهي والمنسجم مع خطاب الأفراد وكتّاب النصوص، لدرجة أنّ العلاقة بين كاتب النصّ والمؤسسة الثقافية التي تحتضن هذا النص هي علاقة حميمة، فلا مسافة بينهما، من حيث احترام النصّ الإنساني، أو السؤال المجتمعي، أو الهمّ الذاتي الذي يبثّه الفنان على خشبة المسرح، بطاقة إبداعيّة وفهم عميق لأن يكون السؤال الإنسانيّ حاضراً على الدوام في العمل الإماراتي، ولذلك تبلغ الأعمال الإماراتيّة الصدارة عادةً أو في الطليعة من الأعمال المشاركة في أكثر من مهرجان.
إنّ لدى الإمارات في الواقع ما تقدّمه على خشبة المسرح للعرب والعالم، سواءً في استعادة فترة التحدّيات التي عانت منها الإمارات قبل مرحلة الاتحاد، أو بثّ خطابها ضمن شروط إبداعيّة وتقنيات مسرحيّة، في العدالة والمساواة والعروبة واحترام حقوق الإنسان، فالاستعمار الذي عانت منه في ما مضى كفيل بأن يخلق لها كثيراً من الثّيم الحقيقيّة في تصميم الإنسان الإماراتي ومقارعة الدخلاء والدفاع عن الوطن، كما أنّ ما يتعرّض له العالم العربيّ والإسلامي اليوم بات ملحّاً أيضاً وشهيّاً لأن تتم مسْرَحَتُه والعمل عليه إبداعاً، إذا ما أضفنا إلى هذا وذاك أنّ خطاب العنف قد استشرى في كثيرٍ من الأصقاع، وأنّ طغيان الجانب الماديّ على العالم قد أجّل الفرحة الإنسانيّة في كثير من المواضع، وكلّ ذلك عالجه المسرح الإماراتي باحتراف موضوعي على أكثر من صعيد. كما أنّ خطاب السلام في هذا العصر الماديّ أصبح من الضرورة بمكان أن يتمّ الالتفات إليه في ظلّ القتل والتشريد وصراع المذهبيات في غير مكانٍ في العالم، وعلى هذا فإنّ توفّر المواضيع والأفكار داخل عالم يغلي يُعدّ من أهمّ مصادر كتابة النصّ المسرحي، خصوصاً عندما تتوفر الرؤية الواثقة بالإصلاح المجتمعيّ أو النقد الإنسانيّ عن طريق المسرح.
وتظلّ الإمارات نقطة التقاء عربيٍّ وإنسانيٍّ ثقافيٍّ، بكلّ مكوناتها المؤسسية وطاقاتها الإبداعيّة ومسارحها المدرسيّة والجامعيّة والإبداعيّة التطبيقيّة، من حيث التجهيزات التي تتبع كلّ معايير الجودة المناسبة للعروض، ومن حيث جيل متعلّم ومثقف يبني على ما أسسه الرواد ويجدد فيه نحو مجتمع واعٍ، لدرجة أنّ المسرح، وبما يشتمل عليه من فنون وآداب متنوعة، استطاع أن يصل إلى الجمهور غير المتخصص من خلال مسرح الفرجة، نحو ثقافة مسرحيّة وتأثير إبداعي عبر مواقع الناس في الساحات والمتنزهات والأماكن العامّة وفي كلّ مكان، فضلاً عن التظاهرات المؤسسية والمهرجانيّة والنشاطات الهادفة اليوميّة والمستمرة على أكثر من صعيد.

اقرأ أيضا