الاتحاد

ثقافة

رواية ضد التعصب

هيستر وطفلتها  بريشة الرسام الفرنسي هيغو ميري (الصور أرشيفية)

هيستر وطفلتها بريشة الرسام الفرنسي هيغو ميري (الصور أرشيفية)

يقول الروائي الياباني كِنْزابُرو أووِه، وهو حائز جائزة نوبل في 1995: «الأدب ضرورة لعلاج الأمراض السياسية». ولا شك أن التطرف العصابي أسوأ هذه الأمراض وأخطرها. وحين نتأمل تاريخ البشر نرى أنه حافل بألوان من الظلم والتعصب والعذاب، وهذا لا يقتصر على شعب محدد، ولا ينبت كالفطور السامة في مناطق معينة من كوكب البشر، لكنه نزعة فكرية اجتماعية، عرقية، إقليمية، دينية.. وحتى عائلية، تبرز بحدة في مرحلة من مراحل التحول الحضاري في التاريخ. ومن خصائص الكتابة الإبداعية أن تكون في الغالب مسكونة بالحلم الإنساني المشرق والهاجس الوجودي العميق، بعيداً عن كل تعصب أيا كان، وقد تكون وسيلة لعلاجه أحياناً. فالكاتب يعيش ويعاني ويستقرئ مشكلات واقعه بعمق، وهو يتطلع إلى أفق مستقبلي أجمل وأغنى حرية وعدالة، مستشرفاً حركة التاريخ وتحولاته الاجتماعية والحضارية، سلباً وإيجاباً، وهو يتحول في الوقت ذاته، بإرادة مستنيرة أو دون أن يدري في غالب الأحيان. وهذا ما نجده بوضوح في رواية «الحرف القرمزي»، تأليف ناثانيل هوثورن (1804-1864). فهذا الكاتب كان ينتمي إلى جماعة البيوريتان (التطهريين) المتزمتين، إلى أقصى حدود التعصب في معتقداتهم الدينية، لكنه أبدع رواية تجعل القارئ يتعلم كيف يمارس إنسانيته بوعي وصبر والتزام، ليقف ويعمل ضد كل تعصب بالفكر أو انحراف بالسلوك.
لقد جعل الكاتب بطلة الرواية هيستر برين تتحول من «آثمة»، تحمل رمز الخطيئة مطرزاً على صدرها بلون فاضح، إلى «قوية» وفي الختام إلى «ملاك»، وذلك كله بفضل صبرها والتزامها بالعمل الشريف وتمسكها بطفلتها (ثمرة السفاح) والحرص على تربيتها تربية صالحة، ثم بإصرارها الفدائي على كتمان اسم والد طفلتها (الكاهن) آرثر ديمستيل الذي آثر النفاق خوفاً من الفضيحة، مع أن كبير الكهنة كلفه بالتحقيق معها، لكنها أصرت على كتمان السر، رغم إلحاحه بالسؤال عن اسم شريكها أمام الجمع المحتشد. ويكشف تطور الأحداث عن المكابدة التي عاناها هذا الكاهن من عذاب الضمير طوال مدة سكوته، لكنه استطاع أخيراً أن يوجه صفعة قوية إلى مجتمعه العدواني الظالم، فأعلن قبيل وفاته معترفاً بمسؤوليته، وقد حفر في لحم صدره رمز الإثم ذاته الذي حملته المرأة التي أحبته وظلت وفية حريصة على كتمان اسمه.

إيحاءات موجزة
نسج هذا الكاتب الأميركي المرموق وقائع روايته بمهارة درامية مدهشة، ولم يكشف السر حتى النهاية، مبيناً بلمحات قليلة وإيحاءات موجزة أن علاقة هيستر وآرثر كانت ثمرة محبة طاهرة وزواج بريء من الإثم، وقد قررا أن يتوجا محبتهما بالعودة إلى إنجلترا والعيش في أسرة محبة متآلفة. لكن الرجل لم يمتلك الشجاعة الكافية للإعلان عن ذلك في البداية، بل آثر السكوت لتتحمل المرأة وحدها جرائر جبنه وتردده.
تبدأ الرواية بتجمع شعبي أمام باب السجن في مدينة بوسطن الأميركية، حيث تخرج هيستر حاملة طفلتها «بيرل»، في حالة مثقلة بالرهبة والعار، وقد طرزت على صدرها الحرف A وهو الحرف الأول من كلمة زانية الدالة على ارتكاب علاقة آثمة، بعد غياب زوجها الذي قيل إنه غرق قي البحر أثناء عودته. ثم يأخذونها إلى منصة الإعدام قرب السوق، لتقف تحت المشنقة التي شهدت من قبل إعدام المتهمات بالسحر الأسود، حيث يبدأ الكاهن البيوريتاني المحترم آرثر بالتحقيق معها، طالباً منها بإلحاح أن تعترف بشريكها، والد طفلتها، وتتخلص من رمز الخطيئة، إلا أنها ترفض بإصرار أن تكشف عن اسمه.
وفي هذا الجمع الحاشد من مختلف الأهالي، تبدأ عصبة من النساء بالثرثرة حول ضرورة إنزال أشد العقاب بها، بدءاً من الوسم الناري على جبينها حتى الشنق، لتكون عبرة رادعة في مجتمع يتظاهر بالطهرانية. وخلال هذا الموقف التأديبي الشامت الذي استغرق عدة ساعات، فوجئت هيستر بوجود رجل هندي في آخر الصفوف، وإلى جانبه رجل أبيض تتأمله وتشعر برهبة غامضة مخافة أن يكون زوجها، ولم تكن مخطئة. وحين التقت عيونهما، رفع الرجل سبابته إلى شفته يحذرها بأن تظل ساكتة. ولما أعيدت إلى السجن كانت حالتها وحالة ابنتها سيئة جداً، فطلب الحاكم من طبيب الأعشاب المتنكر تحت اسم روجر تشيلينج وورث أن يعالجهما. وأثناء العلاج تتعرف عليه ويخبرها بأنه لم يغرق، إنما خطفته جماعة من الهنود الحمر، وتعلم منهم العلاج بالأعشاب، مؤكداً أنه طلقها. ويجبرها على السكوت وعدم إعلان معرفتها به، وهو واثق أنه سوف يكتشف شريكها الذي خانته معه لينتقم منهما معاً.
وبعد خروج هيستر ومعها رضيعتها من السجن، تسكن في كوخ بائس في طرف المدينة، وتعيش في عزلة اجتماعية قاسية، وهي ماهرة بالخياطة وتطريز أطواق الرجال وملابس النساء، لكنها تظل محكومة بالعزلة ومحاطة بالسخرية والتعليقات الجارحة حتى من صبية المدينة. ومع مرور الأيام تلاحظ أن العديد من الفتيات، حين يصادفنها ويرين الحرف المطرز على صدرها، تتورد وجناتهن خجلاً وكأنهن يخفين أسراراً مخجلة، وأن أي واحدة منهن معرضة لحمل ذلك العقاب الرمزي الرهيب.

سر الكاهن
بمرور السنين يحاول الحاكم وكبير الكهنة أن يفرقوا بين الأم والطفلة، بدعوى حمايتها من سمعة هيستر، وليتولوا تربيتها تربية طهرانية سليمة. وحين يأخذون رأي الكاهن آرثر، يدافع عن الأمومة بشدة وإقناع حكيم فيوافق الحاكم وكبير الكهنة على بقاء الطفلة مع أمها. وهنا يزداد حقد روجر وارتيابه بأن الكاهن يخفي سراً كبيراً هو سبب مرضه وعذابه، ويسعى لمعرفة كل ما يخفيه آرثر حتى من خلال أعشابه العلاجية، لكنه لا يفلح في ذلك.
ومع مرور الوقت، اتسعت شهرة هيستر بفن التطريز وامتدت إلى خارج المدينة المتزمتة. وفي نظر الغرباء الذين لا يعرفون قصتها، تحول معنى الحرف المطرز على صدرها من آثمة إلى قوية Able. كان روجر الحقود الشرير يعالج الكاهن آرثر ليخفف عنه ما يعاني من حالة صحية سيئة. ولم يلبث أن طلب من الكاهن المحترم أن يسكن معه ليسهر على علاجه ويعطيه الدواء العشبي في الوقت المناسب. وكانت شكوكه قد ازدادت بأن الكاهن آرثر هو الشريك الآثم، لكن الرجل رغم آلامه حافظ على كتمانه حتى بلغ تردي صحته أسوأ حالة. وهنا توجهت هيستر إلى طليقها روجر وهددته بأنها سوف تكشف حقيقته وتفضحه أمام الجميع. وأخذت تغتنم فرصة لقاء الكاهن، بعيداً عن أعين المتلصصين، لتخبره بحقيقة طبيبه روجر. وتسعفها الظروف بلقائه في الغابة ومعها الطفلة بيرل التي يعاملها كأي أب محروم من رعاية ابنته.
يفاجأ الكاهن بحقيقة روجر، وتنصحه هيستر بأن يبعده عنه، لكنه يفضل الانتظار. ويوم الأحد يلقي عظة رائعة، ثم يمسك بيد هيستر وطفلتهما ويصعد منصة الإعدام، ليعترف بخطيئته أمام الجميع، ثم يهوي على الأرض، تاركاً جمهوره الكنسي في حالة ذهول وحسرة. وكان الطبيب روجر أكبر المصدومين لأنه كان يشعر أن الكاهن هو الغريم الذي خانته زوجته هيستر معه، وراح يخطط للانتقام منه، ولم تكن سكناه معه لعلاجه له إلا جزءاً من خطة انتقامه الشيطاني.
وبعد وفاة آرثر إثر اعترافه، تحافظ هيستر على الحرف الرمزي رغم أنه حررها منه باعترافه. ثم تسافر مع ابنتها إلى أوروبا. وبعد سنة يموت روجر ويوصي بثروته للطفلة بيرل، وكأنه يكفر بذلك عما فعله في حياته من أعمال شريرة. وتواصل الحياة مسارها، وبعد أن تتزوج بيرل تعود هيستر إلى بوسطن لتواصل حياتها في خدمة المرضى والضعفاء المحتاجين لمساعدتها، وهنا يتحول الحرف القرمزي على ألسنة الناس إلى ملاك Angel.
وبذلك ينهي هوثورن روايته، معبراً بصدق صارم والتزام إنساني عميق عن محنة إنسانية موجعة ومرحلة اجتماعية قاسية من حياة المهاجرين الأوروبيين إلى العالم الأميركي الجديد، مسجلاً بذلك اسمه بين المبدعين الأوائل من المهاجرين في عالم الرواية الأميركية، تاركاً للتاريخ الأدبي أن يضعه في طليعة رواد الأدب في تلك القارة. لكن المجتمع الأميركي في تلك المرحلة لم يكن معجباً بهذه الرواية المتميزة، وحتى معظم الأدباء والنقاد، في ذلك الحين، أخذوا موقفاً نقدياً صارماً منها. لكن كبار الأدباء في القرن العشرين أشادوا بهذه الرواية المتميزة، حتى تبوأ مبدعها المكانة المرموقة التي يستحقها بكل جدارة.

اقرأ أيضا