الاتحاد

ثقافة

الكتابة بوهج.. الرحيل بصمت

 مريم جمعة فرج قدمت للقراء ملمحاً سردياً مكثفاً وبوحاً ذاتياً متوهجاً وساطعاً

مريم جمعة فرج قدمت للقراء ملمحاً سردياً مكثفاً وبوحاً ذاتياً متوهجاً وساطعاً

 رحلت الأديبة الإماراتية القاصة مريم جمعة فرج، مساء الاثنين الماضي، تاركة خلفها سيرة من الكتابة والإبداع، حيث اتسمت بشخصية متناغمة مع كتاباتها، شفافية وعمقاً وهدوءاً وصبراً وشعرية، انطلقت من الشعر إلى السرد، وكذا، كتبت في الصحافة: عمود في صحيفة الاتحاد، ومؤخراً في صحيفة البيان، أصدرت (فيروز) و(ماء) و(النشيد) مجموعة مشتركة مع سلمى مطر سيف وأمينة عبد الله، إضافة لكتاباتها الثقافية وترجمتها لأعمال قصصية عن اللغة الإنجليزية، وهي ترجمات ذات خصوصية، إذ كانت تترجم روح النص وعلائقه الداخلية.
عرفها الجميع بتواضعها الجميل، وإنسانيتها العالية، وخجلها المشع ببراءة طفولية، ولن ينسى من قرأ قصص مريم جمعة فرج كيف أبدعت بنيتها العميقة ولغتها، خصوصاً أنها كانت من أوائل المبدعات والمبدعين في الإمارات، وتركت أثرها العميق في المشهد السردي العربي، كما تركت أثرها في الترجمة.
ورغم قلة إنتاجها، نتيجة لظروفها الحياتية، فإنها ستظل ذات الأثر الروحي العميق.
حول رحيلها المفاجئ، التقت الشهادات الهاطلة من القلوب، واجتمعت الكلمات بإصرار على معنى إنسانة ومبدعة، تكتب وتحيا بصمت، رغم معاناتها الكبيرة مع الحياة، وكيف تخلت عن إبداعها لكي تهتم بوالدتها، وكيف واصلت حياتها مع المرض بصمت أيضاً، إلى أن رحلت، رحمها الله. لقد تعلم منها الكثير كيفية العطاء اللا متناهي، وما زال الكثير يتعلم وسيتعلم من مريم جمعة فرج ذاك المعنى الجوهري للوجود الإنساني.
بداية يقول الروائي والسينمائي والإعلامي الإماراتي ناصر الظاهري: مريم جمعة فرج من أوائل الأصوات النسائية المبدعة، ومن أكثرهن تميزاً واطلاعاً، فلقد مازجت بين الكتابة والترجمة. كانت متواضعة وكثيرة الحياء، على الرغم من ذلك التمايز والتفرد في شخصيتها الخلاقة، الوهاجة، مريم قصرت في تقديم نفسها الكبيرة، وإعلامنا الوطني قصر في تبني إبداعاتها وتسويقها وترويجها كابنة جميلة في هذا الوطن.
وتقول الشاعرة والباحثة شيخة الجابري: حزينة جداً على رحيلها، رحمها الله، كانت أختاً وصديقة غالية وكاتبة من الطراز الأول، إنسانة شفافة، وحاضرة الذهن، متقدة الفكر، من الرعيل الأول الذي يستحق التقدير، وأن نذكره بكل الخير، مريم جاءت كالنسمة وغادرت مثلها، بصمتها، منذ البداية في القصة، وكتاباتها في جريدتي الاتحاد والبيان، وحواراتها العميقة التي تجريها مع المهتمين المثقفين الكتاب، حوارات نلمس فيها روح الفلسفة والمنطق والعمق، ولا تلقي السؤال جزافاً، وإنما تتبحر فيه وتقدم من خلاله فكرة، ومعلومة، مريم بحر غزير وعميق، لم تؤذ أحداً، لم تجرح أحداً، حتى مرضها، لم أعلم به إلا بعد فترة، وحتى التواصل بيني وبينها، أحياناً، كانت لا تجيب، ربما كي لا تزعجنا، أحياناً تعتقد ذلك، كنا نتألم كثيراً، وآخر تواصل بيننا طمأنتني أنها بخير، ووعدتني أن نلتقي، لكن، كان لقاؤها بربها أقرب، نعزي أنفسنا، وأنا عاتبة على اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الذي لم يصدر أي خبر حتى لحظة شهادتي عن وفاة مريم، ليس هذا المأمول منهم، والاتحاد بيت الأدباء والكتاب، شهادتي بمريم مجروحة، وعلاقتي بها قريبة، وقد لا نلتقي كثيراً، لكن من صفاتها أن روحها قريبة منا، تتواصل حتى لو لم نتواصل، ولو التقينا بعد شهور، تشعرين أنك ودعتها قبل قليل، ورحيلها مؤلم لقلوبنا جداً، وصلني الخبر وأنا خارج الدولة، لكن نشيجي على مريم لا يوصف، والله المعين.

شخصية نبيلة ومبدعة
الشاعر الروائي سلطان العميمي، مدير أكاديمية الشعر بأبوظبي، يقول: شهادتي بالكاتبة مريم جمعة فرج تأتي مشوبة بالحزن على رحيلها المفاجئ. لا شك أن رحيلها يشكل خسارة كبيرة لنا في دولة الإمارات العربية المتحدة والساحة الثقافية المحلية والعربية. فالراحلة إضافة إلى كونها أديبة مبدعة وذات تجربة إبداعية مهمة في مجال القصة القصيرة، أيضاً، لها تجربتها المهمة في مجال الترجمة، وهي على الصعيد الإنساني شخصية نبيلة وواعية ومثقفة حقيقية.
وتقول الكاتبة الناشرة الإماراتية د. مريم الشناصي: بالطبع، هذا الخبر أصاب الكثيرين بالأسى والحزن في الساحة الأدبية، وكان الخبر فاجعة لجميع محبي كتاباتها وقصصها وحواراتها. ربع قرن من الزمان وهي كاتبة متربعة على عرش الكتابة في مجال القصة القصيرة، ولقد بذلت الكثير من الجهود، وساهمت في كثير من الأعمال الأدبية التي أثرت الساحة الأدبية، وكانت قدوة لشباب وبنات الإمارات في فترة من الفترات، وأعطت وقدمت بكل ما أوتيت في هذا المجال الأدبي، ولا نستطيع أن نعبر عن حزننا بهذه الفاجعة والخسارة التي تركتها والأثر الذي تركته في المشهد القصصي والأدبي. غياب مريم أثّر فينا جميعاً.
ويقول الكاتب والمسرحي الإماراتي الدكتور حبيب غلوم: تلقينا النبأ بكثير من الحزن، لأنها كانت في الفترة الأخيرة متواصلة معي بشكل كبير، وكانت تكتب في جريدة البيان، وكانت ظروفها صعبة، لكن المرض لم يمهلها، وفقدنا كاتبة وقاصة من الكاتبات اللواتي نعتز بوجودهن في الساحة الأدبية الإماراتية والعربية، وكانت تعمل بصمت ورحلت بصمت، وتعازينا لأهلها ومحبيها.

صوتها همس
وتقول الشاعرة الإماراتية الهنوف محمد: إنه يوم صعب، فقدنا الغالية على قلوبنا الكاتبة مريم جمعة فرج التي أثرت، وسطرت جزءاً مهماً من تاريخ القصة القصيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، خاصة في فترة الثمانينيات، وكان لها تأثير بالغ الأهمية في الأدب الإماراتي والعربي، سواء في القصة القصيرة أو العمود الصحافي أو الترجمة.
وتقول الكاتبة الإماراتية أسماء الزرعوني في وداع مريم جمعة فرج: رحم الله رفيقة القلم، صديقة وكاتبة وأختاً، مريم صوتها كالهمس، وكتابتها بجماليات الرونق، فقدنا فيروز وفقدنا الماء، وفقدت عبارة جميلة كنت أسمعها منها: أختي أسماء، الفراق موجع يا مريم، ما زلنا نتعطش إلى حروفك، عرفتك قبل أن أبحر في رحلة الإبداع. كنت الرائدة التي لم تبخل، وإبداعاتها في نقل التراث في مشهد روائي، كان إبداعك من نوع آخر، لا يرسمه سوى قلمك، رحمك الله، وأسكنك فسيح جناته.
ويقول الكاتب والباحث الإماراتي عبد الله المطيري: أسأل الله أن يرحمها ويرزقنا وأهلها الصبر والسلوان. لقد فقدت الساحة الأدبية بوفاتها سيدة فاضلة وأديبة وكاتبة أثرت الساحة الأدبية الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة، لقد كانت شعلة من العطاء، هذا إلى جانب تواضعها الجمّ، وخلقها النبيل، ولا يسعني إلا أن أقدم أحر التعازي لأهلها وجميع مثقفي الإمارات.
ويؤكد الشاعر الإعلامي السعودي سعد الحميدين أن مريم جمعة فرج حفرت اسمها في الإبداع العربي، ويضيف: إحساسها الفني المثقف برز في قصصها، واستطاعتها على تمكنها من الدخول إلى أعماق الواقع والعقول المتلقية أيضاً، لأنها كانت، رحمها الله، قادرة على نقل الصورة والحدث والمشهد بأبعاد ثلاثية، يتحاور فيها الماضي مع الحاضر بتفاهم مع المستقبل، وكتاباتها تعكس حبها لوطنها الإمارات وإنسانه الإماراتي، وبالتالي، هذا يشمل أثر كلماتها وحبها للإنسانية. مريم جمعة فرج أعطت وأضافت للمكتبة العربية ما سيبقيها أبداً في الذاكرة العامة.

تحمل معنى الإنسانية
وقالت الشاعرة صالحة غابش: الحديث عن مريم جمعة فرج، رحمة الله عليها، ليس من الطبيعي أن نصوغ لغته أو حروفه وكلماته، لأن مريم قبل أن تكون كاتبة وأديبة هي تحمل معنى الإنسانية بشكل كبير جداً، بهدوئها وإنسانيتها وسكينتها وطيبتها، حتى أننا لا نسمع لها صوتاً بقدر ما هو همس الإنسانة التي تحترم ذاتها، وكينونتها، ومن تتحدث إليه، فتقطر كلماتها هدوءاً وحباً لمن تتحدث معه. مريم جمعة فرج أيقونة الإبداع الإماراتي، وهي أيقونة إبداع المرأة الإماراتية، وهي التي اقتدت بها الكثير من الكاتبات الإماراتيات اللواتي جئن بعدها بجيل أو أجيال. توقفت لما يقارب 20 عاماً من الكتابة بعد أن أثبتت حضورها القوي ليس على الساحة المحلية الإماراتية فحسب، بل على مستوى الساحة العربية، كنا نسمع اسم مريم جمعة فرج ونسمع كم هي مثيرة لإعجاب من يقرأ وينتقد ويقف على تجربتها الإبداعية. حين صمتت لمدة 20 عاماً، قالت لي، ذات يوم، بسبب مرض أمي، لم أستطع أن أجاري إبداعي، ولم أستطع أن أكمل هذه التجربة، بعدما توفيت أمها، رحمهما الله، دعوناها للمشاركة في إدارة أول أمسية لها بعد انقطاعها، في المكتب الثقافي والإعلامي، فأدارت بكل حيوية ورغبة في العودة مرة أخرى إلى الإبداع كي تأخذ مكانها الحقيقي في التجربة الإماراتية والعربية، ولكن شاء الله أن تغادرنا، رحمها الله، وندعو الله أن تجد في حياتها الآخرة حياة أجمل وأفضل، وأن يصبرنا على فراقها. فعلاً، القلب حزين.
وتقول الكاتبة الكويتية فاطمة العلي: مريم جمعة فرج ابنة الإمارات الوفية المبدعة المتفردة حتى وإن كانت مقلّة، لأن قصصها القصيرة متميزة بالأسلوب والطرح، وكتابها «الفيروز»، ووفائها الكبير لقائد الخير الوالد المؤسس الشيخ زايد، طيب الله ثراه، إضافة لما كتبته بإحساس عالٍ بالناس، من المحرومين والبسطاء والبؤساء وغيرهم من الشخوص الذين تكتب عنهم وكأنها تعايشهم، إضافة إلى دورها الإنساني، والنسائي الثقافي في المشهد الأدبي الإماراتي والعربي. مريم جمعة فرج المبدعة الجامعية المتواضعة الشفافة التي توقفت عن الإبداع إكراماً لمهمة أكبر نبلاً وجمالاً، هي رعاية والديها، تتباهى ببيئتها ووطنها، ولقد كتبت كثيراً عن فترة ما قبل النفط وبساطة حياتها دون حرص ولا مهابة. مريم هي من جيل البدايات، الجيل الأول، ونجحت كصحافية في البيان، إضافة للغتها الشعرية، وبكل تأكيد ستظل قصصها بيننا وشخوصها وترجماتها، رحمها الله.
وتقول د. مانيا السويد، الكاتبة والناقدة السينمائية السورية: أعمال الأدباء تخلدهم، ورغم خجل المبدعة مريم فرج جمعة، واعتكافها، وعدم ظهورها المكثف، إلاّ أن عملها جعلها اجتماعية، وحاضرة بيننا بقوة، ولن تغيب، وروحها وكلماتها لن تغيب، لأنها وصلت إلينا كأدباء وقراء من خلال قلمها المميز. وهي حالة تؤكد لنا أن إطلاق العنان لحياء الكاتب يجعل كلمته أكثر حرية وانطلاقاً وخلوداً.

تجربة غنية ورائدة لمبدعة مسؤولة
تقول الشاعرة ميرة القاسم: منذ وعيي الأول نحو قراءة محتوى كتاب الإمارات كان اسمها تلك المجموعة القصصية التي احتضنتها في البدء شكلت لذاتي وهجاً مختلفاً نحو المعرفة. لم تكن شخصاً عادياً بالنسبة إلي. أتذكر أول لقاء حقيقي بيننا كان لقاء خرج من بين صفحات قصصها وكتاباتي البسيطة المتناثرة هنا وهناك، كم أحببت ابتسامتها وحفاوتها بي، كم أسرّ للبعض أنها تحبني وتتبع أثري كـ «جفير». الحديث عن مريم يفوق قدرتي الآن في الحكي عن تجربتها المليئة والغنية والرائدة في الوقت ذاته، وكنت أنتظر عودتها بعد طمأنتها لي بالشفاء، وعادت ولم أحاول إزعاجها، وأنا الشغوف بمعانقتها ووهج السؤال، لم تمهلني بهاء الوقت لرؤية عينيها.

اقرأ أيضا