الاتحاد

دنيا

قاع المتوسط يكشف كنوز الإسكندرية


هالة دروج:
يعتبر قصر كليوباترا واحدا من أشهر القصور الفاخرة والضخمة ومن أهم المواقع الأثرية في العالم· فقد بني على أرض جزيرة أنتيرودوس التي كان يحتضنها ميناء الإسكندرية القديم· وكان مسرحا لأحداث تاريخية هامة ومقرا لملكة مصر التي أقامت فيه علاقتها مع يوليوس قيصر، وفيه أيضا واجهت مصيرها المشترك مع القائد الروماني مارك أنتوني· ومع ذلك فإن الزائر لمدينة الإسكندرية لا يستطيع رؤية أي أثر لقصر كليوباترا الذي ساد اعتقاد كبير بأنه فُقد إلى الأبد·
ولكن يبدو أنه تم أخيرا العثور على قصر كليوباترا الذي بدأ يبوح بأسراره التي يزيد عمرها عن ألفي عام· ولكن المشكلة أن هذا القصر، إلى جانب الكثير من كنوز الإسكندرية الأثرية القيمة، ما يزال مختفيا تحت مياه البحر· يقول فرانك جوديو، عالم الآثار الذي يتولى مهمة التنقيب عن الكنوز المخبأة تحت سطح المياه: 'معظم المباني الملكية التي كانت موجودة في الإسكندرية دمرت وغرقت في المياه· ونستطيع حاليا أن نثبت أنه خلال الألفيتين الماضيتين ارتفع منسوب مياه البحر عند شواطئ الاسكندرية بمقدار متر ونصف في حين انخفض مستوى الأرض بما يصل إلى ستة أمتار'·
وقد أدى هذا الأمر، بالإضافة إلى الزلازل التي حدثت في قاع البحر، إلى اختفاء الكثير من معالم الساحل في تلك المنطقة بما في ذلك جزيرة أنتيرودوس·· ولكن ليس الماء وحده هو التي يخفي هذه الكنوز الأثرية القيمة، بل إن ميناء الإسكندرية القديم الذي يعرف باسم بورتس ماجنوس مطمور تحت طبقات من المواد المترسبة في قاع البحر· وهذا ما يجعل عملية التنقيب عن هذه الآثار وإعادتها إلى بر اليابسة مسألة بالغة الصعوبة والتعقيد·
فمن أجل تحديد مواقع المعالم المختلفة للميناء الأثري يعمد جوديو وفريقه إلى استخدام جهاز خاص لقياس التغيرات الطفيفة في المجال المغناطيسي الأرضي التي تحدث نتيجة لما يشيده الإنسان من أبنية على سطحها· وبعد جهد أكثر من 11 ألف ساعة من الغوص بدأت الشواطئ الحقيقية للإسكندرية المفقودة تتوضح· وبمقارنة هذه الاستنتاجات مع المعلومات التي توفرها الخرائط القديمة للمدينة بدأ الفريق يحدد الأماكن المحتملة للعثور على الكنوز المخفية بما في ذلك قصر كليوباترا·
وبعد تحديد موقع الكنز تبقى هناك صعوبة استرجاعه إذ يحتاج الغواصون لإزالة طبقات من التربة والمواد التي ترسبت على مدى آلاف السنين· بعد ذلك تقاس القطع الأثرية وترسم باستخدام قلم وورق مقاوم للماء، فإذا تم العثور على كتابات هيروغليفية مهمة، يتم نسخها على قالب من السيليكون· يكون استخراج القطع الصغيرة أسهل من الكبيرة التي يحتاج رفعها إلى استخدام بالونات مملوءة بالهواء· عند وصولها إلى السطح تغمر القطع من جديد بمزيج من ماء البحر المالح والماء العذب لضمان عدم زوال الملح منها بشكل مفاجئ مما يلحق الضرر بها·
من المؤكد أن عملية التنقيب عن الآثار في قاع البحار أكثر صعوبة من البحث عنها على سطح الأرض لكن جوديو يشير إلى أن الماء أكثر مقدرة على الحفاظ على القطع الأثرية· ومع ذلك فإن عملية البحث ليست ممتعة دائما إذ من المعروف أن مياه الصرف الصحي تصب أخيرا في مياه البحر، لذلك غالبا ما يجد الغواصون أنفسهم يعملون في مياه ملوثة وفي ظروف رؤية سيئة·
لكن قصر كليوباترا يستحق كل هذا العناء والمشقة فقد وصفه أحد شعراء القرن الأول الميلادي قائلا: 'أحاطت كليوباترا نفسها بجو من الرفاهية والبذخ لم يكن معروفا من قبل في المجتمع الروماني· كانت القناطر المزخرفة مليئة بالمعادن الثمينة، وكانت الألواح الذهبية المحفورة تستخدم كأقفال للصناديق الخشبية· كما كان القصر مليئا بالرخام والعاج وكانت الأبواب مزينة بصناديق السلاحف الهندية المطلية بالألوان والمطعمة بالزمرد والأحجار الكريمة'·
لم يعثر المنقبون عن أي من هذه الكنوز بل كل ما عثر عليه جوديو وفريقه كان أساسات القصر وأعمدته الجرانيتية الحمراء· واستخرج الباحثون من الساحل الغربي للجزيرة تمثالا شبيها بأبي الهول منحوت من الجرانيت ويعتقد أنه يمثل والد كليوباترا· كما اكتشفوا تمثال كامل لكاهن إيزيز، إلهة الموتى، وخاتم ذهبي يعود الى القرن الأول قبل الميلاد·
ويأمل جوديو وزملاؤه أن يتمكنوا في المرحلة المقبلة من العثور على قطع جديدة من كنوز الإسكندرية المدفونة تحت قاع البحر والتي يتوقع أن تبوح بالكثير من الأسرار التاريخية التي دفنت معها منذ قديم الزمان·

اقرأ أيضا