الاتحاد

ثقافة

طفل الحرب ورحّالة الأدب الهولنديّ

سيس نوتبوم

سيس نوتبوم

تربّع الرّوائي والرّحالة والصّحافي وكاتب المقال الهولنديّ الشّهير سيس نوتبوم منذ سنوات طويلة عرش «أكثر الكُتّاب الهولنديّين ترجمة إلى لغات أجنبيّة»، حيث ترجمت أعماله ورواياته ورحلاته إلى ما يزيد على 30 لغة، ولم يأت هذا الاهتمام الأوروبيّ والدّوليّ بأعمال نوتبوم من فراغ، فالرّجل الذي أخذ على عاتقه اكتشاف العالم من خلال ترحاله الدّائم، لم يبخل على شكل أدبيّ بالكتابة، فكتب الرّواية والمسرح والشّعر والمقالة والنقد وأدب الرّحلات وحتى الأغاني العاطفيّة، مقترباً في كثير من مغامراته الإبداعيّة من الفلاسفة الإغريق والعرب. كما لم يتوان عن الاشتباك أدبيّاً وفكريّاً مع الكلاسيكيّات الأدبيّة المعروفة، بدءاً من هوميروس وأوفيد وصولاً إلى رموز الأدب الكبار في عصرنا الرّاهن، وعلى رأسهم بورخيس ونيرودا وهنري موليش.
اتّخذ نوتبوم من التّرحال في بداية حياته وسيلة لاكتشاف ذاته من خلال اكتشاف العالم، فسافر في شبابه عبر أوروبا بعدما ألحقته أمه بمدارس داخليّة تابعة للأديرة والرّهبان، حيث تعلّم اليونانية واللاتينية هناك. وهو العالم الذي رصده في روايته الأولى «فيليب والآخرون»، والتي أصدرها نوتبوم وهو في مقتبل العشرينيّات من عمره عام 1955.

بعد طرده من مدرسة الرّهبان، حصل نوتبوم على عدد من الوظائف المكتبيّة، من بينها وظيفة بأحد البنوك، لكنّه لم يحبّ عمله كمصرفيّ أبداً، ما دفعه إلى القيام في أوائل الخمسينيّات من القرن الماضي بأوّل رحلاته الكبرى إلى الخارج، متّجهاً إلى الدول الاسكندنافية، وبعد عام واحد من نشره روايته الأولى «فيليب والآخرون»، يصدر نوتبوم مجموعته الشّعرية الأولى «الموتى يبحثون عن بيت» عام 1956، وفي العام ذاته يقرّر كاتبنا أن يشقّ لنفسه مساراً جديداً في مشواره الأدبيّ وهو كتابة أدب الرّحلات، فبدأ في كتابة تقارير وقصص ويوميّات سفره ورحلاته لصالح عدد من الصّحف الهولندية الكبرى، من بينها «هِتْ بارول» و«السفير» و«ده فولكس كرانت». وبحلول العام 1968 وجد سيس نوتبوم لنفسه مكانه اللائق في مجلة «آفنيو» اللامعة. ليصدر في العام 1963 حكاياته في أدب الرحلات في كتاب تحت عنوان «ظهيرة في برواي»، تلتها حكايات أخرى من بينها: «ليلة في تونس» 1965، و«أمسيّة في أصفهان» 1978. ولكن بحلول العام 1980 تبدأ شهرة نوتبوم في الخروج من الإطار الهولندي لتحقّق حضوراً لافتاً في الآداب الإنجليزية والأوروبية عموماً بصدور روايته اللافتة «طقوس»، والتي نال عنها العديد من الجوائز الدولية من بينها جائزة «ف. بوردوايك» الهولندية وجائزة Pegasus لأفضل رواية غير أميركية.
يمكننا هنا اعتبار رواية «طقوس» 1980، والتي تحوّلت لاحقاً إلى فيلم، بداية المرحلة الثانية في مسيرة نوتبوم الأدبية. حيث أصبحت فور نشرها موضوعاً للعديد من الدراسات الأدبية والنقدية في هولندا والخارج. وبفضل هذا النجاح اللافت للرواية، تحمس نوتبوم وصار أكثر إنتاجية من أي وقت مضى، فبدأ في إصدار العديد من المجموعات الشعرية وكتب الرحلات والروايات واليوميات والمقالات، وفي العام 1989 دعته خدمة التبادل الأكاديمي الألمانية (DAAD) للعيش لمدة عام في برلين. وهناك شهد سقوط جدار برلين التاريخي، وبدأ يكتب العديد من التقارير والتحقيقات الصحفية المثيرة حول الموضوع، والتي نشرت في عدد كبير من الصحف الأوروبية آنذلك، وصنعت شهرة لا يستهان بها للكاتب. وفي برلين تعرف نوتبوم على الفيلسوف الألماني روديجر سافرانسكي وربطته به علاقة وطيدة، ومن خلال سافرانسكي تتسع دائرة صداقات نوتبوم في ألمانيا ليتعرّف على فنانين آخرين، من أبرزهم الرسام والفنان التشكيلي اللامع ماكس نيومان، والذي صنع لاحقاً أغلفة للطبعات الجديدة من أعمال نوتبوم.

هل كنت حقاً هناك؟
وُلد سيس نوتبوم في 31 يوليو 1933 كطفل ثانٍ لوالديه، لكنه عاش سنواته الأولى طفولة صعبة بسبب فقر والديه ثم انفصالهما السريع، يقول: «يمكن للأشخاص الآخرين أن يسردوا أدق تفاصيل طفولتهم كاملة دون أن ينسوا منها شيئاً، مصحوبة بأسماء أصدقائهم وصفاتهم والتواريخ وأماكن المدارس والأحداث التي عاشوها، لكني لا أستطيع فعل ذلك، بل إني أحياناً ما أتساءل: هل كنت أنا حقاً هناك؟»؟
وعلى الرغم مما يقوله نوتبوم في هذا المقطع، إلا أنّنا لن نعدم العثور على كثير من ذكرياته التي لا تزال حيّة في مؤلفاته، من بينها دخول الألمان لمدينة «يبنبورغ» بالجنوب الهولندي وتفجير مطارها، وهو المشهد الذي شاهده بصحبة والده من شرفة منزل العائلة. انفصل والداه أثناء الحرب العالمية الأولى، وسرعان ما توفي والده في ربيع 1945 متأثّراً بجراحه التي أصيب بها أثناء تفجير منطقة «بيزويدنهاوت» في مدينة لاهاي وهو يحاول إنقاذ طفل من تحت الأنقاض. ليعود كاتبنا إلى العيش مع والدته من جديد في مسقط رأسها «تيلبورغ»، بعد أن تزوجت من رجل كاثوليكي النزعة، ليقرر الهروب سريعاً من بيت زوج أمه، وإلى الأبد.
من اللافت أن أعمال سيس نوتبوم لم تترجم حتى اليوم بالشكل الذي يليق بها في لغتنا العربية، بل لم تترجم من أعماله الروائية سوى رواية وحيدة صدرت تحت عنوان «القصة التالية» عن دار إيمار عام 2004، وترجمها عن الهولندية السوري جمال سعيد. وعن هذه الترجمة يكتب عقبة زيدان قراءة للرواية جاء فيها: «استيقظ هرمان موسيرت وهو غير متأكد من أنه حي، وسيطر عليه شعور سخيف: «ما لم أستطع التيقن منه بالضبط هو هل أنا ميت بالفعل أم أنني مت من قبل». ولكن كيف استطاع موسيرت أن يقنع نفسه بأنه هو نفسه الذي استيقظ ووجد نفسه في غرفة غير غرفته وفي مدينة ليست مدينته: «وجودي في البرتغال أمر اكتشفته للتو رغم أنني خلدت للنوم كالعادة في أمستردام».‏
يفتتح سيس نوتبوم روايته «القصة التالية» بالشك على طريقة الوجوديين بافتراض العدم الذي يشار إليه بالموت. ومن الصفحة الأولى يقود نوتبوم بطله هرمان موسيرت إلى الاعتراف بخوفه من أن يكون هو نفسه شخصاً آخر، فيستلقي بلا حَراك في تلك الغرفة التي تقع في البرتغال وهو يتساءل كيف نام في أمستردام ووجد نفسه هنا، ومن ثم وبعد تأمل قصير يشعر بفراغ وجودي، جعله يفترض بأنه شخص آخر لأنه «من المستبعد أن يكون لا أحد».

سيس نوتبوم: دفنتَ ذكريات طفولتي مبكّراً
  في محاولة منا لإلقاء الضوء أكثر على عوالم وحياة ورحلات سيس نوتبوم، نترجم هنا حواراً أجرته بياتريس ديلفو من صحيفة «ده فولكس كرانت» مؤخّراً مع الكاتب الهولندي بمناسبة بلوغه عامه السّادس والثّمانين.
«نوتبوم Nooteboom.. تُكتب بأربعة أصفار»!
هكذا يقدّم الكاتب الهولنديّ الشّهير سيس نوتبوم نفسه لأولئك الذين يجدون صعوبة في كتابة اسمه أو التّعرف على شخص«غوته الحيّ» كما يطلقون عليه في ألمانيا منذ عقود. اليوم نحتفل بوصول هذا الكاتب والرّحالة والرّوائي والشّاعر وكاتب المقالات اللامع إلى سن الـ 86. وقد انتهى لتوّه من كتابة افتتاحية لكتالوج معرض Rembrandt-Velázquez، الذي سيستمر حتى 19 من يناير المقبل في متحف«ريجكس» بأمستردام
في«533»، كتابه الأحدث الذي تضمّن يوميّاته في قالب روائيّ، يجعلنا نوتبوم ننظر معه إلى العالم الرّاهن من حديقة منزله في جزيرة«مينوركا»الإسبانيّة، حيث يمضي عدّة أشهر كلّ عام، ويبرّر لنا في إحدى فقرات كتابه الجديد سبب انعزاله هناك قائلاً:«الحديقة؟ والصمت؟ لقد حافظت على إبقاء العالم على مسافة منّي، لكنّني لم أفقد توازني بعد، ليس بعد، ثمّة شرخ ما، وسواء كان هذا الشّرخ قد حدث داخلي بسبب إسبانيا أم بسبب أوروبا، إلا أنّني أومن أنّنا نحتاج إلى الصّمت كي نسمع أفضل».
في جزء سابق على هذا المقطع من كتاب نوتبوم الجديد، يقول لنفسه: «ذات مرّة وأنتَ طفل رأيتَ طيّاراً إنجليزيّاً ميّتاً وهو لا يزال عالقاً بمظلّته، قبلها بلحظات رأيتَ كيف تم انتشال جثث الجنود الألمان من البرك، معاطف رماديّة طويلة تقطر بالماء. لم تنسَ شيئاً، لذا كان بمقدوركَ أن تفهم صور المجنّدين الأوكرانيّين المُكرهين على الحرب، لأنّ ضحايا المستقبل قد يكونون مختلفين عن الضّحايا السابقين، لكنّكَ تعلم جيّداً أنّهم في الصّور اللاحقة لم يكونوا وقوفاً كما كانوا، بل صرعى على الأرض (...) وسواء أعجبكَ هذا أم لا، إلا أنّكَ تشعر في داخلك كأنّك ملفوف بصحف مليئة بالأموات، وحتى لو كنتَ الآن آمناً، إلّا أنّ عار الحرب الذي يرافقكَ حتى النّهاية لا يزال يلطّخك».
فتحتْ المصوّرة الفوتوغرافيّة سيمون ساسن، المرأة التي ارتبطت بنوتبوم ما يقرب من 40 عاماً، باب البيت المطلّ على إحدى قنوات أمستردام، كان نوتبوم ينتظر في الطّابق الأول، بين كتبه وأسلحته.

* كيف أصبحت سيس نوتبوم؟
-«عليكَ أن تقرأ وأنت تنقل البضائع»، هذا ما تعلّمته وفعلته بعد ذلك على الطّرقات السّريعة وبصحبة سائقي الشّاحنات، تعلّمت الألمانيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة والإسبانيّة. غادرت المنزل في سن السّابعة عشرة وبدأت العمل كمصرفيّ بأحد البنوك، لكنّني لم أحبّ هذا العمل. ثمّ فكّرت في أن أصبح راهباً، وعلى الفور أدرك القائمون على الدّير أيّ شخص يقف أمامهم، فمنحوني معجماً هديّة وتمنّوا لي حياة مقدّسة. بعد بضعة أيام غادرت وبدأت التّرحال.

* كأنّك اخترت بهذا التّرحال الدّائم أن تهرب من طفولتك الفوضويّة.
- حين مات أبي (مات والده جرّاء تفجير في الأيّام الأخيرة من الحرب أثناء محاولته إنقاذ طفل) شعرت أنّ كلّ من حُرم من الأب يحاول خلق نوع من الأب الدّائم داخله. طُلّق والداي في عام 1943، وفي سنة 1948 تزوّجت أمّي من رجل متزمّت ليس لديه أطفال، وكان يعيش مع والدته حتى بلغ السّتين من عمره. كان الأمر غريباً، ولم نكن أعداء، لكن في مرحلة ما غادرت البيت ولم أعد إليه أبداً.

* قلتَ مراراً إنّك دفنتَ ذكريات طفولتك مبكّراً، على العكس من مارسيل بروست الذي كتب آلاف الصّفحات عن فترة طفولته.
- نعم، يبدو أنّني تخلّصت من هذه الذّكريات فعلاً، ولم يعد أمامي من وسيلة لتذكّرها. لا أستطيع حتّى أن أتذكّر يومي الأوّل في المدرسة. في أحد الأيّام، وكجزء من معرض كبير عن حياتي وأعمالي، اكتشفت فجأة معلومة أنّ والديّ انتقلا ستّ مرّات من سكن إلى آخر قبل الحرب، كان والداي عاطلين عن العمل ومن ثمّ فقد كنّا فقراء. وحين تكون طفلاً لا تفهم هذه الأشياء جيّداً، لكنّك رغم ذلك تخضع لها.
* ألحقتك أمّك أوّلاً بمدرسة الفرنسيسكان الدّاخلية ثمّ نقلتك فيما بعد إلى مدرسة الأوغسطينيّين. ما الذي تبقّى داخلك من هذه الفترة؟
- تعلّمت الانضباط منذ ذلك الوقت، وخاصّة حبّ المؤلّفين الكلاسيكيّين الذين واصلوا إلهامي دائماً. فلو لم أقرأ هوميروس وأوفيد في هذه السنّ المبكّرة لربّما ما كتبت العديد من الكتب التي كتبتها لاحقاً. لكن رهبان المدرسة ومشرفيها رأوا أنّ لي تأثيراً سيّئاً على الطّلاب الآخرين - لا أعتقد ذلك، فقد كان أصدقائي قلّة – ولهذا السّبب فقد طردوني من المدرسة. تخيّلي لو كان بإمكاني البقاء ثم الدّراسة لاحقاً في الجامعة: هل كنت سأصبح كاتباً؟ أم أستاذاً جامعيّاً؟

* كتبت من قبل: «بعد الحرب أمسى كلّ شيء رماديّاً ومحزناً، ساد الفقر. وكنت ألهث خلف الحياة والضّوء». هل كان هذا هو السبّب المباشر لتقوم برحلتك الأولى؟
- نعم، فضولي كان يقودني على الدّوام، لذا قمت برحلات طويلة جداً، بما في ذلك إلى اليابان. وكتبت روايتي الأولى «فيليب والآخرون» بعدما قمت بأوّل رحلة طويلة بسيّارتي في أوروبا، عندها كنت في الثّانية والعشرين من عمري. بدأت مبكّراً جداً. صحيح أنّ الرّواية حقّقت نجاحاً لافتاً، لكن كان عليّ بعدها الانتظار 17 عاماً حتى أكتب الرّواية من جديد. بعدها كتبت قصائد وقصصّاً قصيرة ودوّنت رحلات فقط. وطوال هذه الأعوام كانت فكرة الرّواية الجديدة تنضج ببطء. هناك دائماً بالطّبع الخوف من الاختفاء، لكنّني كنت صبوراً وبعد سبعة عشر عاماً، أمكنني كتابة الرّواية من جديد.

* وهل كان السّفر أكثر أهمّية لديك وقتها من الكتابة؟
- لقد وجدت حينها صيغة لترحالي المستمر، وهذه الصيغة مفادها أنني لم أكن أعرف عن العالم ما يكفي لأكتب عنه شيئاً بعد. رأيت ذلك مع العديد من الكُتّاب الذين قدّموا أعمالاً جيّدة لولا أنها تفتقد للنّضج، وهو ما يجعلها تتبخّر سريعاً بعد نشرها كأنّها لم تكن، لكنّني لا أريد إعطاء وصفات للآخرين هنا، أريد فقط أن أتحدّث عمّا خبرته بنفسي.

* لماذا اخترت إسبانيا كوجهة أولى لترحالك الطّويل؟
- حدث ذلك عن طريق المصادفة ليس إلا، وجدت قوّة تجذبني بشدّة إلى إسبانيا. ربّما لأنّ إسبانيا كانت لا تزال حينها تحت الحكم الدّيكتاتوريّ ولم تتطوّر بعد إلى دولة حديثة. يمكن لي أن أتجوّل فيها مثل ستاندال والتّعرف على جوهر النّاس على نحو أفضل.

الحبّ.. الدّافع الآخر
* كان الحبّ هو الدّافع الآخر لنوتبوم المسافر دائماً. هل صحيح أن والد حبيبتك السّوريناميّ طلب منك الذّهاب والتّعرف عليه في سورينام من خلال التحاقك بالعمل كبحّار على متن إحدى سفن شركة الشّحن الخاصّة به؟
- كانت شابّة رائعة الجمال، وكان والدها رجلاً حكيماً حين أخبرني: «يمكنك القيام بهذه الرّحلة مجاناً أو العمل على ظهر السفينة حتى تصل. وفي الحالة الثّانيّة ستكسب مالاً». ولم يكن لديّ أيّ خيار آخر، وبالفعل وصلت إلى«باراماريبو» عاصمة سورينام بعد رحلة استمرت شهراً. وكان رجلاً خفيف الظّلّ، قضيت في ضيافته شهراً رائعاً، وفي النّهاية قال لي: «لن تتزوّج ابنتي أبداً، لكن صداقتنا ستستمرّ مدى الحياة». بقيت على إصراري المستميت للتّمسك بها، وسافرت على أحد سفنه عائداً إلى نيويورك، حيث تزوّجت ابنته هناك. ولكن بطريقة ما كان الرّجل على حقّ. فقد انفصلنا سريعاً وتزوّجت هي مجدّداً وتعيش الآن في إدنبرة، تبلغ من العمر اليوم 82 عاماً، لكنّها لا تزال تملك صوت الفتاة المراهقة ذاته الذي عرفتها به.
*يبدو لي اليوم أنّ إنجازك الأدبيّ كلّه هو مزيج من الانطباعات الشّخصيّة والفلسفيّة، حيث سعة اطّلاع كبيرة جعلتك تكتب في الشِّعر والسّياسة والطّبيعة، يمكننا أن نقول إنّك تقوم برحلات عبر الزّمن واللغة بدءاً من بورخيس وجومبروفيتش وزورباران وغيرهم، وصولاً إلى الحرب الأوكرانية وديون اليونان الموشك على الإفلاس. هل يمكنك شرح ما الذي يميّز إنجازك الأدبيّ عن غيره؟
- لا أعرف، لكن يبدو أن كتاب يوميّاتي الأخير«533» لم يكن موضع تقدير من قبل الهولنديّين. أشعر أنّهم أساؤوا فهم هذه اليوميّات إلى حدّ ما. ولكنّني لم أنزعج من هذا الفهم، فلا يزال لديّ الإسبان والإيطاليّون والفرنسيّون. أنا أميل إلى الجنوب صحيح، لكنّني لا أفقد الشّمال أبداً. (يضحك)

* وهل تكوّن هذا الإدراك بأنّك «كاتب أوروبيّ» خلال رحلتك الأولى إلى إسبانيا؟
- إدراك حقيقي بكوني أوروبيّاً؟ من الغريب أنّ مثل هذا الإدراك لم يتحقّق لي إلا في ألمانيا، حيث قضيت الكثير من الوقت. تلعب الصّدفة دائماً دوراً مهمّاً في هذه الأشياء. إحدى صديقاتي كانت تملك بيتاً مليئاً بالكتب في مدينة «بادن فورتمبيرغ» الألمانيّة، حيث كان والدها ناشراً، فكنت أقضي هناك بضعة أشهر وحدي تماماً كلّ عام. وكان مكان الإقامة منعزلاً وتحيط به الثّلوج والغزلان فقط. لم تمرّ العلاقات مع ألمانيا بسلاسة بعد الحرب، كان النّاس هنا غاضبين، وعندما دعيت للإقامة في هذا البيت من قبل صديقتي، ترددت في البداية، ولكنّني ذهبت بعد ذلك، وفي ألمانيا كوّنت صداقات مع أشخاص مهمّين من بينهم الفيلسوف«روديغز سافرانسكي». عشت في برلين كما في اليابان، لكن كانت ألمانيا هي الدّولة الوحيدة التي دخلت فيها كشخص في مواجهة مع الماضي، وقد تغيّرت البلاد الآن على أيّة حال.

أنا طفل حرب
* كنتَ في بودابست أثناء الانتفاضة المجريّة عام 1956، وكنتَ في برلين لحظة سقوط الجدار الشّهير عام 1989، وكنتَ في بوليفيا عندما كان تشي جيفارا مقيماً هناك. هل ترى أنّ العالم في لحظتنا الحاليّة لا يزال يوشك على الاشتعال مجدّداً؟
- نعم، لديّ هذا الشّعور بالطّبع، فأنا طفل حرب، وألاحظ كيف أنّ بعض الأشياء تعود هذه الأيام بطريقة خطيرة إلى ما كانت عليه سابقاً. وخاصّة في ألمانيا.

* وهل أنت خائف من اندلاع الحرب بين لحظة وأخرى؟
- الحرب ليست الكلمة الصّحيحة هنا، لكنّني أدرك على الأقلّ أنّ الأمور يمكن لها أن تزداد سوءاً. لكن لا فكرة لديّ عن الطّريقة التي ستؤول إليها الأمور. لكنّني أناصر الدّيموقراطيّة الأوروبيّة حتّى النّهاية، لأنّ هناك الكثيرين اليوم في أوروبا ممّن يريدون تدمير ما حقّقناه.

* وبماذا تفكّر عندما تنظر إلى عالمنا الرّاهن، والموشك على خوض الحرب مرّة أخرى: هل يتعيّن علينا الانسحاب من العالم لنسجن أنفسنا في حدائقنا الخاصة كما فعلت أنت؟
- بداية: أنا لا أعرف جميع الحلول. لكنّني أستطيع ملاحظة الأشياء وتحديد بعضها. ثانيّاً: أعتقد أنّه ترف غير مسبوق لو كنتَ قادراً على العودة إلى حديقتك الخاصة متناسياً ما يحدث في العالم حولك من أهوال.

* وهل عندما يبلغ المرء السّادسة والثّمانين من العمر يتوقّف عن القلق بشأن العالم؟
- حتى اللحظة لم أنجح في هذا، للأسف.

اقرأ أيضا

«بيبي فاطمة وأبناء الملك» في جلسة حوارية بـ «كتّاب الشارقة»