الاتحاد

ثقافة

فُرْشاة السلام تهزم الكراهية

لوحة «الحرب والسلام» السومرية

لوحة «الحرب والسلام» السومرية

نقلت الآداب والفنون الإبداعية عبر التاريخ ثقافات الأمم ونشرت حضاراتها، سواء عبر الكلمة والمخطوطات والكتب، أو المنحوتات الحجرية واللوحات. وكما في الأدب، قام الفن التشكيلي برصد واقع الأمم عبر لوحات فنية تروي وقائع حياتها في السلام وفي الحرب. إذ تُعدّ لوحة «الحرب والسلام» السومرية، التي عثر عليها في أور- جنوب العراق، أقدم لوحة تاريخية تصف الحرب وتنقل بعض وقائعها، ويعود تاريخها إلى عصر فجر السلالات 4600 سنة. بحيث تم بناء اللوحة كصندوق خشبي مجوف بمشاهد من الحرب والسلام وحياة العمل والسياسة في أور. فضلاً عن آلاف اللوحات التي نقل رساموها حروب الأمم في مختلف العصور. وهناك بابلو بيكاسو الذي خلد قصف مدينة غرنيكا في الباسك في لوحته «غرنيكا»، وهي تجسد المأساة البشرية بعد قصف المدينة في فترة الحرب الأهلية الإسبانية.
تروي ساشا ابنة الرسام الروسي إيفان إيفازوفسكي في مذكراتها نتيجة نقاش والدها مع قرينه الروائي ليو تولستوي بخصوص روايته «الحرب والسلام» أن والدها قال لصديقه تولستوي «يمكنني بلوحة واحدة اختصار روايتك العظيمة» ليبين له أهمية الفن التشكيلي في نقل صورة الواقع. وهو ذات ما يعتقده الفنانون المعاصرون الذين يسيرون على ذات نهج من سبقهم، لرصد حياة الشعوب وتحولاتها، خاصة في حالة الحرب، ولم يفتّهم التطلع إلى السلام ورسم عالمه.
وقد شهدت المنطقة العربية على مدار تاريخها حروباً ومعارك، شأنها كما كل الأمم والمناطق. وقارب الرسامون مشاهد تلك المعارك بالريشة واللون، وتشابهت اللوحات –تقريباً- في أفكارها ورصدها. ففي لوحات الحرب نجد لون الدم ومشاهد القتل والأسلحة ودمار المدن. كلوحات تشكّل النموذج لدى أتباع الفن الكلاسيكي. في حين كرّس مؤخراً العديد من فناني سوريا لوحاتهم لرصد واقع الحرب بطريقة مغايرة، تشير إليها د. نائلة ياسين، أستاذة الفنون بجامعة دمشق، حيث «تنقل لوحات الفنان السوري في هذه المرحلة الزمنية الفكرة لا المشهد، وتعكس الرؤى لا الصور. فغابت التقليدية المكرّسة في لوحات الحرب والسلام، التي اعتمدها «الكلاسيكيون» وتجاوز معظمهم مدارس أخرى، ليصلوا بلوحاتهم إلى مصاف التصوير البصري العالي، التعبيري منه والرمزي. بحيث يمكن لكل متابع أن يجد الترميز واضحاً في لوحاتهم من خلال طرق التعبير في الرسم وعرض الأفكار والألوان المستخدمة. لهذا كانت لوحاتهم أقرب إلى الإنسان. فنجحت لوحاتهم فنياً وجماهيرياً وفشلت لوحات أخرى تقريرية لفنانين تقليديين».
وتشكّل لوحة التشكيلي ضياء حموي عن الحرب، النموذج الذي قصدته د. ياسين، فلوحته أثارت مؤخراً جدلاً كبيراً بين الفنانين التشكيليين ونقاد الحركة الفنية. إذ أتم معها المعادلة البساطة والعمق عبر تصوير مخيف (تجريبي) رغم أن لا مشاهد حروب واقتتال وانفجارات أو وجوه داخل اللوحة. أداة واحدة فقط يقول عنها حموي «جدار.. استبدلت اللوحة القماشية بالجدار. والألوان كلها بواحدٍ. فقد أردت أن أرمز للحرب بفكرة مبتكرة حديثة ومفاهيم بصرية جديدة، لتكون لوحة خارجة عن المألوف، فلا يجب على الفنان اجترار كل ما هو تقليدي أو سائد، عليه أن يخوض حرباً مع أفكاره كي تتجدد».

«مِن الداخل»
يرغب الزائر لمعرض فني، أن يقف أمام لوحة حرب ويرى نفسه داخل لوحة الفنان كما يقول التشكيلي يوسف عبدلكي «يبحث زائر المعرض عن صدق الفنان في نقل مخاوف الإنسان في الحروب. يبحث عن نفسه وهو يبحث من داخل اللوحة عن وجوه أحبّته الذين قضوا أو خُطفوا أو سُجنوا أو غابوا مع ريح لا ترجع بخبر منهم».
باللونين الأسود والأبيض صوّر عبدلكي لوحة الحرب، وأصرّ على تقنية الرصاص، تأكيداً على أسود الحرب الحاضر، وأبيض السلام المنشود. رسم لوحة الجدّة المنكوبة بعائلتها، تبحث مع حفيدتها عن ابنها الوحيد الذي تبقى من العائلة، تقف أمام المشفى، المقبرة، السجن، الدنيا، تسأل أين هو يا حرب؟

صهر معدن الفنان
يستوحي التشكيلي لوحاته من محيطه وواقعه، ليؤكد على أن الحرب تلعب دوراً مباشراً في صهر معدنه، وبالتالي تساهم في إعادة تشكيل لوحته دون أن تبعده عن الهوية الفنية التي تميز بها ولا القضية الأم التي ينافح عنها في فنه. تؤيد التشكيلية علا الأيوبي هذا الرأي وتقول «لا يزال عالم المرأة وهمومها حاضراً في لوحاتي عن الحرب. فالحرب في كل مكان تستهدف المرأة سواء بالقتل أو الاختطاف أو الفقدان أو الفجيعة. لذا لم يتغير تناولي لقضية المرأة في نصي الفني، إنما تغيّرت ملامحها وأحوالها. فبعد الملامح الواثقة الشجاعة القوية المجابهة للمرأة، ظهرت ملامح الانكسار والقلق والإحساس بالخطر وفقدان الأمان والدمار الداخلي».
لم تتغير القضية الأم لدى الأيوبي. لكن في لوحتها «وجوه» رسمت جغرافية وجوه النساء بلغة الأحجام والتموجات والخطوط والأشكال الهندسية، تأكيداً منها على أن الحرب تدمّر المرأة وتشتتها كما انهيار الحجارة. وأن وجهها يغدو كحاوية للمدن المنكوبة ودمارها المقيم.
وبعد توقف عن ممارسة الفن التشكيلي استمر لسنوات، عاودت التشكيلية سميرة البيراوي نشاطها وحماسها للرسم ونقل معاناة البشرية ووطأة الحرب عليهم. وانطلقت من عالم الطفولة ليكونوا الشاهد على الحرب عبر عدة لوحات أبرزها «في عيونهم» تقول عن خيارها فكرة أن يرسم الأطفال الحرب «اخترت الاقتراب من عالم الطفولة لأنه سلاح ذو حدين، إذ يحفل بالمشاغبات اللونية والفكرة الصادمة! ولبساطة عالمهم وإمكانية فهم أحاسيسهم وعذاباتهم ومخاوفهم من قبل الزائر أو المشاهد للوحتي».
رصدت بذلك البيراوي عبر ريشتها حالات التعبير لدى أطفال لوحتها الذين لا نرى وجوههم! والمفاجأة أن المتلقي ستصله أحاسيس وتعابير الأطفال، ومدى اقترابهم أو ابتعادهم عن واقع الحرب، من خلال الجو العام للوحة.
ونحا التشكيليون كل باتجاه. ثمة لوحات عبّرت عن الوطن ككل، أو شتات وموت العائلة، أو المرأة والطفولة، وثمة من استوقفته الحرب ليرسم المكان الذي انهار، بينما هو حارس التاريخ وحافظ ذاكرته. يقول التشكيلي روفائيل شوحا «خشيت على مدننا القديمة وآثارها وتراثنا في الحرب من فقدان الهوية. لم يكن لدي خيار سوى تحويل لون النور إلى نار وتحويل ظلال الشمس إلى حريق يلتهم البيوت القديمة، في إشارة إلى ثنائية الغضب اللوني- الكوني».
استخدم بذلك روفائيل الألوان الزيتية في لوحته «المدينة القديمة» وفق منهج جديد يلعب على إبراز الكتلة اللونية على هيئة ضوئية لتكون الكتلة بحد ذاتها هي النار ودائرة الانفجار

ولادة بين ضحايا
في روايته «المصابيح الزرق» كتب الروائي حنا مينة «منذ الأيام الأولى للحرب، يتحدث الجميع عن السلام» وفي الفن التشكيلي لم يختلف الأمر، رفض بعض التشكيليين الغوص في ركام الحرب. وكرسوا لوحاتهم من أجل فكرة السلام، بذات طريقة انقلاب أقرانهم في لوحات الحرب على المدرسة الكلاسيكية وأتباعها. فلم نجد لوحات طيور الحمام والشمعة والراية البيضاء وأغصان الزيتون والوجوه الحالمة، في لوحات التشكيليين المتصلة بموضوع السلام، وتتالت المعارض وتوالت المسابقات لتبرز لوحات عن السلام مغايرة للأفكار والمفاهيم السائدة. ففازت لوحة التشكيلي نعمة بدوي «ولادة جديدة» في استفتاء موقع «ت ش ك ي ل» بجائزة «أفضل لوحة» ورأى الناقد المصري أحمد حمدي أنه «لم تشغل لوحة تشكيلية منذ الألفية الثالثة الناس والرسامين والمتذوقين وتحظى بمساحات من الاهتمام والثناء والإعجاب كما لوحة التشكيلي نعمة بدوي».
تُمثل اللوحة الفائزة رقعة شطرنج (البلاد) يحقق فيها الانتصار مولود صغير يرمز للسلام، ينبثق من بين أحجارها- ضحايا الحرب.
وبغية إيصال فكرة لوحته عن السلام، ولج التشكيلي صبري يوسف الميثولوجيا وقطف من سنابل «ديميتير» رمز الطبيعة والنبات لدى الإغريق. لأنه يرى «بعد كل زرع يأتي الحصاد. وإن مرّ بسهول الأرواح والمشاعر الإنسانية وأفسدها، لا بدّ من التمسك بسنبلة السلام لأنها تعطي قمح الخير. وعليه، لا غضاضة في استلهام رموز«السنبلة» من الملاحم والميثولوجيا التي تتفق جميعها على معانٍ جميلة للسنبلة».
تعمّد التشكيلي يوسف أن يمدّ أرض لوحته بلوني السهول الأخضر والذهبي، وملأها بالإشارات التي تدعو إلى المحبة والتسامح والتصافح والسلام، لمراعاة وحماية عمود الحياة إنسان الحرب البريء.
بينما سخّر فنانو التشكيل عناصر الكون والحجر والشجر والبشر لخدمة أفكارهم الفنية. سخّرت التشكيلية جمانة شجاع في لوحة «الفتاة الملاك» لتعكس استشرافها للمستقبل، فجمعت ثنائية الفكرة في وجه واحد. هما السلم والسلام، ورغم غرابة الفكرة التي انفلتت من عقال الكلاسيكية، بدت الهيئة التي ظهرت بها اللوحة، كلاسيكية بعض الشيء!
تفصل شجاع بين السلم والسلام «الأول يعني ردع العنف والكراهية وإقامة هدنة وتصالح، وهي قدرة بشرية. بينما السلام فهو يأتي بعد السلم ليتممه بالأمن والاستقرار والخلاص من الحرب. لهذا كانت فتاة اللوحة التي ترمز للسلم، في وضعية الحارس الصامد، والملامح متأملة مترقبة منتظرة حلول السلام كملاك أو هبة إلهية».
«ما يُفعل بحب يُفعل دائماً بفرح.. وما يُفعل بفرح يُفعل دائماً بإتقان» بهذه الخلاصة ينجز التشكيلي أحمد كرنو لوحة السلام خاصته، رامزاً إليه بالعرس، لأن «حلول السلام هو حلول عيد وحفلة عرس. وما اللوحة إلاّ تعبير عن المشاعر الإنسانية والآراء الفكرية، تظهر للمشاهد- المتلقي من خلال الخطوط والألوان المتجانسة والمتضادة التي تمزج بصورة موحية تسر الناظرين. فمشهد السلام ليس وقفاً على طيور الحمام والشموع التي تغيّب العتمة. السلام انفراج وفرح وصخب عرس».
ويخف الصخب اللوني مع التشكيلي ياسر محمود في لوحته عن السلام المعنونة «من أجل صغارنا» وبينما تعم مظاهر البهجة الطفولية في لوحته دون وجود أي طفل فيها. كانت الأشجار تتحول إلى بالونات ملوّنة! دون وجود معادل موضوعي واحد لدى المتلقي! لكنه موجود لدى محمود «الأشجار الأشبه ببالونات ملوّنة تحلّق في فضاءات ثلجية هي تكنيك تحرير اللون من صفة مجردة إلى العاطفة. فالسلام ليس أخضر اللون دائماً. أما في الفن التشكيلي فيمكن تجسيد السلام بالبهجة الطفولية لأنه الضمان لمستقبل الصغار».

اقرأ أيضا