الاتحاد

دنيا

هل سقطت نظرية داروين في التطور؟


عام 1988 هبت على فرنسا رياح وأمطار سامة، رفعت معدلات الزنك إلى مستوى مرتفع في التربة، وقضت على معظم الفصائل النباتية·· وقام ثلاثة علماء بيولوجيا بريطانيون بدراسة وتحليل أسباب عدم تأثر خمس فصائل نباتية أخرى بتلك الكارثة البيئية رغم ارتفاع معدل الزنك في تربتها بنسبة 10 ملليغرام في الغرام الواحد من التربة مقابل 125 ميكروغرام فقط في تربة الجوار، وتبين في النهاية أن تلك الفصائل النباتية الخمس قد تأقلمت مع الزنك وبطريقة تتناقض مع قوانين نظرية 'تشارلز داروين'!
نظرياً، وبحسب قوانين 'داروين' ، فإن تلك النباتات أو غيرها من الكائنات الحية لا يمكن أن تتأقلم قريباً مع معطيات البيئة التي تعيش فيها، بل إن تأقلمها ونموها هو نتيجة فرز وحدات 'محظوظة' قادرة على ذلك وبدون أن يكون الفرز والقدرة على التأقلم وليد الصدفة·· وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون وحدات معينة من الفصائل النباتية الخمس قد صمدت في وجه غزو الزنك لكن بدون أن يكون الصمود شاملاً لكامل مساحات فرنسا الزراعية·
منذ أواخر الثمانينات إذن انكشف بطلان نظرية 'داروين'، لكن أحداً لم يكن يرغب في إعلان ذلك لأن انهيار تلك النظرية يعني انهيار نظام الفكر الغربي القائم بمعظمه على ركائز وثوابت 'داروينية'· غير أن اختبارات أخرى أظهرت بطلان مفاهيم 'داروينية' أخرى وخصوصاً من ناحية الاصطفاء الطبيعي أو 'البقاء للأقوى'·· فالصدفة هي التي تحدد الأقوى، وليس الفرز الطبيعي: 'في المنطق الدارويني لا يمكن حصول التأقلم مع الطبيعة مالم يكن الكائن الحي قابلاً للتأقلم مسبقاً بفعل تحول مناسب'، يقول العالم البيولوجي 'جيرار افرلاك'، ومن هنا رفض 'النيوداروينية' لفكرة اتجاه عملية تطور الأنواع نحو التأقلم كهدف·· وهذا ما يجعل أصحاب النظريات الدينية، المعادين أساساً لـ 'داروين' يؤكدون بأن الله هو المتحكم بعملية تطور الأنواع وبالتأقلم·
وبالمنطق نفسه أيضاً يصبح ممكناً تفسير قضية تأقلم الحشرات مع المبيدات·· وكان الأميركيون قد استعملوا مبيد 'د·د·ت' للقضاء على البراغيت التي انتشرت بمعدلات ضخمة في إيطاليا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، (وذلك ضمن مشروع مارشال) لكن ليكتشفوا أن كمية المبيدات اللازمة تزداد سنة بعد سنة، وليكتشفوا أيضاً أن البراغيت تفرز انزيماً خاصاً مضاداً لسم 'د·د·ت' لقد تأقلمت مع هذا المعطى البيئي الجديد·
خصوم 'داروين' يشيرون أيضاً إلى انه قد ثبت منذ العشرينات ان تطور النبات أسرع من تطور البيئة، لكن السؤال: هل أن البيئة هي التي تعطي الجينوم النباتي هذا التفوق التطوري، أم أن النبات قادر ذاتياً على التأقلم مع متغيرات البيئة؟!
البروفيسورة 'سونيا سلطان'، الباحثة البيولوجية في جامعة كونكتكت بالولايات المتحدة، ترى أن الفصائل النباتية الأكثر قدرة على التغير تسعى للسيطرة على باقي نباتات فصيلتها، وبذلك يكون النيوداروينيون الجدد قد ابتكروا ما يمكن اعتباره نظرية 'هشاشة التطور'، أي: التطور الأعلى من الجينة الوراثية·· وبلغة الكمبيوتر، كأن الجسيمات تتلقى برامج تقوم بتشغيل الهاردوير بمعزل عن متغيرات البيئة الخارجية·· وبالمنطق نفسه يمكن تفسير تأقلم الحشرات وصمودها في وجه المبيدات·
الحمض النووي
غير أن هذه النظرية وجدت أيضا ما يناقضها من خلال وجود أشكال متعددة من الحمض النووي ADN تقوم بتعديلات داخل نواة الخلية النباتية بفعل متغيرات حرارية ترافق عملية نموها·· البرفيسور الايطالي 'فرنشيسكو دماتو'، الذي قام باختبارات من هذا النوع، يشرح هذه الظاهرة بقوله: 'كلما كان ADN أقل تعددية في الكروموزومات، كلما بقيت النبتة أصغرويحتاج نموها إلى وقت أطول'·
وفي تجارب أخرى تبين انه بإمكان البيئة أن تؤدي إلى خلط جينومات متعددة فيما بينها بحيث تتولد فصائل نباتية جديدة حبوبها أضخم وعدد أوراقها أكبر·· وهذا ما شكل كابوساً علمياً بالنسبة للنيوداروينية، وهذا ما يفسر انه كلما تغيرت البيئة كلما ازدادت تعددية فصائلها النباتية· وكل ذلك يقع خارج إطار نظرية 'داروين'، حيث ان هناك عوامل عديدة وراء تطور الأنواع وليس فقط- كما قال - عملية التأقلم والفرز الطبيعي·· والبراهين التي يقدمها النبات على بطلان الدراوينية هي مجرد نقطة في بحر البراهين المماثلة التي يقدمها الحيوان وخصوصاً الفصائل الجرثومية·
منويات وهورمونات
الجينوم الحيواني دليل نموذجي على الثبات والاستقرار وتطوره يحصل بفعل وراثية الخصائص المكتسبة من البيئة·· هذا ما يقوله 'داروين' وهذا ما يرفضه بشدة خصمه التاريخي 'لامارك'، الذي أثبتت البيولوجيا الخلوية الحديثة كم كان على حق عندما 'تجرأ' ووقف في وجه 'داروين'!
من جهتها، تقول النيوداروينية انه حتى لو كان الجسم قادرا على التأقلم مع البيئة ذاتياً، فإنه ليس قادراً على توريث قدرات هذا التأقلم إلى أبنائه وأحفاده·· وعلى أساس أن المنويات الذكرية والبويضات الانثوية تبقى محمية عن مؤثرات متغيرات البيئة·· لكن ماذا عن ثبوت تأثير الهورمونات عليها؟! وماذا عن التجارب التي أجريت في اليابان عام 1978 وأظهرت ان استئصال الغدة المفرزة للكالسيوم لدى الجرذ أدت إلى نقص الكالسيوم لدى الأجيال الأربعة اللاحقة رغم وجود غدة الكالسيوم في جسمها؟!
وفي تجربة أجريت في اليابان أيضاً أدى حقن ADN جديد في بطن فراشة إلى تغيير لون عيون مواليدها من الأحمر العادي إلى الأسود·
بين 'داروين' و 'لامارك'
'تشارلز داروين' (1809- 1882) و 'جان بابتست لامارك' (1744- 1829) كانا متوافقين على أن الأنواع تتطور وعلى أن ذلك التطور يحصل بفعل متغيرات البيئة كالعناصر الغذائية مثلاً· وكما 'داروين'، كان 'لامارك، يعتبر ان التطور هو نتاج التأقلم·· وكلاهما كانا يعتبران أن طول عنق الزرافة هو نتاج وجود غذائها في أعالي الشجر·· ولم يكونا قد عرفا بعد بنظرية الوراثة·
لكن، فيما اعتبر 'لامارك' ان التقدم نحو الأفضل هو سبب التطور، ارتأى 'داروين' ان الفرز الطبيعي هو سبب التطور وعلى قاعدة البقاء للأقوى·· ولم تنتشر نظرية 'داروين' ومتفرعاتها من النيوداروينية وغيرها إلا بعد وفاة 'لامارك'·
ويبقى أن قوانين نظريات البيولوجيا الخلوية الحديثة قد أظهرت صوابية أفكار 'لامارك' وبطلان الكثير من مفاهيم الداروينية·
وانه، في ظل تعددية وغزارة البراهين الدالة على بطلان نظريات 'داروين'، هل يعني ذلك وجوب بعث 'داروين' حياً وقتله من جديد، على غرار 'غاليلو غاليلي' الذي أحرقته روما الامبراطورية عقاباً على قوله بأن·· الأرض تدور؟!
أورينت برس

اقرأ أيضا