الاتحاد

دنيا

ترتيب الأولويات أقصر الطرق إلى حياة هادئة


ترجمة وإعداد ـ ميسون جحا:
لولا تلك الأجندة الضخمة المعلقة على جدار داخل مطبخهم، لما تمكنت فيرن ريس وأسرتها، من متابعة جميع المواعيد والاجتماعات والفصول الخاصة بالتعليم المنزلي، والنشاطات التي تملأ حياتهم المزدحمة بالواجبات والمسؤوليات·
ترى ريس، وهي من مدينة نيوتون التابعة لولاية ماسوشيتس الأميركية أنه لا يتوفر في الأسواق أجندة كافية لتسجيل جميع النشاطات اليومية· وقد بررت وجهة نظرها عندما قالت أن حياتها تدور حول إدارة شركتين وثلاثة أطفال وزوج، وعدد من المهام الاجتماعية، والحياة الأسرية، والحياة الاجتماعية للأطفال والتطوع للعمل في جمعية خيرية مرة واحدة أسبوعيا·
تضيف ريس: 'كل من نعرفهم يعيشون حياة محمومة· وحياتنا مليئة أيضا بالمشاغل، لكننا نمضي معظم أوقاتنا مع أطفالنا· ورغم ذلك نعيش حياة سريعة الإيقاع متعددة المهام'·
ورغم أن كثرة المشاغل في الحياة ليست ظاهرة حديثة، إلا أن هذه القضية استقطبت اهتماما مجددا من قبل الباحثين الاجتماعيين· حيث وجد البحاثون أن التكنولوجيا والميل نحو نمط الحياة الاستهلاكي، وتزايد عدد الأسر التي يخرج فيها الآباء والأمهات للعمل، وتنامي المسؤوليات الأبوية، جميعها عوامل أدت لامتلاء جدول العمل اليومي بالمواعيد والمهام· كما وجد الباحثون أنه في حين يتوق بعض الأشخاص لبعض الفراغ، يرفض كثيرون التخلي عن نشاطاتهم·
شاك داراه، وهو مختص في علم الإنسان يعمل في جامعة سان جوزي الرسمية في كاليفورنيا، وقد أمضى 200 ساعة في العيش مع أثنتي عشرة أسرة عاملة· يتحدث عن ملاحظاته بالقول: ' أصبحنا أكثر ميلا للتعامل مع أنفسنا وأسرنا عن طريق العمل، وليس التواجد معهم· ما إن تبدأ بتعريف نفسك تبعا لما تقوم به من عمل، حتى تسيطر عليك النشاطات التي تستغرق منا وقتا طويلا'·
أسئلة هامة
من الأشياء التي تقلق البروفيسور داراه هو أن زحمة المهام والواجبات، والتي تتطلب توجيه اهتمام كبير لأشياء صغيرة هنا وهناك، تطرح أسئلة هامة: ما هي الأشياء الأهم في المجتمع التي يفترض أن يوليها الناس اهتمامهم، ولا يملكون الوقت الكافي للتركيز عليها؟ وما آثار كثرة المشاغل على نوعية الحياة؟ لكي يعيش الإنسان حياة طيبة هانئة يجب أن يكون لحياته مسار، أي أن تتخللها تجارب وقصص نحكيها لأنفسنا ولأبنائنا· إن كثرة المشاغل تقضي على كل ذلك· فنحن مشغولون كلية في كيفية الوصول للساعة القادمة، ولليوم التالي، والأسبوع الآتي· وهذه الحالة تطرح السؤال التالي: إذا كنا غير مشغولين طوال الوقت، فماذا سنفعل في حياتنا؟ وهل إذا كنا غير مشغولين، هل سنتحول لشعراء أو رسامين؟
يعبر داراه عن اعتقاده بقوله: 'أصبحنا أكثر كفاءة· وهذا بدوره يطرح سؤالا: نمتلك كفاءة وقدرة على الإنتاجية· ولكن ما الهدف؟ هل تقوم الحياة على أن نكون منتجين وأصحاب كفاءة؟'
أمضت أسرة ريس وقتا طويلا في البحث عن إجابة لذلك السؤال· وجد الزوجان أن جزءا من الحياة السعيدة، مهما تكن مزدحمة بالمشاغل، تعني إشراك الأطفال في عمل تطوعي ونشاطات اجتماعية· تعتقد فيرن ريس بوجوب أن يدرك الأطفال بأن العمل التطوعي أهم من كل ما عداه·
قبل جيل أو جيلين، وعندما كانت الأسر أكبر عددا وليس لديها معدات توفر الجهد وتختصر وقت الأعمال المنزلية، كان طول الانشغال في أعمال البيت والتربية شيئا مقبولا وواقعا قليلا ما تمت مناقشته· كانت معظم المشاغل اليومية تتعلق بأعمال منزلية، ولم تكن ثقافة الاستهلاك قد هيمنت بعد على المجتمع·
وفي الوقت الحالي، يبدي داراه دهشة من طول الوقت الذي يقضيه الناس في التسوق ومتابعة أشياء ثانوية· وقد أصبحت عملية اكتساب المعرفة الاستهلاكية شكلا آخر من العمل· لاحظ داراه أن أسرا تمضي ساعات طويلة جدا في جمع المعلومات واتخاذ قرارات بشأن أمور حيوية كالتعليم والرعاية الصحية والتخطيط الاقتصادي·
ولا عجب أن نجد النساء، في معظم الحالات، أكثر انشغالا من الرجال· فقد أظهرت دراسة أن الرجال يتمتعون وسطيا بأوقات فراغ تدوم يوميا لمدة 30 دقيقة أكثر من النساء· ويؤثر وجود الأطفال على أوقات الفراغ لكل من الرجال والنساء، ولكن على النساء خاصة·
ويتحدى داراه القوالب الجامدة التي تعطي صورة عن النساء العاملات بأنهن المسؤولات بمفردهن عن تأدية جميع الأعمال المنزلية، بينما يستلقي أزواجهن على الأريكة لمشاهدة مباريات كرة القدم· يعلق حول هذه النقطة بقوله' شاهدنا أمثلة نادرة عن كسالى فعليين، بل رأينا عددا كبيرا من الرجال الذين يشاركون في الأعمال المنزلية'·
ومن الملاحظ أن الآباء والأمهات يعانون في الوقت الحالي من زيادة الضغوط للمشاركة في حياة أبنائهم، رغم أنهم لا يملكون الوقت الكافي لذلك· وقد تنوعت وكثرت النشاطات الخاصة بالأطفال، وبعضها يبدأ منذ سن مبكرة· تتذكر ناتالي جاهرمان من مدينة هيلسبوروه التابعة لولاية نيوجيرسي الأميركية، أنه عندما شاركت ابنتها الطالبة في الصف الأول في نشاط رياضي تطلب منها التوجه لملعب بعيد نسبيا، بمعدل أربع مرات أسبوعيا، كان على الأسرة تعطيل برنامجها الرياضي·
تكاليف باهظة
ترى جاهرامان، وهي مؤلفة كتاب (النجاح في تربية الأطفال في ظل حياة كثيرة المشاغل)، أن توفير وترشيد أوقات الفراغ يغذي ثقافة الانشغال على مدار الساعة· تقول جاهرامان ' في مجال العمل، يخشى العاملون من قول كلمة(لا) تحسبا لحرمانهم من ترقية أو زيادة في الأجر، أو خشية أن يكونوا ضحية الصرف من الخدمة· وغالبا ما تكون تكاليف مثل ذلك الانشغال الطويل باهظة'·
وذكرت جاهرامان حكاية امرأة سعت لاستشارتها· أصرت تلك السيدة على إنشاء أسرة من نفس النوعية التي كونتها أمها، رغم أن أمها لم تخرج قط للعمل· علقت جاهرامان' ظنت تلك السيدة أن ذلك هو المعيار الوحيد'·
إنه المعيار الذي لا تقبل سواه اميلي كارلتون من توستين في كاليفورنيا· فإلى جانب العمل لساعات طويلة، ورعاية بيتها، وتمضية بعض الوقت مع زوجها وأسرتها الكبيرة، ومساعدة جدتها ثلاث مرات أسبوعيا، تقول' لقد انهكت طوال الوقت'·
كغيرها من الأشخاص تقر اميلي أنها تتوقع أشياء غير موضوعية، لما يمكن لها إنجازه في يوم واحد·
وتشجع جاهرامان على التحلي بالموضوعية، وذلك هدف تسعى لتحقيقه· تعبر عن رأيها قائلة: 'نستطيع القيام بكل شيء، لكننا لا نستطيع إتقان عدة أعمال في وقت واحد'·
وتحذر جاهرامان من نتائج كثرة المشاغل وتقول أنها تؤدي لاتخاذ قرارات سيئة، وإهمال للأشياء والشخصيات الأهم على المدى البعيد·
تحرص فيرن ريس وزوجها على ترتيب الأولويات في حياتهما، وهو المبدأ الذي طبقته ديبرا لاند عندما كانت ترعى والدتها المريضة بالإضافة لانشغالها بعملها الطويل كمتحدثة باسم مؤسسة فرانكلين كوفي في مدينة سولت ليك· سألت نفسها' ما هو الشيء الأهم بيت نظيف أم علاقتي بأمي؟ علمتها التجربة إعادة ترتيب أولوياتها'·
ولمن ينظرون بعين إلى الأجندة اليومية وبعين أخرى إلى الساعة، يقدم داراه النصيحة التالية: 'قبل القيام بأي عمل· اطرح السؤال التالي: هل أنا مطالب بالقيام بهذا العمل؟ وهل أنا راغب بالقيام به؟ تمتع بحياتك بنوع من الوعي، بحيث لا تستيقظ وتكتشف أن حياتك عبارة عن فوضى مليئة بحركة النقل والاتصالات، وأنك ضائع بين كل هذه الأشياء·'

اقرأ أيضا