الاتحاد

ثقافة

فولكر براون.. نحّات المعنى

الشاعر الألماني فولكر براون يتسلم الجائزة من وزير الثقافة المغربي (من المصدر)

الشاعر الألماني فولكر براون يتسلم الجائزة من وزير الثقافة المغربي (من المصدر)

محمد نجيم (الرباط)

لأنه ظلّ وفياً على مدى نصف قرن لجوهر الشعر، بكتابةِ قصيدةٍ مُتفاعلة مع زَمنها، مُنتصرَة للأمل، تبثّ شعاعه، بحثاً عن التوازن داخل عالم مُهتزّ، ولأنه يكتبُ قصيدةً تنعتِقُ من أشكال التقليد من دون أن تتنكّرَ لروح التراث الشعريّ أو تنجرّ وراء حداثة مبتورة، قررت لجنة جائزة الأركانة العالمية أن تمنحه جائزة دورتها العاشرة.. إنه الشاعر الألماني فولكر براون الذي احتفى به مؤخراً بيت الشعر في المغرب، وكانت تلك من بين اللحظات الأكثر تميزاً التي شهدها المعرض الدولي للكتاب الذي يُقام حالياً في الدار البيضاء، ويستضيف دولة الإمارات العربية المتحدة كضيف شرف.
أما الجائزة فنعرفها، وقد حققت صدىً مغربياً وعربياً وعالمياً، إذ تم منحها في دوراتها السابقة لكل من: بي ضاو (الصين) محمد السرغيني، الطاهر بنجلون (المغرب)، محمود درويش (فلسطين)، سعدي يوسف (العراق) مارلين هاكر (الولايات المتحدة الأميركية)، أنطونيو غامونيدا (إسبانيا)، إيف بونفوا (فرنسا)، نونوجوديس (البرتغال)، وأما الفائز فهو واحد من أهم الشعراء في الغرب الذين يعيشون الشعر واقعاً حياتياً وليس على الورق فقط... هنا محاولة لقراءة ملامح من شخصيته.
وُلد فولكر براون في السابع من مايو 1939 في دْريسْدَن، ماتَ والدُهُ في الأيام الأخيرة من الحرب العالميّة الثانية، فعاشَ طفولة يَتيمة إلى جانب إخوته الأربعة ووالدته في مدينة دمّرَتها قواتُ التحالف.
درسَ الفلسفة في جامعة كارل ماركس في لايْبْتْسيغْ بين 1960 و1964، وانتقل بعد تخرّجه في عام 1965 إلى برلين الشرقية، وفي العام نفسه صدرَ له ديوانه الأوّل «استفزاز لي»، وعمل بدعوة من هيلينه فايْغِلْ، زوجة برتولْدْ بريشت، في مسرح «برلينرْ أونْسومبلْ»، أحدِ أكثر المسارح شهرةً في برلين، ثمّ عملَ لاحقاً، بين 1972 و1977، في مسرح «دويْتْشس» تياتر قبْل أن يعود إلى «برلينرْ أونْسومبلْ» حيث عملَ كاتباً مسرحيّاً بين 1977 و1990.
وتعكس أعمال فولكر براون الشعريّة والمسرحيّة والنثريّة، التي صدَرت قبْل وحدةِ الألمانيتيْن، وعياً ثقافيّاً وسياسيّاً عميقاً، غير أنّها كانت تُثيرُ، في الوقت نفسه، حفيظة الشيوعيّين وأصحاب القرار السياسيّ في ألمانيا الشرقيّة، لأنّها كانت تنتقدُ الاشتراكية الواقعيّة وتناقضات الدولة، وتدعو إلى الإصلاح ومُراجعة الذات، وترفضُ الإذعان لواقعٍ سياسيّ هشّ تُمْليه أجهزةُ الدولة المُستبدّة.
ومما يلفت النظر في سيرته، أنه لمْ يكن يُدافعُ عن آرائه ومواقفه، وهو يتوارَى عن الواقع، وإنّما كان مُثقفاً فاعلاً يُؤمنُ بقوّة الإبداع والاختلاف في مُجابهةِ اليأس وغواية الأفكار الجاهزة، فانضمّ إلى نادي القلم الدولي ‏PEN ?في ?عام ?1970، ?وإلى ?رئاسة ?اتّحاد ?الكُتّاب ?في ?عام ?1983، ?وإلى ?أكاديمية ?الفنون ?في ?عام ?1983.
وحازَ فولكر براون قبل سقوط جدار برلين جوائزَ كثيرة، منها «جائزة هاينريش هايْنه» في عام 1971، و«جائزة هاينريشْ مانْ» في عام 1980، و«الجائزة الوطنيّة» في عام 1988، وهي أعلى جائزة تمنحُها ألمانيا الشرقيّة، على الرغم من أنّه كان مُراقَباً من جهاز مُخابَراتها.
ولقيت أعمال فولكر براون التي صدَرت بَعد الوحدة الألمانية في عام 1990 وتُرجمت إلى لغاتٍ عديدة، ترحيباً كبيراً من القرّاء والنقاد، فحازَ «جائزة ذاكرة شيللر» في عام 1992، و«جائزة النقد» في عام 1996 قبْل أن تُتوِّجَهُ الأكاديمية الألمانيّة للّغة والشعر في عام 2000 بـ «جائزة بوشنر»، وهي أهمّ جائزة أدبيّة في ألمانيا على الإطلاق.
وفي أعماله، يسهم الشاعر، كما قال وزير الثقافي المغربي معالي محمد أمين الصبيحي، في تأصيل الرؤية الشعرية للعالم والانتصار للقيم الجوهرية التي تسند الحياة والوجود الإنساني.
أما الشاعر نجيب خداري، فقال: «هو شاعر النحت العميق في المعنى واللغة، وهو شاعر الدقة والصعوبة بامتياز، تتصادى في تجاربه الإبداعية مرجعيات، وأصوات، وخبرات غزيرة، وهو الذي تحدر من أفق الأدب والفلسفة، والمسرح، والنضال الإنساني الفكري والسياسي، وتمثل في ثقافته الشعرية تراث البشرية، وروح العصر وحداثته وأهواله وتمزقاته في آن».
بقيت الإشارة إلى أن فولكر براون يتأمّلُ قضايا الإنسان والمجتمع والعالم، انطلاقاً مِنْ رُؤية شعريّة وفلسفيّة ثاقبة تتجدّدُ باستمرار. وهو ما أمّن له الإسهام في إثراء الشعر الألمانيّ والأوربيّ والإنسانيّ.

اقرأ أيضا

تحولات شعرية المَناظر في الأدب الفرنسي