الاتحاد

منوعات

مهرجان الشيخ زايد.. عروض توثق عراقة التقاليد وكرم الضيافة

روائح عطور «الثقافة والسياحة» تجذب الزوار

روائح عطور «الثقافة والسياحة» تجذب الزوار

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تتواصل فعاليات مهرجان الشيخ زايد 2019 في منطقة الوثبة بأبوظبي، بكثير من الفعاليات التشويقية والعروض المحلية والعالمية التي تجذب آلاف الزوار من داخل الدولة وخارجها، حيث أصبح المهرجان مقصداً عالمياً لمختلف السياح المتعطشين للتعرف على تراث الشعوب من أزياء وأكلات ومنتجات، وتأتي العادات والتقاليد الإماراتية في صدر ما يبحث عنه زوار المهرجان الذي يحظى برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ومتابعة وإشراف سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة.
ويعكس جناح العادات والتقاليد الذي تحتضنه دائرة الثقافة والسياحة، نسمات ثقافية تعليمية، من العادات والتقاليد الإماراتية المتوارثة التي اهتم بها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، فعندما يلج الزائر الجناح متخطياً عتبة البناء العمراني العتيق، يتفاعل بشكل انسيابي مع ساحته التي تضج بألوان عديدة من الفنون والأهازيج والعادات والتقاليد، والنكهات والروائح، من صناعة السيوف إلى صناعة العطور والبخور إلى خض اللبن وصناعة البهارات، بينما يقف الصقارون في الجهة المقابلة يداعبون طيورهم في انتظار من يلتقط الصور معها، أما تحميس القهوة بالحضيرة، فهي المكان الذي يضفي على الجناح بهجته، وتشغل ساحة المكان فرقة الرزفة والعيالة التي شكلت نقطة جذب للجمهور إلى داخل المبنى التي يضج بالحياة.

أسرار الحرف
عن جناح دائرة الثقافة والسياحة، قال سعيد حمد الكعبي، مدير إدارة التراث المعنوي في دائرة الثقافة والسياحة: «إن الجناح يتكون من أروقة تعكس الصناعات التقليدية الإماراتية، وتقدمها للزائر في قالب ممتع، كما يقدم ورشاً عدة في الصناعات اليدوية كصناعة العطور والبخور وصناعة السيوف وصناعة البهارات، وغيرها من الورش التي تقرب الجمهور من أسرار الحرف التراثية الإماراتية، كما يتضمن المكان، مجلساً للرجال وآخر للنساء كمنصتين لمتابعة العروض الحية، وركن القهوة وركن الصقارة، وركن الاستوديو التراثي الذي يتيح للجمهور تخليد اللحظة بالزي التراثي الإماراتي، كما يشتمل على ركن الاستقبال لعرض «البروشورات» الخاصة بالدائرة، وركن الفرق الشعبية لعرض فن الرزفة واليولة وركن الربابة الذي يستعيد زمن الموروث».

بطاقة هوية
ورغم أن التقدم الاقتصادي زحف على الكثير من الصناعات، إلا أن الحرف اليدوية الإماراتية تبقى صامدة، في ظل الجهود الفردية والمؤسسية التي تسعى إلى حفظ المكون التراثي الإماراتي من خلال المراكز التي تعنى بالحرف وتقدمها في مهرجاناتها السنوية ومشاركاتها الدولية التي تعلن بها هويتها التراثية، ومن هذه الصناعات صناعة السيوف التي اتخذت موقعاً مهماً في هذا الجناح، حيث اتسع الرواق لشرح الكثير من أسرار السيف الإماراتي والخليجي، إلى ذلك قال عماد أحمد، صانع السيوف والتحف: «إن كل رجل كان يحمل معه خنجراً، وهو يتجول في الصحراء الممتدة، وكانت هذه الأداة تعبر عن هوية حاملها، وتشكل بطاقة هوية له، حيث يتم التعرف على قبيلته من خلالها»، لافتاً إلى أن هذه الصناعة، كانت منتشرة في المنطقة، إلا أن الإمارات حولتها من أداة حرب إلى أداة سلم وفرح، حيث أصبحت ترتبط بالأفراح والمناسبات السعيدة.
وأوضح عماد أن سيوفه التي يصنعها والخناجر تكون بعدد محدد وبنسخ غير مكررة، تحمل بعض الأشعار والكلمات الجميلة والإيجابية، موضحاً أنه يعمل على تصنيع بعض السيوف تحت الطلب كهدايا، وأنه يحرص ألا تتكرر القطع، ولا يعمل على صناعة السيوف فحسب أمام الجمهور في المهرجان، بل يقدم شرحاً عن هذه الصناعة وتاريخها وهويتها، يتضح منه أن الخنجر كان يحمل شعار القبيلة، وقد قرأ الكثير عن هذه الأداة، وما ارتبط بها من بطولات وأشعار.
وأضاف: «المتابع لصورة المشهد التراثي الإماراتي، يجد أن السيف مفردة أصيلة من مفردات هذا التراث، حيث لا يغيب عن الاحتفالات والمهرجانات، فالفرق التراثية، تقدم بعض الرقصات الشعبية التي تستند في أدائها إلى السيف، لذلك ارتبط السيف في الموروث الشعبي الإماراتي بالفرح والاحتفال، لذلك ظلت صناعة السيوف والخناجر واحدة من تلك المهن الحاضرة بقوة في مشهد الحرف والصناعات التراثية الإماراتية، فقد تحول السيف عبر الزمن من استخدامه المألوف إلى تحفة يبحث عنها مقتنو التحف، لتزيين البيت والمجلس، ويتجلى هذا في الزخارف والرسوم التي بات صناع السيوف يعتنون بها، بوصفهم يصنعون تحفة فنية جمالية، وليست أداة حادة، ويتفنن عماد في كتابة أجمل العبارات على السيوف التي يصنعها، كما له إبداعات ولمسات خاصة في صناعة الخنجر».

خض اللبن
خض اللبن من المهن التقليدية القديمة التي عاش عليها الآباء والأجداد سابقاً ولا تزال ممتدة في الحاضر، وحاضرة في جناح العادات والتقاليد، حيث قالت عفراء سيف المنصوري: «إن خض اللبن من المهن القديمة التي كانت تبرع فيها النساء على الخصوص، وهي من الأعمال التي تتطلب الصبر والقوة، حيث تجمع الحليب، وتضعه في مكان دافئ إلى أن يصبح رائباً، لتخضه في أداة تصنع من جلد الماعز أو الغنم أو البقر يطلق عليها (السقا) وبتحريك (السقا) تخرج كمية من الزبدة واللبن، يستخرج منهما الجامي والسمن البلدي، وما يميز هذه العملية أنها تتم بشكل طبيعي دون إضافة أي مواد حافظة»، لافتة إلى أن عشاق الأكلات الشعبية يقبلون عليها إلى اليوم.
وعن طريقة خض اللبن، قالت: «تحلب البقرة أو الماعز، ونصفي الحليب في قماش، ونضعه في وعاء ونغطيه في مكان دافئ، وبعد 24 ساعة نصب الحليب الرائب في السقا ويعلق على ثلاثة أعمدة خشبية على شكل مثلث يطلق عليها (الشيب)، وتعمل المرأة على تحريك (السقا) إلى الأمام والخلف في حركة متتالية وغير سريعة، وبعد فترة من التحريك، تشعر المرأة أن هناك كتلاً تتشكل في (السقا)، وذلك دليل على أن اللبن أصبح جاهزاً والزبدة كذلك، وتصفى الزبدة في (ماعون) آخر، ويستخدم اللبن للأكل والجزء الآخر للطبخ، ويصنع منه (جامي) الذي يطبخ على الحطب، ويتناول مع التمر في فصل الشتاء، وفي موسم القيظ يتناول مع الرطب، ففي السابق كان الجامي هو الطعام المفضل للأهالي في فصل الشتاء، أما اللبن فهو للصيف فقط».

جودة العسل
مشهود للعسل الإماراتي بالجودة، خاصة العسل الذي تنتجه الكهوف، حيث كان في السابق عنوان كرم الضيافة، كما استعمل ولا يزال في استشفاء بعض الأمراض، حيث يستخدم في الطب الشعبي بكثرة، ولكن اليوم أصبح الكثير من النحالين يتخذون منه مهنة مربحة، لا سيما مع اهتمام الدولة بهذا المنتج الذي يعد من أجود الأنواع في الدولة، وفي هذا الصدد قال أحد النحّالين في الجناح الذي يقدم رواقه لمحة عن المناحل والأدوات المستعملة في استخراج العسل وتصفيته، إن إنتاج العسل في الدولة مرتبط بثلاثة مواسم، ويعتمد على موسم سقوط الأمطار، حيث تشتهر الإمارات منذ القدم بثلاثة أنواع من العسل، وهي: السمر، والسدر، والغاف، ويبدأ موسم السمر من شهر أبريل إلى يونيو، أما الغاف، فيكون في شهر مايو إلى يوليو، وعسل السدر يبدأ جنيه من شهر سبتمبر إلى نوفمبر، وارتبط اسم عسل الغاف بشجرة الغاف المعروفة في دولة الإمارات، والتي تكثر في المناطق الصحراوية الرملية، موضحاً أنه يعرض الكثير من الأنواع، والخلطات، حيث يضيف حبة البركة إلى بعض الأنواع لزيادة فاعليتها.

بهارات المنحاز
نكهات وروائح تفوح من المكان، تجذب الزائر، فيتبعها متسللاً بين الجماهير العريضة التي يستقطبها الجناح، ليجد نساء ماهرات خلف مواقد نار يحمسن البهارات ويقمن بدقها في المنحاز، فيختلط الصوت بالرائحة العطرية لتخاطب الذاكرة وتعطي للمكان خصوصية. وتقول صفاء عبدالله الشحي التي تعتبر المهرجان فرصة للتعريف بالعادات والتقاليد الإماراتية والتفاعل مع مختلف الجنسيات، إنها تعمل على إعداد البهارات أمام الجمهور وبالطريقة نفسها التي تحرص عليها في البيت، حيث تعتبر أن دق البهارات في المنحاز أعلى قيمة من طحنه في الماكينة، ولفتت إلى أن عملية الإعداد تمر بعدة مراحل، تبدأ من اختيار البهار وشرائه، ثم غسله وتنظيفه ووضعه في الشمس في صوانٍ كبيرة لمدة يومين، ثم دقه في المنحاز أو طحنه بالماكينة.
وتابعت: «بهار المنحاز أعلى سعراً من الذي تم طحنه في الماكينة»، مشيرة إلى أنها توارثت هذه المهنة من خالتها ووالدتها التي تشارك في المهرجانات والمعارض، وأكدت أن كل بيت له بهارات خاصة به وخلطات معينة، فهناك الخلطات الخاصة بصالونة اللحم والأخرى الخاصة بالسمك، بينما هناك خلطات مشتركة مع بقية الأكلات مع زيادة أو نقصان قدر من بعض الأنواع.

عروض للموروث
الدكتور عبد العزيز الحداد، رئيس الفعاليات التراثية بدائرة الثقافة والسياحة، مصمم الجناح والمشرف على الفعاليات، قال إن المبنى العمراني لجناح العادات والتقاليد الذي يقع على 1500 متر مربع يحاكي مباني القطارة بمدينة العين، سواء من حيث الأبراج أو الأسوار الخارجية والخامات، وتمت خلال التصميم مراعاة حركة الجمهور، حيث تم تخصيص مساحة داخلية لتقديم عروض الفرق الموسيقية، وتم تطوير المبنى دون المساس بالأصل، بحيث استعملنا الخامات التراثية التي كانت تستعمل قديماً مثل جذوع النخل والحصير والجندل والنباتات التراثية والرمل، أما كسوة المباني، فهي مكونة من المادة الطينية في مدينة العين، بالإضافة إلى الشكل التراثي للكراسي والطاولات.

صناعة البخور
تفننت الإماراتيات منذ القدم في صناعة البخور، وتبقى من المهن التراثية المزدهرة نظراً للإقبال الكبير عليها، لا سيما أن معدلات استهلاكه تظل مرتفعة، فهو يستخدم كمعطر جو للمنازل والمساجد، وارتبط بالذاكرة الجمعية لأهل الإمارات خاصة، وللخليجيين بشكل عام.
وقالت مريم الكلباني: «إن صناعة البخور لا تتطلب المعدات الكثيرة، ما يسهل إنتاجه منزلياً»، موضحة أن لكل سيدة تعمل في مجال صناعة البخور خلطة سرية تميزها، لافتة إلى أنها تحرص على صناعة بخور بجودة عالية مراعية جميع المعايير حتى لا يضر بالصحة، وأنها سعيدة بعملها الذي يضعها وسط أجواء عطرة دائماً تفيض بالروائح الطيبة الأصيلة، ناهيك عن أنها تعمل على التعريف بمهنة تعتبر من التراث الإماراتي الأصيل.

أفكار حول فنجان قهوة
تعتبر الحضيرة المكان الذي يحضر فيه أهل القبيلة من الرجال للتسامر والحديث وتقاسم الأفكار والآراء حول فنجان قهوة التي تعد على الفحم الذي يتوسط هذه الجلسة، وتعتبر الحضيرة امتداداً لفكرة المقهى حالياً، كما تعد القهوة عنوان كرم الضيافة ومن التقاليد الأصيلة في الإمارات، وأوضح على سالم الظنحاني، صاحب أول منحلة عسل بدبا الفجيرة، وصاحب متحف تراثي، أن القهوة تتعلق بالجذور العميقة للتراث والعادات وكرم الضيافة التي اشتهر بها المجتمع.
وقال إن القهوة أحد أهم عناصر التراث الثقافي غير المادي الذي أدرجته منظمة اليونيسكو في القائمة العالمية للتراث لعام 2015، مؤكداً أن مثل هذه الفعاليات تعرف الجمهور بهذا المورث الثقافي الشعبي، لافتاً إلى أن جميع شعوب العالم تحضر لديهم القهوة، لكن معانيها وطريقة تحضيرها في الإمارات تتميز عن بقية الدول، كما تتفرد من حيث الإعداد والتحضير وأسلوب التقديم.

 

 

 

 

اقرأ أيضا

القرية العالمية.. «نسيج واحد» لثقافات متعددة