صحيفة الاتحاد

دنيا

منير تركي: جمال الخط العربي يكسر القواعد ويتجاوزها

من أعمال الفنان منير تركي

من أعمال الفنان منير تركي

أمام مسجد الفتح بميدان رمسيس بالقاهرة والذي صممه الفنّان حسين بكري خريج مدرسة الفنون التطبيقية عام 1936، التقيت فنّان الخط العربي محمد منير تركي الذي بدأت هوايته لفن الخط في المرحلة الابتدائية حين كان يشغل وقته بتصميم أشكال فنية من خامات مختلفة، حتى وجد بعض الأنشطة التي كان يحضرها أخوه الأكبر لينقل عنها أنواع الخطوط المختلفة، وإذا بالأمر يصعب عليه، فتيقن أن الخط له أصول يجب أن تدرس أولاً، فلم يكن يعلم شيئاً عن أنواع الخطوط إلا ما كتب القرآن الكريم به من خطي الثلث والنسخ، كما كان يدمج الخطين الفارسي والديواني بلا دراية، وبعد عدة سنوات حينما أشار أخوه الأكبر إلى وجود مدرسة لتحسين الخطوط في طنطا، التحق بها وبدأ مرحلة التعلم والتعرف على بقية أنواع الخط، واستطاع التفريق بين أشكال الخطوط المختلفة، ومنها الكوفي بنوعيه اللذين يدرسان في المدارس وهما كوفي المصاحف والفاطمي

قال منير تركي إنه بدأ الخط بعد أن كان يدرس التربية الفنية للمرحلة الابتدائية، حيث كان يكتب الخط الحر الذي لا يعتمد على القاعدة، أو أن يدخل معه الخط الكوفي الذي يعتمد على الرسم، وبعد ذلك التحق بمدرسة الخط، وكانت وزارة التربية والتعليم تقيم مسابقة للخط لجميع المراحل التعليمية، وكانت مدرسة الخطوط تدخل في تلك المسابقة، فكان أول الجمهورية خلال ست سنوات.
نمط جديد
وأضاف أن أعماله ذات نمط جديد مختلف عن الأنماط الأخرى السائدة، في محاولة للابتعاد عن الشكل الأكاديمي الثابت الذي يسيطر على أعمال أغلب الخطاطين، في إخراج لوحاتهم الخطية في شكل هندسي يعتمد على الدائرة أو الشكل البيضاوي، وأنه سبب بعده عن ذلك التركيب وجد أن الخطاطين الكبار مثل حداد وخضير وسيد إبراهيم لهم أسلوبهم الخاص ويقلدهم الآخرون من المبتدئين، فاختار لنفسه نمطاً مختلفاً بلا قصد، حدده ميله الأول نحو الفن التشكيلي منذ الصغر، ولا يعتبر ذلك مخالفة للنمط السائد، وأن طريقة تلوينه تختلف عن اللوحات الخطية الأخرى التي يراها.
ويوضح أن شغفه بعناصر الفن الإسلامي الذي يطالعه في المتاحف، وبخاصة الزخارف النباتية والهندسية، جعله يصمم لوحاته على نحو مغاير، تبعاً لفكره وتجريبه، حيث يرى أن الخط مهنة تحتاج إلى الإتقان، الذي يأتي بالاجتهاد بعد الصقل الدراسي، والتطبيق بالمران المستمر.
ويضيف أن تقليد كبار الخطاطين أمثال سيد إبراهيم ومحمد مكاوي ومسعد وحداد والخطاطين الأتراك أمثال عبد العزيز الرفاعي ومصطفى راقم، جزء من مرحلة التعليم الأساسية، على ألا يكون التقليد لخطاط بعينه، وإنما لطبيعة تكوين اللوحة لديه.
الحبر والألوان
وأشار إلى أنه لوحظ في الآونة الأخيرة إصرار بعض الخطاطين على أن الكتابة بالحبر فقط هي التي تبرز إجادة الخطاط، وأنه يخالف ذلك الرأي، حيث لا يكتب لوحاته بخامة الحبر إلا قليلاً، وتكون كتابتها بغرض الحفظ كمنحى تعليمي للطلبة وليس لعرضها، وعند تنفيذها كلوحة خطية يستخدم الألوان الجواش، وأن تلك الواقعة تعود لتوقيت معرض الخط الذي أقامته مكتبة الإسكندرية، وكانت حجة هؤلاء الخطاطين الذين أثاروا تلك المشكلة أن اللجنة الدولية للحفاظ على التراث في تركيا، التي أقامت أول مسابقة للخط العربي في بداية الثمانينيات، وهو ما كان له الأثر الكبير على زيادة الاهتمام بهذا النوع من الفنون، كانت تشترط أن يكون العمل الفني المقدم بالحبر فقط ودون زخارف أو ألوان حتى يظهر براعة الخطاط، وربما كان ذلك ظناً من اللجنة أنه في العمل الملون يمكن أن يكون الخط الأصلي منقولا بالطباعة أو الشف من عمل آخر، لكن هذا الموضوع لا يجب تعميمه على بقية المعارض التي لا تطالب بذلك، وأن ذلك يعد جموداً في الفكر.
ويصر تركي على إنجاز لوحاته الخطية من كتابات وزخرفة بنفسه من دون الاستعانة بمزخرف. ويقول إن لوحاته يخرجها كاملة من دون أن تكون تكراراً لنماذج سابقة من الزخارف، كما شرع في تصميم نمط آخر في زخرفته، بحيث إذا كان هناك ركن زخرفي فإنه يعمل على أن يكون مغايراً للزخارف الموجودة في الأمشق السابقة.
اجتهادات
يوضح تركي أنه في مدارس تحسين الخطوط والتي يعمل في إحداها، لا يوجد مدرس يصمم زخارف وإنما يطبع قطعة زخرفية ذات شكل بيضاوي أو دائري، وعلى الطالب أن يقوم بتلوينها، وهناك بعض الاجتهادات التي تخرج عن القواعد وتصبح غير محببة للرؤية، كما أن بين كبار الخطاطين من يلتزم بتفريغ نفسه للخط ويستعين بمزخرفين وهو أمر يوفر الجهد والوقت، ولكنه لم يجد من يقوم بتصميم وتنفيذ زخارف تتناسب مع أسلوبه في الكتابة.
وقال إن جامع الفتح قام بكتابة خطوطه الخطاط البشري، فيما يعتقد أنه استعان بحسن فتحي لأعمال الزخرفة، وهناك بعض المزخرفين القدامى لهم أمشق للزخارف تضارع قوة الخطوط لدى سيد إبراهيم ومحمد مكاوي اللذين تتلمذا على الأتراك في كتابة الخط، وأن اشتراك الخطاط والمزخرف في لوحة واحدة هو أمر ملحوظ لدى الأتراك والإيرانيين، وكانت له تجربة في الاشتراك في إحدى المسابقات التي تقام في إيران، وحينما تأخرت أعماله، وكانت لجنة التحكيم قد انتهت من اختيار الأعمال، أعجبوا باللوحتين اللتين أرسلهما فتم إشراكهما في المعرض على أن تعرضا في معرض اللوحات الفائزة دون جائزة، وأرسلوا له كتيباً به صفحة كاملة عن لوحته، ووجد فيه أن الخطاط وقع باسمه تحت الخط والمزخرف وقع على الزخرفة.
لاضرر
أكد أن الخروج عن قواعد الخط إذا كان عن وعي، مع علم الخطاط بالقاعدة، فلا ضرر في ذلك حيث أن هناك قاعدة في الخط تقول إن الجمال يلغي القاعدة، فإذا تم تجاوز القاعدة لصالح القيمة الجمالية فلا ملامة، شريطة عدم المبالغة في ذلك التجاوز، وتقنينه في حدود معينة.
وأوضح تركي أن إنتاج الفن يحتاج الاستقرار وأن ظروف الأتراك تختلف عن العرب لقوة دولتهم، منذ أيام السلطنة، وكان السلطان يجل الخطاطين حتى قيل إن السلطان أمسك قنينة الحبر لأحد الخطاطين حتى لا ينشغل بغير الكتابة، حيث أن الاستقرار يهيئ للفنان جو الإبداع.
وقال إن المأزق الذي يعاني منه هو قلة الإنتاج لتوزيع وقته بين الكتابة والزخرفة، وربما ذلك كان سبباً في عدم تفكيره في كتابة المصحف الشريف، الذي يجب أن يتفرغ له تماماً. كما أن العمل على المنتج الفني يسترعي استحسان الجمهور وهو ما يحتاج إلى أن يكون الخطاط مهيأ لفعله، فالفنان إذا لم يكن يحدد لنفسه مراحل التطور في إنتاجه الفني، فلن يصيبه النجاح.


قوة خط الثلث

يفضل منير تركي خط الثلث في الكتابة لقوته حتى أن أحد المتخصصين كان ينعته بـ “العملاق”، حيث أن ارتفاع حرف الـ “أ” فيه 7 نقاط ويصل إلى 9 و11 في حين أن الخط الكوفي يستمد رسوخه من وجود استقامات وزوايا في حروفه، كما يتميز الخط الثلث بسهولة تطويعه لإعطاء أشكال ليس بها دورانات بالرغم من إمكان تشكيله في دائرة أو شكل بيضاوي فالخط الثلث له جماليات خاصة، تمكن الخطاط من تنفيذه في جميع المساحات.