الاتحاد

دنيا

بروتين القطط يكشف أسرار الحساسية


صلاح الحفناوي:
الحساسية·· عذاب في كل بيت، معاناة لا تتوقف أبدا، رحلة طويلة مع التشخيص والعلاج قد يستمر طوال العمر·· تفسير غامض للأسباب وإخفاق واضح للعلماء في تحقيق انتصار حاسم رغم نجاحهم في تخفيف المعاناة، وإحباط مؤكد للمرضى·· فالحساسية ليس لها علاج يستأصلها من جذورها·· ومعظم العلاجات المتوفرة في سوق الدواء تتعامل مع الأعراض·
الحديث عن الحساسية يقودنا إلى قائمة طويلة من الأعراض والأمراض·· حكة جلدية والتهابات مؤلمة عندما تصيب الجلد، صداع لا يحتمل وأنف مسدود دائما ورشح لا يتوقف وعطاس متكرر عندما تصيب الأنف وجيوبها، احمرار وحكة والتهابات عندما تصيب العين·· أزيز واختناق وضيق تنفس ونوبات شرسة عنيدة مخيفة، عندما تصيب الشعب الهوائية·
والحديث عن أكثر الأمراض أو الأعراض انتشارا على الإطلاق حيث لا يكاد يخلو بيت من مريض أو أكثر مصاب بنوع من أنواع الحساسية يقودنا إلى قائمة غريبة من المسببات والعوامل المساعدة على الإصابة بالحساسية وعلى تفاقم نوباتها·· تبدأ من مائدة الطعام حيث الشيكولاته والمشمش والأسماك وغيرها الكثير·· مرورا بالغبار والطلع وفراء القطط والأرانب وكل الحيوانات المنزلية والداجنة وحشرة الفراش وصولا إلى العطور ورائحة الزهور والمنظفات الصناعية والإكسسوارات النسائية والمطاط والكيمياويات بأنواعها وعوادم السيارات وكل مسببات التلوث البيئي·· وما يصيب شخص ما بالتحسس لا يؤثر في غيره·· هناك من يتورم جسمه ويلتهب جلده بمجرد تناول موجبة اسماك شهية·· وهناك من تداهمه نفس الأعراض بشراسة بمجرد تناول بعض حبات المشمش·· وهناك من تتورم أصابعها وتلتهب وتحمر إذا لمست بيديها الصابون السائل·· وهناك من تهاجمه نوبات السعال واللهاث بمجرد استنشاق رذاذ مبيد حشري أو معطر للجو أو رائحة عطرية ذكية·· وهناك من لا يتأثر بكل ذلك·· لماذا؟·· حتى الآن لا إجابة حاسمة·· ولم يعد أمام العلماء سوى الاتجاه بأنظارهم إلى الجينات الوراثية لعلهم يجدون فيها السر المجهول·· ويبقى السؤال: الحساسية على أين؟·
في بريطانيا أعلن فريق من العلماء أنهم طوّروا تقنية قد تسمح بالوقاية من الحساسية التي تسببها القطط·· وهو بالنسبة لهم إنجاز مهم جدا·· ففي المملكة المتحدة، تشكل الحيوانات الأليفة ثاني أهم سبب للحساسية في المنزل، و يعاني 50 في المئة من الأطفال المصابين بداء الربو يعانون من حساسية القطط··
وقد جمع فريق من الباحثين جزء من بروتين بشري مع مادة مثيرة للحساسية مستخرجة من قطة·· وكشف تقرير لدورية'طب الطبيعة' أن الفئران التي تم معالجتها بالبروتين المختلط لم تفرز أي مواد تحسسية·
وتوجد المادة المثيرة للحساسية عند القطط في أجزاء صغيرة جداً تتحوّل إلى مواد تنتقل في الهواء عندما تُنثر وهي سهلة الاستنشاق·· وعندما يواجه شخص ما حالة حساسية، يفرز جهاز المناعة مواد كيميائية، كرد فعل على وجود المواد المسببة للحساسية كوبر القطط· وتؤثر هذه المواد على أجهزة تلقي محددة على سطح خلايا المناعة ونتيجة ذلك تُطلق مادة الهستامين في أنسجة في الجسم، وتسبب أعراض كالحكاك، والعطاس وسيلان العينين والأنف·
وتعتمد علاجات أخرى مرتكزة على المناعة على حقن متكررة من المواد المسببة للحساسية مع زيادة العيار بشكل تدريجي كل مرة·
وقال الباحث أندرو ساكسون: 'أردنا بناء نظام يقي من المرض عند التعرض لمواد مثيرة للحساسية، ويحافظ في الوقت ذاته على نظام المناعة على المستوى البعيد·· ويمكن استعمال التقنية ذاتها لاستهداف أنواع الحساسية الأخرى'·
بروتين العين
وفي بريطانيا أيضا اكتشف العلماء أحد البروتينات الموجودة في العين والذي يلعب دورا مهما في إحداث رد الفعل الذي يسبب الحساسية·· وقال فريق البحث التابع لجامعة لندن كوليدج إن تثبيط تأثير هذا البروتين قد يؤدي إلى إيجاد علاج جديد لأمراض الحساسية·
ويقدر عدد المصابين بأنواع الحساسية المختلفة في الغرب بأكثر 30 بالمائة من السكان، حيث يصاب نحو 17 مليون شخص في بريطانيا وحدها بالربو والتهاب الجفون والإكزيما وحمى الدريس أو القش· وقد نشرت تفاصيل البحث في دورية البحث الإكلينيكي·
ومن خلال التجارب التي أجراها العلماء على الفئران وجدوا أن البروتين المسمى 'إم آي بي ـ 1 ايه' يلعب دورا أساسيا في المراحل الأولى من تكوين حساسية العين·· ويعتقد العلماء أن نفس هذا البروتين أو جزيئات مشابهة تلعب نفس الدور في تكوين أنواع أخرى كثيرة من الحساسية·· ويعتقدون أنه من الممكن استحداث أدوية تؤدي إلى تثبيط هذا البروتين وبالتالي منع الحساسية·
وتحدث أعراض الحساسية من مرحلتين متتابعتين، الأولى هي حدوث رد فعل فوري مفرط خلال ساعة واحدة من التعرض لمسببات الحساسية· وفي هذه المرحلة تطلق الخلايا المسؤولة عن إحداث الحساسية مادة الهستامين وغيرها من الجزيئات ومنها ما يعرف بجزيئات الكيموكين، ويعد البروتين 'إم آي بي ـ1إيه' أحد تلك الجزيئات·· أما المرحلة الثانية وهي التي تحدث خلال 12 إلى 24 ساعة من التعرض لمسبب الحساسية، فتحدث عندما يتم تعبئة الخلايا المتهيجة لمكان التهيج· واكتشف فريق البحث أن البروتين، 'إم آي بي-1إيه'، يلعب دورا مهما في المراحل الأولى من رد الفعل المتعلق بالحساسية في الغشاء الشفاف الذي يغطي السطح الداخلي لجفن العين والسطح الخارجي للعين والمعروف أيضا باسم الملتحمة· كما يلعب دورا مهما في المرحلة الثانية أيضا المرتبطة بالحساسية المزمنة·
ويقول قائد فريق البحث البروفيسور سانتا جيرمي أونو إن أدوية حساسية العين الشديدة المستخدمة حاليا إما أن تكون غير فعالة أو لها أعراض جانبية مثل الإصابة بالمياه الزرقاء أو تكون المياه البيضاء·· ويقوم فريقه حاليا باختبار عدد من الأدوية المعروفة بالفعل والتي تقوم بتثبيط هذا البروتين·
ويضيف: وجدنا أن هذا البروتين هام بالنسبة للمراحل المبكرة جدا من الحساسية، وهو ما يعني أن هذا العلاج سيكون أكثر فاعلية من الأدوية التي تعمل في المراحل المتأخرة من تطور المرض، مثل مضادات الهستامين'·
ويؤكد الدكتور مايك ماثيوز، رئيس الجمعية البريطانية لأمراض الحساسية إن الأدوية الحالية لعلاج الحساسية عن طريق مضادات الهستامين وغيرها ربما لها آثار جانبية غير مستحبة وغير دقيقة في استهداف المرض·· وأي اكتشاف يحدد طبيعة رد الفعل المتعلق بالحساسية بدقة أكثر سيفتح الطريق أمام تطوير أدوية قد تكون أكثر فاعلية وأكثر أمنا·· متى·· ربما بعد سنوات·
الحساسية البروتينية
وفي بريطانيا أيضا تمكن فريق من العلماء من تحديد البروتين المسؤول عن إحداث الحساسية مما سيكون له أكبر الأثر في التوصل إلى علاجات جديدة لحالات الحساسية·· وقال الباحثون لمجلة ناتشر العلمية إن التجارب على الفئران أظهرت أن التركيز على منع بروتين 'بي 110 دلتا' الموجود في الخلايا الدهنية التي تسبب الحساسية خفض بشكل كبير من ظهور أعراض الحساسية على الفئران·
ويمكن أن تؤدي الدراسة التي أجراها مركز لودفيج لأبحاث السرطان فرع لندن إلى أن تعالج الأدوية أسباب الحساسية وليس أعراضها كما جرت العادة·
وتعرف الحساسية بأنها ردود فعل غير مناسبة من الجهاز المناعي في جسم الإنسان تجاه مسببات الحساسية والتي يمكن أن تكون تراب أو حشرات أو حيوانات أو روائح وتظهر هذه الحساسية على هيئة رشح الأنف أو التهاب العينين أو الكحة أو احمرار الجلد·
وقد زاد عدد الناس الذين يصابون بالحساسية خلال العشرين عاما الماضية وفي بريطانيا يوجد تسعة ملايين مصاب بحمى القـش وستة ملايين مصاب بالاكزيما، وخمسة ملايين مصاب بالربو·
ويعتقد الفريق، الذي ينتمي إلى فرع جامعة لندن من مؤسسة لودفيج، وهي مركز دولي له فروع في سبع دول أن هذا البحث قد يغير أسلوب وطريقة علاج الحساسية·
ويقول الباحث الدكتور، بارت فانهيزبرويك، إن هدف فريق البحث هو تطوير مثبطات لأسباب الحساسية إلا أنه حذر من أن توفير علاج يصلح للبشر مازال أمامه طريق طويل· ويعتقد الفريق أيضا أن هذا البروتين قد يكون له تأثير في علاج مرض السرطان، ويشير بعض الخبراء إلى أنه قد يتم تطوير هذا العلاج خلال السنوات العشر القادمة·

اقرأ أيضا