الاتحاد

الشباب عصب الأمة ومرآتها (1)


كم من سائر طاف في أرجاء المعمورة باحثا عنها، عن أرض المرايا التي تعكس أشعة الزمن التي ارتدت من على أسطح كل كائن في تلك الأرض، يقف أمام كل واحدة منها فيرى نوعا من أنواع انعكاس الأشعة عن أسطح تلك المرايا، بل ويرى أنواعا متعددة من الأسطح، فمنها المصقول صقلا تاما، ومنها الذي عاث به غبار الزمن، فبات خشنا اذا انعكست عنه الأشعة، فإنها تتشتت فلا تعطي ملامح واضحة للصورة التي تعكسها، ويتمحص المرء في كل واحدة من هذه المرايا، ويتأمل كل صورة تعكسها، ويرى الأسرار التي خبأتها الأشعة المرتدة المكونة لصور منعكسة على المرايا في أعبابها، والحق انه يرى في كل مرآة عبابا يرطم سفنا، فيعبث بها كما يعبث المرء بدمية، واذا به يحولها بين ليلة وضحاها الى أشلاء طافية على سطحه، يعبث بها في ذهابه وإيابه، يقف السائر أمام إحدى تلك المرايا، ويتمحص فيها مليا ليرى انعكاسات تعطي صورة واضحة لواقع أمة وحاضرها، والكثير من السائرين من يمكنه ان يرى من بين طيات الصورة التي تعكسها المرآة، مستقبل الشاخصين فيها ·
انهم الشباب مرآة أهليهم ومجتمعهم وحاضرهم، وصناع مستقبل أمتهم، فلئن مستهم ضراء، ارتدى مجتمعهم مصاب جلل، ولئن مستهم سراء، حلج السحاب وأمطر وأصاب الأرض فباتت ندية، اذا سار المرء عليها لا يسمع لخطوة وقعا، ولكنه يخلف وراءه آثارا بينة، والشباب هم أحد المقاييس التي يمكن من خلالها ان تقاس الأمم والمجتمعات·
ولما كان للشباب هذا الدور الكبير في تحديد مصائر شعوبهم، فقد أمر الاسلام المرء بالاهتمام بهذه الفترة البالغة الأثر في حياة الانسان نفسه وحياة أمته ومجتمعه، وبذلك فإنه تعالى جل في عليائه يحاسب المرء يوم الدين على فجر حياته، الذي كانت تشع فيه الأنوار الالهية مجلية غياب الأسدال على الانسان، لتمد خيوطا من النور تلاعب ذرات بشرة المرد، فينبت الشعر فيهم، معلنا عن بزوغ الفجر، فمن الشباب من هو كالأرض الطيبة التي تقبل الغيث والمدد الإلهي، ومنهم من هو كالقيعان التي لا تنبت كلأ، فهي قاحلة مجدبة، ولهذا قال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك·
ولعل تاريخ حضارة الاسلام الأغر، قد سجل لها حمل المعنى الجليل للشباب من اطاره النظري، الي واقع تطبيقي ملموس، فالاسلام الذي أعلن الحرب الضروس على خصومه، اتخذ من شبابه نصالا يرمي بها أباطيل خصومه، وجعل منهم حماة له يذودون عنه، ويحمونه غوائل الأعداء، ويقونه عادية الفناء، فكان بهذا الصحابي الشاب أسامة بن زايد قائد المسلمين في الوقيعة التي دارت بينهم وبين الروم، وكان بذلك أيضا فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح صاحب فكرة اقتحام أسوار تلك المدينة الحصينة، وكان كلا من هذين القائدين لم يتجاوز العشرين من عمره، إلا ان الواحد منهما اذا ما سار في درب، تفاخرت بخطواته تلك الدرب، وحسدتها نظيرتها على شرف مضي هؤلاء العظماء عليها·
وانه لمن اللجاجة ان يتغاضى المرء عن عامل الفتوة والقوة ويعتقد ان العقل والتبصر هما كل شيء، فالله تعالى يقول عن طالوت: ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، وهكذا فان القوة البدنية عامل مهم في الابداع والابتكار والانجاز لعمل ما، وهنا نجد ان الشباب هم الأقدر على الابداع والابتكار، لامتلاكهم عامل الفتوة والقوة البدنية، ولهذا عملت قوى الشر على القضاء على فتوة الفتية والشباب وتدمير ما بهم من ارادة بكافة الوسائل، من مسكرات ومخدرات حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: كل مسكر ومفتر حرام·
أحمد منصور الشحات - أبوظبي

اقرأ أيضا