الاتحاد

دنيا

النباتات ترقص وتحب وتكره وتأخذ الحيطة


دبي ـ محمد الحلواجي:
تنطوي دورة الحياة على كوكبنا الأرضي على حقائق أغرب من أن يصدقها العقل·· كونها دورة خاضعة لقانون القوة··وانتخاب الطبيعة لقانون التجاذب الأبدي بين القوي والضعيف·· ومن ثم الضعيف فالأضعف إلى ما لا نهاية· تلك الدائرة الكبيرة التي تلتهم في طياتها دوائر أصغر فأصغر إلى حد مذهل في مختلف سلالات الكائنات الحية·· فقد تعلمنا وتعلم آباؤنا من قبلنا أن الأبقار والأغنام والفيلة تتغذى على النباتات (كما درجت كتب الأحياء على تسمية هذه العملية) لكن الدراسات العلمية الحديثة تطرح اليوم صورة مختلفة كليا فتصنف هذه الحيوانات العاشبة في دائرة الافتراس أيضا·· فهي تفترس النباتات قبل أن تفترسها الضواري!
كما أثبت العلم الحديث اليوم أن النباتات تفكر وتشعر وتحب الانسان الذي يعتني بها وتكره من يؤذيها·· بل وتأخذ الحيطة والحذر رغم كونها واقفة في مكانها منذ ملايين السنين· فقد بينت تقنيات التصوير السريع للنباتات عن طريق أخذ لقطة لها كل خمس دقائق خلال مراحل نموها·· ثم عرض هذه اللقطات بشكل متتال وسريع أن النباتات تمارس طفولتها وشبابها فترقص وتتغنج وتفرح بالضوء··ولعل العديد منا قد شاهد مثل هذه الأفلام المعنية بهذه الظاهرة مرارا وتكرارا في التلفزيون وانتبه لحركة النباتات الراقصة الموزونة بطريقة تشبه في بعض الحالات رقصة اللمبادا أو الباليه أو الرقص الإيقاعي الحديث إذا ما تعلق الأمر بتصوير نبتتين تنموان جنبا إلى جنب·
النبات في عالم الاستخبارات
غير أن رقص النبات ليس هو الأمر المدهش الوحيد·· وإنما سلوكه الحياتي أيضا·· فقبل سنوات عديدة كان العالم ' كليف باكستر' وهو ضابط مخابرات أمريكي سابق··يجلس وحيدا في مكتبه حين لاحظ وبشكل مفاجىء اهتزازات بيانية وإشارات عنيفة في جهاز كشف الكذب الموضوع على مكتبه·· وهو جهاز يستخدم عادة لتسجيل الاضطرابات والتوترات الداخلية عند المجرمين عندما لا يقولون الحقيقة·· فدهش لهذه الحادثة لأنه كان جالسا لوحده ولم يكن يستجوب أحداً ··بل إن جهاز كشف الكذب لم يكن موصولا حينها بأي شيء·· ففكر باكستر ملياً في مصدر إشارات التوتر التي سجلها الجهاز وراح يتذكر ما جرى أو ما قام به هو نفسه في اللحظات الأخيرة التي سبقت تسجيل جهاز كشف الكذب للإشارات·· فلم يتذكر شيئا سوى أنه اتجه قبالة الشرفة وانتزع وريقة من نبتة الزينة الموضوعة هناك··فاتجه بعينيه إلى النبتة فوراً وهو متشكك في الأمر·· وليتأكد من صحة تخمينه·· ما كان على باكستر إلا أن يتجه إلى النبتة ثانيةً ليقتطع منها وريقة على سبيل التجربة·· وعندها كانت دهشته أكبر مما هي عليه في المرة الأولى·· فقد حدث شيء مذهل عندما سجل الجهاز اهتزازات عنيفة مرة أخرى قبل أن يقترب باكستر من النبتة فعليا أو يلمسها·· وهنا توقف باكستر أمام سيل من الأسئلة التي عصفت برأسه: هل النبات يشعر حقا؟ وهل قرأت النبتة أفكاره فأصدرت ردّة فعل عنيفة لمجرد نيته في اقتطاع ورقة منها؟ وهل تطلق النباتات ذبذبات قوية إلى هذا الحد··بحيث يمكن تسجيلها دون حاجة لتوصيل النبتة سلكيا بالجهاز كما هو الحال مع المجرمين أثناء إخضاعهم لامتحان كشف الكذب؟ لكن تجربة ثالثة قام بها باكستر قطعت عنده الشك باليقين··فقد قال في قرارة نفسه: 'سأذهب هذه المرة لألقي نظرة على النبتة فقط·· دون أن أقوم بعمل أي شيء آخر'·· وفعلا اتجه صوب النبتة وتوقف عندها متأملا··فكان جهاز كشف الكذب حينها هادئا كما لو أنه متوقف عن العمل تماما! ومنذ ذلك اليوم سجلت تلك النبتة للتاريخ المعاصر تحول كليف باكستر من ضابط استخبارات شديد المراس إلى عالم وباحث كبير أحدث ثورة في دراسة النبات في نهايات القرن العشرين· فمنذ تلك اللحظة صار باكستر يتنقل من نبتة إلى أخرى برفقة جهازه ليلاحظ سلوك النباتات والقراءات المختلفة التي تسجلها على الجهاز··وحدث ذات مرة أن اقترب من نبتة فاصطنعت الذبول والانطواء عند مجرد لمسها·· وعندها قال باكستر بشيء من الشاعرية: 'إنها من النباتات المستحيّة'!
الرومانسية تسعد الطماطم
واليوم تتوالى الدراسات التي تثبت أن النبات يشعر ويفكر ويقرأ الأفكار ويدافع عن نفسه ويتمتع بالجمال ويمارس الإغراء لجذب الحشرات إلى رحيق أزهاره من أجل توظيفها لخدمته في نقل حبوب اللقاح إلى النباتات الأخرى·· كما تقوم أنواع أخرى من النباتات بممارسة هوايتها في الصيد عبر نصب الكمائن للحشرات الصغيرة التي تعلق في الفخ الجميل الذي يكون عادة على شكل زهرة رائعة الجمال·· فما أن تحط الحشرة المسكينة في وسط الزهرة حتى تقفل عليها النبتة وتقوم بإفراز عصارة وأنزيمات خاصة تذيب جسد الحشرة وتحولها إلى وجبة شهية تقوم النبتة بامتصاصها على مهل حتى يحين دور الضحية أو الوجبة التالية·· وتؤكد دراسات أخرى وجود نباتات مفترسة ذات أزهار ضخمة جداً في غابات الأمازون وبراري أمريكا اللاتينية لها القدرة على افتراس حتى الأسود والضواري! كما تشير بعض الدراسات إلى أن النبات الذي يعيش عادة في تجمعات تشبه التجمعات البشرية على صعيد النوع الواحد·· يتجاوب مع محيطه البيئي بشكل واضح ومدهش كنبتات الطماطم التي ثبت أنها من الفواكه التي تزدهر ويغزر إنتاجها وتتحسن نوعية ثمارها حجما ولونا كلما تم تعرضها لسماع الموسيقى الرومانسية الحالمة على غرار سوناتا ضوء القمر لبتهوفن أو الناي السحري لموزارت·· ويضطرب نموها عندما يتم تعريضها لسماع موسيقى الروك أند روول الصاخبة·
لكن هذه الروح الرومانسية الحالمة غالبا ما تواجهها الأليفة كالأبقار والأغنام بقسوة بالغة خلال الرعي الجائر·· أو حين تقوم أسراب الجراد في رحلاتها الجماعية بالتهام جميع مكونات النبات من سيقان وأوراق وثمر·· حزمةً بعد حزمة·· ليأتي بعد ذلك الدور الأولي للطيور التي تقوم بالتهام الجراد والحشرات ··وبعدها تأتي أدوار البطولة المطلقة لأسياد الغابة كالنمور والأسود وسائر الضواري من الحيوانات المفترسة التقليدية لتنقض بدورها على هذه الأبقار والأغنام وكأنها تتناول ستيك نيئ بنكهة الخردل أو صلصة الطماطم!
الكائن الحضاري الوحيد
وإذا كان هذا حال الحيوانات التي تتعامل مع بعضها البعض أو مع النباتات بشكل قاس جداً نظراً لطبيعتها وفطرتها من جهة·· ونظراً لحتمية الدورة الجهنمية للغذاء في الطبيعة من جهة أخرى·· فإن الإنسان يمثل حالة أخرى تماماً·· فهو كائن مهذب ولطيف·· حسّاس ووديع ورقيق بسبب أفكاره وعقله الذي يفلسف به الحياة دائماً على نحو مقبول تماماً من وجهة نظره·· فالإنسان·· وإنسان المجتمعات المدنية الحديثة تحديداً··يعتبر المخلوق الذي يفترس جميع الكائنات ولكن بطريقة مهذبة لا تؤذي مشاعره أو مشاعر الآخرين المرهفة·· فتراه يأخذ النبات من السوق معلباً أو مغلفاً بطبقة بلاستيكية شفّافة·· أو يدخل إلى أسواق اللحوم والأسماك وينتقي ما يريد من اللحوم أو الأسماك أو ثمار البحر المجهزة للطهي··فلا يعرض نفسه لرؤية عمليات الحصاد والصيد وما يكتنفها من مشاهد خشنة لمنجل يقطع بلا هوادة في المخلوقات الخضراء·· أو يعرض نفسه لتلك المشاهد المؤلمة والمروعة للدماء خلال ذبح الأبقار أو الأغنام أو خلال تعليق الأسماك من خياشيمها في الصنارات أو شباك الصيد وهي تختنق خارج نعمة الماء· بل يمكن لإنسان المدينة أن يكون أكثر لطفا·· حين تراه يجلس في أحد المطاعم بصمت بعد أن يسحب كرسيه بهدوء على طاولة الطعام ليطلب بأدب بالغ طبقاً مكتظاً بشرائح اللحم أو كبد البط ·· ثم يتناول الشوكة والسكين ويقوم بتقطيع محتويات الطبق المُبَّهر إلى قطع صغيرة يسهل طحنها بين الأسنان ولا بأس في أن يعصر عليها الليمونة برفق·· كما لا يمنع أن تصدر منه كحة خفيفة وهادئة يتبعها بمسحة ناعمة من منديل أنيق كان في الأصل بيتاً لفراشةٍ أو شرنقة ليرقة في طور النمو! فكل شيء يمكن التغاضي عنه في لحظة لا يجب أن تحضر فيها سوى لذة الأكل من أجل استمرار الحياة بأي ثمنٍ مهما كان·
انقلابات النباتيين
لكن الناس ليسوا على شاكلة واحدة تبعاً لأفكارهم ومعتقداتهم ومللهم·· فالعالم يعج بشريحة ليست بالهينة من النباتيين الذين يجدون اليوم مطاعم مخصصة لهم··وهي مطاعم تحظر وتختفي فيها أطباق لحوم الأغنام والأبقار والأرانب والدجاج والبط والحمام أو حتى البيض الذي يحتوي على بروتين حيواني ·· فيما يتسامح بعض النباتيين أمام أكل الأسماك وعلب التونة وحجتهم في ذلك أن الأسماك لا تتعرض للذبح الوحشي! و يمثل النباتيون مشكلة لعائلاتهم وأصدقائهم أو حتى شريك الحياة عندما يكون (عاديا) في نظامه الغذائي·· فالنباتيون يحولون نظام المطبخ في أي مكان يحلون فيه إلى حالة خضروات طارئة·· فيما تتحول المائدة التي يتحلقون حولها إلى مؤتمر قائم على حوارات ساخنة حول وحشية الانسان تجاه الحيوانات·· إلى جانب محاضرات حول سر العمر الطويل بالاعتماد الأساسي على الخضروات والفواكه كغذاء نبيل· لكن من خلال ما تقدم يكشف لنا العلم الحديث أن الانسان شاء أم أبى سيظل وحشيا أمام الحيوان والنبات سواء بسواء·· بعدما تم التأكد من أن النبات يتنفس ويفكر ويحس ويشعر بالخوف والألم·· ولعل هذا هو السر الذي جعل الكثير من الناس ينقلبون مئة وثمانين درجة من نباتيين متطرفين إلى أكلة لحوم من الوزن الثقيل· وسبحان مغيّر الأحوال·· إذ يبدو بالفعل أنه لا مكان للشاعرية في هذا العالم الذي يهزمنا فيه الجوع ورائحة البوفيه العالمي الموسوعي الشامل الذي يحتوي على كل الكائنات التي يمكن أن تجد طريقها الممهد إلى الأسنان!

اقرأ أيضا