الاتحاد

ثقافة

شاعر العزلة

كاي مينغ ليانغ

كاي مينغ ليانغ

بقلم: جاريد رابفوغل
ترجمة: أمين صالح

المخرج السينمائي التايواني كاي مينغ ليانغ Tsai Ming- Liang يُنظر إليه بوصفه شاعر العزلة. أفلامه تعكس واحدة من أكثر حساسيات السينما تميّزاً وخصوصية. وهي متماسكة ومتساوقة، ومصقولة على نحو متزايد. أفلامه ليست متباينة في الأسلوب أو المحتوى، إنما تحكمها وحدة معيّنة. ويعد من بين أبرز مخرجي الموجة الجديدة الثانية في السينما التايوانية. وحاز العديد من الجوائز في المهرجانات العالمية.
فيلمه الدرامي الطويل الأول «ثوار إله النيون» Rebels of the Neon God (1992) أسّس لثيماته الأثيرة مثل الوحدة والرغبة والاغتراب، والبيئة المدينية، ومزجه لليأس والفكاهة، كما يفعل صمويل بيكيت، بالإضافة إلى صراحته في العلاقات الحميمة وأسلوبه المتقشف، ولقطاته المديدة التي تستمر دقائق من دون انقطاع، وإيقاعه البطيء، فضلاً عن تعامله مع ممثلين (وشخصيات) يتكرر حضورهم في أعماله.
في أفلامه التالية: يحيا الحب (1996) النهر (1997) الثقب (1998) كم الساعة هناك؟ (2001) يواصل مينغ ليانغ في نسج سلسلة من التنويعات على فيلمه الأول، حيث كل فيلم يجد إضاءته عبر مجاز أو صورة رئيسة، وكل فيلم يعدّل بدقة ورهافة التوازن الدقيق بين القتامة والدعابة.
إن موضوع مينغ ليانغ المركزي هو عزلة الوضع البشري، وتوق الأرواح المنعزلة إلى نوعٍ ما من الاتصال.. العاطفي والجسدي معاً. ومع أنه منغرس بعمق في شخصياته، إلا أنه يرصد هذه الشخصيات من مسافة بعيدة. هذه المعرفة غير المحدودة هي التي تتيح لليأس والفكاهة أن يتعايشا على نحو غير قابل للانفصام.
شخصياته، على نحو ثابت، حزينة ووحيدة بعمق لكن، نظراً لكونها مرئية من بُعد، فإن عبثيتها تكون بادية للعيان، وبقدر إحساسها بالوحدة، فإن الحقيقة التراجيدية – الكوميدية تتكشف في واقع أن هذه الشخصيات تكون قريبة من بعضها بعضاً على نحو حميمي أكثر مما يسمح لها وعيها المحدود أن تدركه.

تقشف وإيحاءات خارقة
فيلمه «وداعاً دراغون إن» أو «وداعاً نزل التنين» (2003) هو انطلاق من النموذج الذي تأسس عن طريق الأفلام السابقة، وهو يتصل بتمديد جماليته التقشفية والإيحاءات الخارقة للطبيعة إلى تخوم متطرفة جديدة. الفيلم متحرّر تقريباً من الحوار، ولقطاته الطويلة مديدة جذرياً، وأحياناً تكون قريبة من حالة الركود. شخصيات الفيلم، واقعياً ومجازياً، هي مجرد أشباح، تظهر وتختفي من غير إشعار. المجاز المركزي في هذا الفيلم هو السينما نفسها، خصوصاً صالة السينما المتهدمة، الكئيبة، المسكونة، والتي تعرض، في آخر أمسية من وجودها، فيلم المخرج «كينج هو» Dragon Inn من إنتاج العام 1996. لكن هذه الصالة هي أكثر من مجرد مجاز، إنها جوهرياً البطل، الوعي المهيمن للفيلم، في فعل تذكّر ماضيه.
أفلام مينغ ليانغ دائماً، على نحو متناقض ظاهرياً، مجازية جداً، مع ذلك هي ملموسة ومتماسكة بشكل عنيد. إن كان ثمة عنصر جليّ من التجريد أو المبالغة بشأن هذه الأفلام، فإن هناك أيضاً مادية، حالة فيزيائية، غامرة. أفلامه نديّة، ملموسة، وصعب قراءتها.
أحد الأشياء الأخاذة بشأن أفلامه يكمن في المنظور المستقل، المنفصل، حيث إن الشخصيات تحاول، على نحو يائس، الاتصال في ما بينها، بينما نحن في الصالة نرى أنها في الواقع قريبة من بعضها وهي لا تعلم. كمثال، هناك مشهد في فيلم «يحيا الحب» نرى فيه المرأة تعود إلى شقتها، ثم تستلقي على السرير وتبكي، شاعرة بالوحدة الشديدة، بينما الرجل يخرج زاحفاً من تحت السرير. إنها تشعر بالوحدة، غير مدركة أن شخصاً هناك لا يبعد عنها سوى بضع بوصات.
يقول كاي مينغ ليانغ: «الناس غالباً لا يستطيعون رؤية أي نوع من المسافة تفصل بعضهم عن بعض. يتملك المرء غالباً شعور بأن عائلته المباشرة هي في الواقع بعيدة جداً عنه، وأنه بين الأصدقاء يشعر باتصال حميمي، وبقرب من الآخرين. لذلك في أفلامي، أميل أن يكون لديّ هذا التناقض الظاهري، حيث المسافة الفيزيائية بين الشخصيات هي في الواقع قريبة جداً، لكن العلاقة بينها بعيدة جداً. في «يحيا الحب» يلتقي الرجل والمرأة ذات ليلة. إنها علاقة حميمية جداً من جهة، لكن من جهة أخرى، المشكلة الجليّة تكمن في أن العلاقة بعيدة جداً. لا يبدو عليهما أنهما قادران على بناء علاقة حميمة وقريبة، وليس بوسعهما قهر تلك المسافة وتأسيس حميمية حقيقية. إذن هذا شيء أفعله لكي أجعل الجمهور يدرك هذا التناقض الظاهري، ولكي يفكر في نوع العلاقة التي يحاول الاثنان معاً تأسيسها وترسيخها».

الفيلم الأكثر غرابة
فيلمه «الثقب»، الأكثر غرابة وخيالية من بين أعماله، هو مزيج من عناصر الرومانسية والاستعراض الموسيقي والخيال العلمي، والذي يدور كلياً في مبنى قديم، متهدم، مؤلف من عدة وحدات سكنية. الفيلم يتمحور حول الثقب، المتوسع على نحو مستمر، في الأرضية التي تفصل شقتيّ شخصيْن وحيديْن في تايوان المستقبلية، المدمَرة بفعل مرض غامض. عالم الفيلم مادي ومتماسك. الثقب نفسه مصور بتفصيل دقيق، خليط من الجص والغبار وكسارة الحجارة. لكن في الوقت نفسه، الثقب هو الصورة المركزية الأكثر رمزية وهيمنة على نحو صريح في أفلام مينغ ليانغ، وعالمه بوضوح هو الأكثر نأياً عن عالمنا، فهو عالم متخيّل غير مثالي، تتخلله مشاهد استعراضية راقصة تمثّل حياة الحلم عند البطل.
في حديثه عن فيلمه «كم الساعة هناك؟»، يقول كاي: «ثمة شيء غريب يتصل بالأفلام، إذ ما إن تتحقق حتى تكون مكتملة، تبدو كأنها عالقة في لحظة من الماضي، كما لو أنها نوع من عالم كامل متمتع باكتفاء ذاتي. على سبيل المثال، مع أن بعض الممثلين فارقوا الحياة منذ زمن طويل، إلا أنك دائماً تشعر كما لو أنهم لا يزالون على قيد الحياة، كما نراهم على الشاشة.
في ما يتعلق بفيلمي (كم الساعة هناك؟)، فقد استخدمت جزءاً من فيلم فرانسوا تروفو (الأربعمائة ضربة). أردت أن أصور الفيلم في باريس، ليست باريس كما هي في الوقت الراهن، لكن باريس تلك (في العام 1959)، التي ظهرت في (الأربعمائة ضربة) والتي لا تزال موجودة في أذهاننا. الجزء المطمور على نحو عميق في ذاكرتي، عن ما تكونه باريس في ذلك الفيلم، نجده في النهاية، عندما يرغب الطفل في الهرب بعيداً لكنه يقع في قبضة الشرطة، فينخرط في البكاء. هذه اللقطة، بالنسبة لي، تمثّل خلاصة لباريس».
فيلم «وداعاً نزل التنين» بدوره متناقض ظاهرياً، وربما أكثر. عالمه مقتصر تماماً على صالة سينما مهجورة، مخيفة، متشعبة الممرات، وما يحدث بين جدرانها ليس هو الواقع بل بالأحرى لحظات من نتاج الذاكرة. في هذا المكان تلتقي الأشباح. أشباح غير ملموسة، غير مدرَكة. لدقائق طويلة نتابع العاملة الشابة، العرجاء، ذات الساق المعدنية، وهي تجرجر نفسها عبر أروقة المبنى الخالية، وسلالمها، مصدرة قعقعة مزعجة. كما نرصد المرأة التي تتفرج على الفيلم فيما تستهلك بذور البطيخ على نحو لا نهائي.

تصوير حالات العزلة
أفلام مينغ ليانغ هي، على نحو مميّز، سكونية. ومع أنه يحقق أفلاماً سردية، تركز بؤرتها على مجموعة معينة من الشخصيات وتفاعلها في ما بينها، إلا أن طريقته غير سردية جوهرياً. في استغراقه في تصوير حالات العزلة، ورسم شخصيات وحيدة مع ذواتها، فإن ثمة القليل جداً من التنامي أو الدراما في أغلب مشاهده. هذه المشاهد ببساطة لا تتقدّم كثيراً بقدر ما تدوم. وهي لا تتدفق نحو بعضها البعض، بل تتراكم.
أحد الأمثلة الرئيسة نجدها في اللقطة الختامية من فيلم «يحيا الحب»، اللقطة التي لا تُنسى، والتي تمتد ست دقائق، حيث نرى بطلة الفيلم تبكي وهي جالسة على المقعد الطويل في المتنزه. لا يوجد هناك أي سبب، ضمن السياق السردي، يستدعي أن تدوم اللقطة ست دقائق. الفكرة هنا ليس في حملنا على موجة سردية، وإنما في تركنا ننهمك في الـ هنا والآن، في الدخول في المشهد والإحساس بحزن الشخصية على نحو تام.
في فيلمه «الثقب» هو يطلق العنان، بطريقة مميزة على نحو نموذجي، لحنينه إلى الثقافة الشعبية الشائعة في هونج كونج أيام شبابه.
في «وداعاً نزل التنين»، العنصر السردي يصاب بالضمور تماماً، متلائماً مع فيلم وحدته هي، على نحو صرف، وحدة مكان وليس وحدة الشخصية أو الحالة أو حتى الزمن. فعلياً ليس هناك أي حوار في الفيلم، والتفاعل من أي نوع هو قليل جداً (بصرف النظر عن التجوال المتقطع، الطقسي، لعدد من الرجال في ممرات الصالة).
إن محرّك الفيلم هو الذاكرة، الثيمة، أو بالأحرى الدافع الذي لا يقاوَم والذي طلع إلى السطح، على نحو متزايد، في أعمال مينغ ليانغ. لقد أصبح جلياً أن مينغ ليانغ مسكون عميقاً بفكرة مرور الزمن، والفقد الذي ينجم عنه. الفيلم عبارة عن بورتريه لمكان ما، لنوع معين من صنع الأفلام، ولمرحلة ما، والتي هي تتلاشى. إن حزن مينغ ليانغ على انقضاء كل هذا نجده ملموساً وصريحاً، وأقل توازناً مع الدعابة مما في أفلامه السابقة. إنه يعبّر عن نفسه على نحو مباشر وصريح أكثر مما فعل في السابق، وذلك من خلال لقطاته المديدة جذرياً، المشبّعة بالأسى. الفيلم ينبني تدريجياً حتى اللقطة الرائعة، الملفتة، للصالة السينمائية الخاوية الآن، فيما العاملة تضيء الأنوار، وعلى مهل وبشكل نظامي تبدأ عملية التنظيف، في لقطة تستمر مدّة لامتناهية من الزمن.
في حديثه عن الفيلم، يقول مينغ ليانغ: «أعتقد أن لفيلم (وداعاً نزل التنين) منطق داخلي قوي جداً. إنه في الواقع فيلم عن ذاكرة صالة السينما، الصالة التي هي شخصية رئيسة في الفيلم. عندما نذهب إلى صالة السينما لمشاهدة فيلم ما، فإن هذه الصالة تصبح ضرباً من المكان السرمدي، والزمن يكون في حالة تعطل أو توقف مؤقت. لذلك فإن ذكريات هذه الصالة هي حقاً نوع من الشظايا. الصالة تتذكر تلك الأوقات التي فيها يجتمع الكثيرون لمشاهدة الفيلم، أو حين لا يرتادها غير عدد قليل من المشاهدين.
لو أننا فكرنا في الفيلم بوصفه الذاكرة الكلية لصالة السينما، لرأينا أن كل شيء سوف يجتمع معاً في النهاية. على سبيل المثال، بعد أن ينتهي الفيلم المعروض (نزل التنين) والمرأة العاملة تضيء المكان، ويتلاشى الرجلان العجوزان، فإننا في ما بعد نرى الرجلين ثانيةً في الرواق، في الخارج. في الواقع هذه ليست مسألة ما إذا كانا حاضريْن أم غائبيْن، بل بالأحرى أن هذه تشكيلة من أجزاء من الذاكرة.
إني أستخدم بعضاً من المواد القديمة لأنني، بطريقة أو بأخرى، غير راضٍ عن العالم الحديث. في الواقع، لا أميل كثيراً إلى العالم في حالته الراهنة، لكنني أحب تلك الأشياء المتصلة بالماضي».
الصورة (أو تجربة المتفرج لها) تتغيّر على نحو دراماتيكي فيما هي تتخذ جذراً، وتصبح أكثر من مجرد صورة في سلسلة من الانطباعات البصرية، بل بالأحرى تصبح مثل مادة فيزيائية ذات ثقل وحضور. في هذه اللقطة خصوصاً، مينغ ليانغ يبدو عاقد العزم على إبطال ما يتعذّر إبطاله، أن يتشبث بتلك الذكريات سريعة الزوال، وينتزعها خارج تدفق الزمن، أن يجعلها صلدة، راسخة، ثابتة، وغير قابلة للتغيير. يبدو الأمر كما لو أن مينغ ليانغ سوف يحتفظ بهذه اللقطة إلى الأبد لو استطاع ذلك.
«وداعاً نزل التنين» من أكثر أفلام مينغ ليانغ تجريبية، ليس فقط في ما يتصل بالشكل والسرد. قبل كل شيء، هو يجرّب بالتخلي عن المكان الذي عادةً يفصل نفسه وموضوعاته. الفيلم، ليس أكثر من سابقيه ولا أقل، هو فيلم عن الحزن، العزلة، والرغبة. لكن هنا، هذه المشاعر وحالات الحنين، التي كانت سابقاً تنزاح من شخصياته، الآن تتدفق مباشرة من مينغ ليانغ نفسه.

سيرة اللامنتمي
ولد كاي مينغ ليانغ في 27 أكتوبر 1957، في كوشنغ بمنطقة ساراواك في ماليزيا (وهو من أصول صينية)، حيث أمضى عشرين سنة من حياته هناك. بعدها انتقل إلى تايبيه عاصمة تايوان.. وكان لهذا الانتقال تأثير هائل عليه نفسياً وذهنياً، والذي انعكس في ما بعد في أفلامه. يقول كاي: «حتى الوقت الحاضر، لا أشعر أنني أنتمي إلى تايوان أو ماليزيا. من بعض النواحي، أستطيع أن أذهب إلى أي مكان أريد وأتأقلم معه، لكنني لن أشعر أبداً بحس الانتماء».
تخرّج كاي من قسم الدراما والسينما في الجامعة الصينية الثقافية بتايوان في 1982، ثم عمل في الإنتاج المسرحي، وكتب السيناريو، وعمل مخرجاً تلفزيونياً في هونج كونج. من 1989 إلى 1991 أخرج عدة أفلام تلفزيونية، قبل أن يحقق فيلمه الدرامي الطويل الأول «ثوار إله النيون» (1992) عن جيل الشباب المأزوم والمتمرد.
من أفلامه اللاحقة: الغيمة المشاكسة The Wayward Cloud (2005) لا أريد أن أنام وحيداً (2006) وجه (2009) الكلاب الضالة (2013).

اقرأ أيضا

الشعر النبطي.. خزّان الحياة البدوية