الاتحاد

ثقافة

صالح علماني.. ترجمة أخيرة لنصٍ لا ينتهي

صالح علماني

صالح علماني

محمد عريقات (عمّان)

العالم نصٌ بحاجةٍ للترجمة دائماً. فالمعرفة، ومن؟ متى؟ وكيف؟ التي تتوقف كلها على الترجمة حتى يعرف البشر الأشياء عن بعضهم بعضاً، ويتشاركون إنسانيتهم، تتوقف جميعها على الترجمة، التي برع فيها مترجمون كثر، من أهمهم عربياً المترجم السوري الفلسطيني صالح علماني، الذي رحل أمس عن عمر 70 عاماً، صنع خلالها جسراً حضارياً عظيماً، بين أميركا اللاتينية والعالم العربي.
صالح الذي ولد في حمص بسوريا عام 1949، ونشأ كواحدٍ من أبناء أسرة فقيرة الحال، عاش معها في مخيم «اليرموك» في العاصمة السورية دمشق، إلى أن توجه في شبابه إلى إسبانيا ليدرس الطب، لكنه سرعان ما تخلى عنه بسبب ظروفه المادية الصعبة، فتركه وحاول دراسة الصحافة التي لم يسعفه الوقت ليكملها، بسبب اضطراره للعمل كعامل بناء تارةً، وعامل ميناء تارةً أخرى، حتى يعيل نفسه، ولا «يكلف عائلته حمل مصاريفه»، بحسب تعبيره هو.
في النهاية، اختارت اللغة الإسبانية علماني الذي برع فيها حين تعلمها في معهد اللغات بإسبانيا، فبدأ بالترجمة وهو في مدينة برشلونة، حيث تعرف على أول عملٍ من أعمال غابرييل ماركيز «مئة عام من العزلة»، إلا أن علماني يقول في مقابلةٍ نشرتها معه «مؤسسة فلسطين للثقافة» في 2011، إنه أهمل ترجمة تلك الرواية، لكنه «ظل مشدوداً إلى ماركيز» الذي أخذه من يده إلى عوالم سحرية، وجعله يترجم أولاً رواية «الكولونيل لا يجد من يكاتبه»، لينفتح عالم أميركا اللاتينية الأدبي والروائي على مصراعيه أمامه بعد ذلك. بعد ذلك، ترجم علماني بعض قصص ماركيز، ثم أنهى عمله في ترجمة مئة عامٍ من العزلة، ليصبح أول وأفضل مترجميها إلى العربية على الإطلاق. وخلال تلك الفترة من سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث اندفعت موجة أدب أميركا اللاتينية حول العالم، فأسهم علماني بترجماته في نشره عالمياً، وعربياً بالتحديد. أما نقدياً وفنياً، فقد كان لعلماني الفضل في استخدام وتطبيق مصطلح أدب الواقعية السحرية الذي يميز روائيي دول مثل كولومبيا وتشيلي والبرازيل وغيرها، ممن اعتمدوا على واقعيةٍ تعيش بموازاة الغرائبية والسحرية والخرافات جنباً إلى جنب، إذ يبقى دائماً من يؤمن فيها من الناس، ويراها حقيقية وجديرة بالعيش، أو أنها أصل كل واقعٍ وسبب كل حدث كما يقول ماركيز الذي يرى أن «الواقع هو جزء من أساطير الشعب».
المكتبة العربية، أصبحت غنية بأدب أميركا اللاتينية من خلال صالح علماني، الذي ترجم ماركيز، وماريو بارغاس يوسا، وايزابيل الليندي، ونيرودا، وأنتونيو سكارميتا، ولوركا، وغيرهم كثيرين، وطالما عده القراء والنقاد، شريكاً حقيقياً في التأليف، بسبب ترجماته الجميلة والمعمقة التي تجعل النص الروائي أو الشعري، كأنه ابن اللغة العربية، وهو ما أثر كثيراً في كتاب مرحلة التسعينيات من الروائيين العرب في القرن الماضي.
أيضاً، وبفضل تنقله لفترات بين إسبانيا وكوبا، أتيح له الاطلاع على لهجات ولغات وأفكار اللاتينيين بلغتهم وبيئتهم، مما سمح له بأن يجترح العديد من المصطلحات والمرادفات المميزة في اللغة العربية، ضمن مجموعة من الأعمال التي ترجمها.
في حياته العملية، لم يكن مترجمنا الذي ترجم أكثر من 100 عملٍ عن الإسبانية واللاتينية يمارس القراءة والترجمة فقط، بل عمل مبكراً في وكالة الأنباء الفلسطينية، ثم أصبحَ مُترجمًا في السفارة الكوبية بدمشق، وعمل في وقتٍ لاحقٍ في وزارة الثقافة السورية، ضمن مديرية التأليف والترجمة، وأيضاً. في الهيئة العامة السورية للكتاب إلى أن بلغَ سنَّ التقاعد عام 2009.
علماني، ظل مخلصاً للترجمة حتى أيامه الأخيرة، التي قضاها مقيماً مع عائلته في إسبانيا، بعد خروجه من سوريا بسبب الأحداث الأليمة التي ألمت بها بعد عام 2011. طموحاته، التي وصفها كثيراً في مقابلاته الصحفية، اقتصرت على حب نشر المعرفة والثقافة والتفاعل الإنساني والإبداع في عالمنا العربي، أما حلمه الوحيد، فكان زيارة وطنه فلسطين قبل موته، وهو حلم لم يتحقق. وقد شارك خلال حياته الزاخرة في العديد من المؤتمرات والندوات وحلقات البحث العربية والدولية حول الترجمة. وأشرف بصورة دورية على ورشات عمل في الترجمة الأدبية بمعهد سيرفانتيس بدمشق. وحظي خلال حياته بأكثر من تكريم، حيث أقامت له مدرسة المترجمين في طليطلة «جامعة كاستيا لامنشا» حفل تكريم في عام 2013. كما منحه الرئيس الفلسطيني محمود عباس وسام الثقافة والعلوم والفنون (مستوى الإبداع) في 2014. وكرمه اتحاد الأدباء والكتاب العرب في حفلي تكريم بمدينة طنجة المغربية في 2015، وبمدينة أبوظبي في العام نفسه. وحصل أخيراً على جائزة خيراردو دي كريمونا الدولية للترجمة في نوفمبر 2015. أيضاً، نال جائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولية للترجمة (فرع جهود الأفراد) في 2016. بعد رحلةٍ ظل مخلصاً فيها للأدب، ومؤمناً أن الترجمة جسر إنسانية يمتد إلى الأبد.

اقرأ أيضا

«الشارقة للمسرح الصحراوي».. الخروج من «العلبة» إلى رحابة الرمال