دينا مصطفى - عمر الأحمد (أبوظبي)

غداً ، الخامس من نوفمبر، تدخل إيران حقبة سريان الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية، والشعب يحبس أنفاسه على وقع سيناريوهات ما يمكن أن يكون لهذه العقوبات من تداعيات، لاسيما أنها ستصيب مباشرة قطاعي النفط والبنوك الحيويين، بما يعني أن تأثيرها الكبير سيكون على الشعب القابل للانتفاض، دفاعاً عن قوتِه اليومي، وغضباً من نظام غير متأثر بمعاناة الأغلبية.
وهناك توقعات حول انفجار الغليان الشعبي، ولاسيما أن الاحتجاجات لم تتوقف منذ أشهر، متهمةً نظام الملالي بإنفاق الأموال على الحروب الخارجية بدلاً من الإصلاح الاقتصادي، ومطالبة بخفض الأسعار وإصلاح الحالة الاقتصادية.
ولكن في المقابل، لا يزال النظام يصر على تجاهل الاحتقان الداخلي في سبيل تمويل أذرعه الخبيثة في الخارج لجهة دعم العديد من الجماعات الإرهابية، من الحوثيين في اليمن، إلى الميليشيات في العراق وسوريا، و«حزب الله» في لبنان، وغيرها، حيث تشير التقديرات إلى أن طهران أنفقت عشرات المليارات من الدولارات على هذه الجهود، وهو ما دفع المتظاهرين إلى الهتاف مؤخراً «ليس غزة، ولا لبنان، حياتي من أجل إيران». ودفع سوء إدارة نظام الملالي للاقتصاد الإيراني، إضافة للفساد المستشري، إلى ارتفاع معدلات التضخم.
فيما توقع خبراء اندلاع ثورة جياع في ظل التطبيق الصارم للعقوبات الأميركية الجديدة على النفط والبنوك، ورأوا أن الشعب الذي يعاني منذ نحو أربعة عقود الفقر والجوع والبطالة، إضافة إلى القمع وإرهاب السلطة، والفساد في أجهزة الحكم والأمن والجيش، ناهيك عن أزمات الحروب وإنفاق المليارات على الميليشيات والعصابات الإرهابية، لن يبقى متفرجاً في مواجهة المزيد من الأزمات.

الآثار السلبية اقتصاديّاً
وضعت الحكومة الإيرانية 50 مليار دولار حدّاً لحصة الاستثمارات الأجنبية في موازنة العام الماضي، في مقابل 30 مليار دولار حداً لحصة هذه الاستثمارات في موازنة العام الجاري، وهو ما يُظهر مدى التعويل على دور الاستثمارات الأجنبية في توفير مصادر الموازنة العامة.
وبالتالي ستحرم الظروف الناتجة عن العقوبات، إيران من جزء كبير من هذه الاستثمارات، ما سيشكل عبئاً كبيراً على الموازنة العامة خلال العام الجاري والعام المقبل.
ولذلك توقع الخبراء عجزاً كبيراً في موازنة العام المقبل.
وإلى جانب الأثر السلبي الكبير للعقوبات على الموازنة العامة للعام المقبل، فإنها ستترك آثاراً سلبية كبيرة أيضاً على هياكل الاقتصاد الإيراني، ومن ضمنها معدلات النمو، حيث سيشهد الاقتصاد عام 2018 نمواً سلبياً، يتراوح بين -3.8% و-5.5% في حال استمرت العقوبات العام المقبل.
وأكد خبراء في دراسة أعدها «مركز الإمارات للسياسات»، أن معدل التضخم سيرتفع بنحو 40%، متأثراً بارتفاع قدره 200 في المئة في سعر الدولار، ومجموع تضخم قدره 48.6% نتيجة جمع التضخم السنوي والتضخم الناتج عن ارتفاع سعر الدولار خلال عام 2018.
هذا بالإضافة إلى ركود وتضخم القطاع العقاري، حيث اعتمدت الحكومة الإيرانية كثيراً على تحريك قطاع العقارات لإنعاش الاقتصاد الذي يعد من أكبر القطاعات في إيران من حيث الأثر الاقتصادي.
وفي التوقعات أيضاً، تفاقم أزمة إفلاس المصانع، وتوقف قطاعات إنتاجية واسعة بموجب العقوبات المفروضة على إيران، وارتفاع أسعار الدولار والمواد الخام الناتجة عنها، ما قد يؤدي إلى انهيار كبير في المصانع والشركات الإنتاجية.
وتشير الأرقام الحكومية إلى توقف العمل في 50 شركة عاملة في إنتاج قطع غيار للسيارات.
وتتحدث أرقام أخرى عن 15 ألف مليار ريال خسائر في قطاع إنتاج السيارات، وفصل نحو 17500 عامل في هذا القطاع منذ بدء العقوبات في أغسطس.
وفي الحصيلة، أقر وزير العمل الإيراني السابق باحتمال تعطُّل أكثر من مليون عامل إيراني في حال استمرار العقوبات، وهي أرقام تؤكدها دراسات تشير إلى أن نحو 950 ألف عامل سيتم فصلهم في حال توقف بيع النفط، أو هبوطه إلى مستويات قياسية، بالإضافة إلى توالي انهيارات العملة الوطنية، وتفاقم العجز في الميزانية واحتمالات انهيار صناديق التقاعد وصناديق الادّخار.
سياسة التقشف لن تجدي
إلى ذلك، أكد رئيس وحدة الدراسات الإيرانية بمركز الإمارات للسياسات الدكتور محمد الزغول، أن إيران ستواجه سيناريوهات انهيار مشابهة لما حدث لنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وللاقتصاد الفنزويلي، مستعرضاً إجراءات احترازية سيقوم النظام الإيراني باتخاذها بهدف امتصاص أثر العقوبات القاسية والغضب الذي سيواجهه من قبل الشعب.
واستعرض الزغول في تصريحات لـ«الاتحاد» تأثير وسيناريوهات الحزمة الثانية من العقوبات، حيث ذكر أن الاقتصاد الإيراني يعتمد على الموارد النفطية بشكل مفرط، إذ يشكل النفط نحو 65% من قيمة الصادرات، وأنه إذا شُملت المنتجات النفطية والبتروكيماوية، فحينها ستتجاوز نسبة صادرات المواد النفطية 80% من كل الصادرات، مشيراً إلى أنها حقائق مثيرة للرعب في بلد ينتظر حظراً شبه كامل على صادراته النفطية من جانب الولايات المتحدة.
وأضاف أنه بالنظر إلى وضعية الإيرادات الإيرانية، قد تستطيع الحكومة الصمود خلال هذا العام رغم العقوبات المفروضة عليها، ولكن العقوبات ستعمل على رفع أسعار النفط عالمياً، ورفع سعر الدولار في السوق الإيرانية.
كما أن الحكومة ستواجه عوائق كبيرة خلال العام المالي الإيراني المقبل (مارس 2019 -مارس 2020)، في حال استمرت العقوبات.
وتابع: «في حال استمرار العقوبات على أشدها العام المقبل، فإنه يفترض أن تنخفض صادرات النفط الإيرانية عند 700 ألف برميل يومياً (وقد تنخفض إلى مستويات أكبر)، وبعد انتهاء موجة الطلبات للنفط الشتوية، وتكيف السوق العالمي مع بدائل النفط الإيراني، وقد يشهد سعر النفط انخفاضاً يمنع إيران من المناورة على الإيرادات النفطية في تقويم الموازنة العامة.
وأضاف أن العام المقبل سيكون عصيباً على إيران على مستوى إمكانية نقل الأموال الناتجة عن بيع النفط والصادرات الأخرى إلى الاقتصاد، لافتاً إلى أن تجارب العقوبات السابقة بيّنت أن إيران اضطرت إلى تخزين كم كبير من إيراداتها من صادرات النفط وغيره في بلدان أخرى مثل الصين، وبعض البلدان الأوروبية، ودول أخرى، دون أن تتاح لها فرصة نقلها إلى إيران، وقد ذكرت مصادر أن العقوبات يمكن أن تكلف إيران نحو 20% من كل دولار كتكلفة نقل أموال في مسيرة التصدير والاستيراد، علاوة على الأثر السلبي الذي تتركه العقوبات في مجال جذب الاستثمارات الأجنبية.
وتطرق الزغول إلى الإجراءات الاحترازية التي قد يتخذها النظام الإيراني، حيث ذكر أنه إلى جانب المساعي الإيرانية المتواصلة للاحتيال على العقوبات كخط دفاع أولي عن الاقتصاد، تتجه حكومة روحاني خلال الفترة المقبلة، وخصوصاً خلال 2019 إلى تطبيق برامج بهدف امتصاص تأثير العقوبات التي لا تفلح محاولات الاحتيال بتجنب تأثيرها.
وهذه الإجراءات تمثل خط الدفاع الثاني عن الاقتصاد، ومنها «سياسة التقشف الاقتصادي»، والتي تتجه الحكومة الإيرانية فيها نحو منع استيراد بعض البضائع بغية التصدي لخروج العملة الصعبة من الاقتصاد، ومنع تصدير بضائع أخرى، بغية الحفاظ على أسعار السلع، كما أنها ستحاول التدخل في توزيع العملة بين المستوردين من أجل إدارة العملة الصعبة.
والإجراء الثاني يكمن في امتصاص الدولارات المنزلية: التي يدّخرها الإيرانيون خارج النظام المصرفي، وفي بيوتهم.
وذلك للاستفادة من هذا المخزون الذي يبلغ نحو 25 مليار دولار.
ولتحقيق هذه الغاية قد تلجأ الحكومة إلى التراخي في مواجهة عمليات السطو، لدفع الناس إلى الادّخار في البنوك.
وأضاف أنه في ظل العقوبات الجديدة بات من المرجح أن تضطر الحكومة أيضاً إلى تقليل من الشرائح التي تتلقى الدعم النقدي بغية تخفيف العبء عن مصادر الموازنة، وهو ما قد يؤدي إلى موجات احتجاج شعبية عديدة في العام المقبل.
كما سيلجأ النظام إلى زيادة أسعار الوقود والاعتماد على نظام الحصص بهدف الاستفادة من فارق السعر، والتقليل من استخدامه والتخلص من النقص الناتج من انقطاع إمدادات الوقود بعد عودة العقوبات، ولكنّ مثل هذه الإجراءات غير الشعبية تعمل بشكل آلي على زيادة منسوب الاحتقان الداخلي، وترفع احتمالات تفجر الغضب.

السيناريوهات المحتملة
واستعرض الزغول السيناريوهات التي قد تحدث للمشهد الإيراني في ظل العقوبات، الأول منه: النموذج العراقي خلال عهد صدام حسين، حيث تستمر العقوبات لفترة من الزمن وتنتهي بنوع من نظام «النفط مقابل الغذاء» لتؤدي إلى تآكل أجهزة النظام الإيراني، وتستعد الولايات المتحدة وحلفاؤها لضرب إيران بعد أن أصبحت ضعيفة البنية من جهة، وضعيفة الشرعية من جهة ثانية.
أما السيناريو الثاني: فهو النموذج الفنزويلي، إذ يفترض أن تستمر الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات، فتؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإيراني، دون أن ترافق ذلك احتجاجات اجتماعية وسياسية تستطيع هز كيان الدولة، تماماً مثلما يحدث في فنزويلا.
ونتيجة هذه الحالة قد تكون استمرار النظام ولكن على شكل الدولة الفاشلة (Failed state) مثل ما يمكن مشاهدته في بعض دول القرن الأفريقي، أو وسط أفريقيا.
إلا أن موقع إيران الاستراتيجي وسابقة الاحتجاجات الناجمة عن الضغوط الاقتصادية قد تجعل السيناريو هذا مستبعداً، وتفتح المجال أمام اضطرابات تقضي على النظام.
والسيناريو الثالث، هو نموذج «عودة إيران إلى التحالف مع الولايات المتحدة»، إذ يفترض أن تؤدي الضغوط الاقتصادية الناجمة عن العقوبات والضغوط الاجتماعية الناجمة عنها إلى «عودة الإيرانيين إلى رشدهم» من وجهة نظر الإدارة الأميركية.
وما يجعل هذه الإدارة ترى احتمال حدوث ذلك، هو سابقة السلوك الإيراني خلال العقوبات السابقة، والتي أدت إلى تنازل إيران عن الملف النووي، ودفعها إلى مفاوضات كانت نهايتها الاتفاق النووي.
وتشير تأكيدات ترامب إلى أن الإيرانيين سيعودون إلى طاولة المفاوضات عاجلاً أم آجلاً، ويحاول الأميركيون تنظيم عقوبات ذكية وسريعة المفعول، لتعيد إيران الكرة وتقوم بالتفاوض.
موجة هجرة داخلية
بدوره، قال الباحث في الشؤون الإيرانية محمد عباس، إن العقوبات قد بدأ تأثيرها بالفعل قبل تطبيقها، فقد انهارت العملة الإيرانية مع ارتفاع معدل البطالة والتضخم، وتواصل الاحتجاجات وتقلص الصادرات النفطية الإيرانية عن بلاد بدأت في مراجعة استيراد النفط مع بدء سريان الحزمة الثانية من العقوبات.
ورجح رئيس تحرير مجلة «مختارات إيرانية» في تصريحات لـ«الاتحاد» أنه مع استمرار إيران في التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة واستمرار تمويلها لجماعات إرهابية، مثل الحوثيين و«حزب الله»، سيؤثر ذلك سلباً على اقتصادها المتهاوي.
وأضاف أنه مع بدء العقوبات، ستتقلص صادرات النفط الإيرانية بنسبة 40%. وقال إن العقوبات ليست فقط على تصدير النفط، ولكن على وسائل نقله أيضاً من شركات مختلفة الجنسيات، وشركات التأمين، وأضاف: «لذا فقد بدأت إيران في التفكير ببدائل لحل المشكلة، مثل نقل النفط على ناقلات إيرانية لتتفادى رفض الشركات التي ترفض التعامل مع إيران، والأكثر من ذلك أن الناقلات الإيرانية أصبحت تغلق أجهزة التتبع الاخصة بها حتى لا يتعرف أحد على وجهتها وتوقيت ذهابها ورجوعها، وحتى لا تتم معرفة إجمالي حجم النفط الذي تبيعه وهو أسلوب من أساليب التلاعب للتحايل على العقوبات».
ورأى عباس أن مساعي الإدارة الأميركية لتصفير صادرات النفط الإيرانية قد تحدث ولكن بعد أشهر عدة من تطبيق العقوبات، ?وستحاول إيران استخدام نظام المقاصة، ولكن الفيصل سيكون بمدى نجاح التطبيق. فالتعويل ليس على الدول، ولكن على مدى نجاحها في تطبيق العقوبات.
وحذر من أن إيران لديها خبرة كبيرة في خلق الثغرات للتغلب على العقوبات حيث تقوم بتهريب النفط للدول المجاورة، كما أن في جعبتها ثغرات للتحايل على العقوبات، فهي تهرب الدولارات وتبيع النفط لشركات قطاع خاص وهم يدفعون ثمن بضائع أخرى من دول أخرى، وهكذا.
وأضاف أنه بالرغم من العقوبات الماضية، إلا أن إيران طورت برنامجها النووي بشكل كبير ورفعت قدراتها إلى 19 ألف جهاز طرد مركزي ونسبة تخصيب 20%. ولفت عباس إلى أن الولايات المتحدة تعرف أيضاً كافة الطرق التي يمكن أن تتحايل بها إيران على العقوبات وكيفية سدها، متوقعاً أن تكون العقوبات هذه المرة شديدة جداً لتضييق الخناق على إيران وتكثيف ضغط عالمي كبير لن تتمكن من مواجهته.
كما شدد على أن احتجاجات الشارع الإيراني المرتقبة ستتضمن جميع الفئات من تجار ومزارعين وعمال وموظفين، فمثلاً تجار البازار من أكثر النخب المتأثرة بالعقوبات، ولا يستطيعون إتمام أي صفقات الآن بسبب التضييقات على الدولار ونظام «السويفت».
كما أن هناك موجة هجرة داخلية، هرباً من العقوبات، وهذا سيوثر على ديموغرافية إيران، فالمدن التي ستصبح أكثر تأثراً بدأ أهلها في النزوح إلى مناطق أخرى أقل تضرراً. فمن سيفقدون وظائفهم يهاجرون شمالاً وهكذا.

أجنحة النظام مرتبكة
من جانبه، قال المعارض الإيراني حسن راضي إن النظام الإيراني سيعاني العقوبات بشكل كبير، فهو يعاني تضخم وتراجع العملة، كما أن هناك بطالة مرتفعة جداً، وارتفاعاً في الأسعار وتقلباً في الأسواق، وبالتالي ستزيد الاحتجاجات والمظاهرات المطالبة بوضع معيشي أفضل.
فالنظام ليست لديه حلول وحتى التغييرات التي قام بها من تغيير وزير الاقتصاد إلى محافظ البنك المركزي لن تستطيع مواجهة الحزمة الثانية الصارمة من العقوبات.
وأكد راضي في اتصال هاتفي من لندن مع «الاتحاد» أنه ستكون هناك ارتدادات واسعة وحتى لجهة قمع واعتقال نظام الملالي للمحتجين بما سيزيد الوضع سوءاً.
فبين أجنحة النظام كل طرف يلوم الطرف الآخر، والرأي العام بدأ في حملة انتقادات واسعة ليس فقط ضد روحاني ولكن ضد المرشد خامنئي أيضاً، حيث يحملونه تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية.
ورجح راضي وجود سيناريوهين، الأول أن يتلاعب النظام ويحاول قمع المحتجين ويتبع سياسات تقشفية غير مجدية والهروب إلى الأمام، والسيناريو الآخر أن يقبل الشروط الأميركية.
ورجح تطبيق السيناريو الثاني، حيث بدأ النظام الإيراني بالفعل التلميح إلى المفاوضات مع الإدارة الأميركية.
ولفت أنه على الرغم من أن خامنئي يصر علناً أنه لا تفاوض مع الإدارة الأميركية، فإنه سيتفاوض معها في النهاية، إذ لديه وجهان، هذا الوجه الذي يتحدث فيه بعدائية واستعلاء أمام وسائل الإعلام، والوجه الآخر هو الوجه الدبلوماسي الذي يقوم فيه بالتفاوض سراً.

الفقراء والتمرد القادم
توقعات الخبراء والمتخصصين ترجح أن يظهر التأثير المدمر للعقوبات الأميركية الجديدة على إيران وبشكل واضح على الفقراء، لأنها تستهدفهم في أدق تفاصيل حياتهم، بينما لن يتأثر ولو نسبياً المحسوبون على «نظام الملالي».
ويرى هؤلاء أن الشارع سينفجر قريباً غضباً وسخطاً من الإيرانيين من سياسات حكومة روحاني التي وضعتهم في ذل اقتصادي يتجرع مرارته الفقراء والبسطاء.
ويشعر الإيرانيون باحتقان شديد مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والإيجارات، ونفاد إمدادات الأدوية الحيوية المستوردة، بسبب تراجع قيمة الريال.
وفي خلفية المشهد تلوح احتجاجات كانت ضربت أنحاء متفرقة من البلاد بسبب تدهور المستوى المعيشي.
وبحسب المجلس الوطني الإيراني الأميركي، فإن أكثر من 80 مليون إيراني سيشعرون بالضرر الناجم عن العقوبات التي كان بدأ سريان الحزمة الأولى منها في أغسطس الماضي، مستهدفة صناعة السيارات الإيرانية، وتجارة الذهب، والمعادن الثمينة، ومشتريات طهران من الدولار. فيما ستفرض الحزمة الجديدة العقوبات الأشد على مبيعات النفط وقطاع البنوك. وتضع الحزمة الثانية من العقوبات قطاع الطاقة في مرماها، وستسعى إلى تقليص صادرات النفط حتى تصفيره، وستوقف التعامل مع البنك المركزي، وهو ما من شأنه إرباك الاقتصاد كثيراً. فحكومة طهران لن تقدر على المواجهة، والبرامج غير واضحة وغير دقيقة، والمطروح للتعامل مع سوق الصرف السوداء ومحاولات ضبط العملة أيضاً ليس استثنائياً ولا يوفّر حلولاً جذرية.
وبحسب مراقبين، فإن الفقراء سيطيحون النظام عبر التمرد، إذ لن يجدوا أمامهم سبيلاً إلا إطاحة النظام.
لكن بطبيعة الحال، سيظل مستقبل إيران غامضاً، بانتظار تداعيات ركود الاقتصاد، ودخول النظام في أزمات خطيرة.
فالأزمات التي قد تبدأ بشرارة، أو حادث أو احتجاج غير متوقع، أو انفجار، أو خطاب غير موزون، أو تحرك غير عاقل، ستؤدي إلى احتجاجات من قبل الفقراء والمهمشين.
ويؤكد هؤلاء أن هناك فارقاً بين تمرد الحفاة وبين احتجاجات الجامعات والطبقة المتوسطة من الشعب، حيث إن الأخيرتين لهما قيادات يمكن السيطرة عليها، ولكن الصنف الأول لا قيادة له ولا سيطرة عليه. ففي عام 1999 عندما خرجت طهران عن سيطرة القوات الأمنية لفترة في حين لم يشارك في الاحتجاجات حينها سوى طلاب الجامعات، تمت السيطرة عليها في النهاية.
ولكن في حال انتفض الملايين من العاطلين عن العمل والمهمشين والفقراء، فهؤلاء لن يقبلوا التفاوض ولا القيادة حيث سيكون هدفهم واضحاً جداً. فهؤلاء لن يقبلوا الوضع الموجود، وسيستمرون في تمردهم حتى الإطاحة بالنظام السياسي.
وثمة احتجاجات متعددة اندلعت ضد النظام منذ أواخر العام الماضي. ولكن ربما تصبح أكثر تعقيداً في الفترة المقبلة، فهي ككرة الثلج التي يزيد حجمها مع كل احتقان وغضب.. واليوم تدخل إيران مرحلة جديدة وحدها الأيام قادرة على الإجابة عن أسئلتها وسيناريوهاتها المقبلة.

بين العقوبات وهدنة الـ3 سنوات

شهدت إيران منذ الثورة عام 1979، العديد من العقوبات الأميركية كان أبرزها عام 1996، عندما وقع الرئيس بيل كلينتون في ذلك الوقت على قانون العقوبات على ليبيا وإيران المعروف باسم «داماتو» الذي أقره الكونجرس، ثم أجريت تعديلات عليه، حيث شطبت منه العقوبات على ليبيا واقتصرت على إيران. إذ اعتبر المشرعون أن الأسباب فيما يتعلق بإيران ما زالت قائمة، ومنها «دعم الإرهاب».
وفي 2003، برزت بدايات أزمة البرنامج النووي الإيراني مع المجتمع الدولي، عندما أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران أخفقت في التزاماتها تجاه معاهدة حظر الانتشار النووي وبأنها لم تكن شفافة في نشاطاتها النووية أو استيرادها للمواد مزدوجة الاستخدام.
وتعمقت الأزمة عام 2006 حين أمر الرئيس الإيراني السابق، أحمدي نجاد، بوقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأمر الذي دفع مجلس الأمن الدولي إلى إصدار ثلاثة قرارات ضد إيران في 2006، و2007، و2008 بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وتتعلق بمنع استيراد وتصدير المواد والمعدات النووية الحساسة لصالح إيران، وحرمانها من المعدات والتكنولوجيا التي من شأنها أن تساعد على تطوير البرنامج النووي.
وتضمنت القرارات عام 2007، تشديد العقوبات على إيران لعدم امتثالها للقرار السابق الذي يطالبها بوقف أنشطة التخصيب. وتضمن القرار فرض حظر على صادرات السلاح الإيراني، وتجميد أصول الأفراد المتورطين في البرنامج النووي الإيراني وتطوير الصواريخ الباليستية ومنعهم من السفر.
ثم تبنت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما سياسة مختلفة تجاه الملف الإيراني تعتمد على «الخيار الدبلوماسي» في التعامل مع إيران. وبعد تعثر المفاوضات تارة وتحسنها تارة أخرى، وقعت إيران عام 2015 مع دول «5+1» (الدول الخمس الكبرى وألمانيا) الاتفاق النووي الذي وافقت إيران بمقتضاه على أخذ سلسلة من الخطوات، من بينها تقليص أجهزة الطرد المركزي وتعطيل جانب رئيسي من مفاعل آراك مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها من قبل واشنطن والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
ومع تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة أعلن أنه سيعيد النظر في موضوع الاتفاق النووي ملمحاً إلى أنه سينسحب منه. وفي يناير 2018 أعلنت الإدارة الأميركية فرض عقوبات مالية على خمس شركات إيرانية بعد اتهامها بالمشاركة في برنامج صناعة الصواريخ الباليستية الإيرانية. وفي 8 مايو الماضي، أعلن ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، كما أعلن عزمه إعادة العمل بالعقوبات الاقتصادية على طهران والشركات والكيانات التي تتعامل معها.