وجدت نفسها كذلك في غمرة الأمكنة ترسم وتستحضر ذكريات المكان، عشقت الفن، كما قالت لـ"الاتحاد نت، فبدأت تخربش بالألوان في ربيعها السابع، لتطور مهاراتها لاحقاً في رسوماتها الأولى، وفي مرحلة أكثر نضجاً في بداية الثمانينيات مع افتتاح "جامعة الإمارات"، حين التحقت بها كطالبة، فوجدت فضاءً متنوعاً وزاخرا بالنشاطات، ومميزا من ناحية المشاركات وكم المعارض الفنية وقتها، فوجدت في ذلك دفعاً لتنمية موهبتها. إنها الفنانة التشكيلية الإماراتية خلود الجابري، التي دخلت الساحة الفنية من أوسع أبوابها وقتها، حيث كانت من أوائل المشتغلين في المرسم الحر التابع للمجمع الثقافي لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ومن المؤسسين لقسم التصوير الفوتغرافي فيه ولجماعة أصدقاء الفن، لكن ستمنعها ظروف عائلية خاصة فتغيب لقرابة عقدين من الزمن عن الساحة، لكنها تعود الآن بكل شغفها الأول للرسم، مما يؤكد أنها فنانة بالفطرة وأن الفن جزء من ذاتها. تصمم أزياءها لنفسها مع الرسم تمتلك خلود الجابري هواية التصميم، وتهوى تنميق قطع الأثواب والملابس، حيث تصمم أزياءها الخاصة بنفسها، مع انها تقول إنها تجد نفسها أكثر في الرسم من التصميم، ومع ذلك تبدو الملابس التي من تصميمها احترافية، مزركشة في أطرافها بقطع معدنية تراثية مستوحاة من البيئة في الإمارات ومن زياراتها لبلدان أخرى، حيث تستلهم روح التصاميم وتحاول أن تمازجها مع الزي الإماراتي. أثواب وقصات تعتبر أن الثوب الإماراتي مميز في شكله وتصاميمه، كما انه يشبه الكثير من الأزياء العربية، لأن بينها تقارب ويطبعها طابع شرقي واحد، فالخيط "التلي"، وهو تصميم في الزي النسائي التراثي مصنوع من خيوط الفضة يوجد في بلدان قريبة كالبحرين أو الكويت، لكن يختلف من مكان لآخر من حيث القصات ونوعها، والخيوط التي تستخدم في الثوب، أما الألوان فتكون بحسب نوع الأقمشة. وقد انعكس اهتمامها بالأزياء وتصاميمها المستوحاة من التراث على الرسم وعلى لوحاتها، فهي تستدعي التراث وأدوات البيئة المحلية في رسوماتها في أكثر من جانب، وتوظف خامات مختلفة تظهر كحلل أو أساور محفورة في اللوحات. وتستطرد خلود بأنها توظف هذه الأدوات، وهذه الأساور والحلل الفضية القديمة وهي قطع "الانتيك"، والتي تتكون من الفضة وهي متشابهة في الخليج عموماً، لأن الناس في الأيام الماضية كانت تمتلك مخزوناً غير عادي من المعادن كأدوات زينة خاصة من الذهب والفضة، مما يحيل لموروث وبيئة أحتفي بها في لوحاتي كورقة تعريف. حضور للتراث وشغف بالأمكنة وتتكرر هذه الرموز التراثية والخامات في لأعمال الإبداعية لخلود في جميع مراحلها الابداعية في مجال الرسم، فمن حلي المرأة إلى أثاث البيت، الى أدوات الحياة خارجه كالمركب وسواري السفينة التقليدية، وشكل البيوت وهندستها المعمارية في حيز "لفريج" في الأيام الماضية تتشكل لوحاتها بفسيفساء خاصة فيها عبق المكان والتاريخ. توظيفات "لفريج" وعن شغفها بالأمكنة قالت خلود إن ذاكرة فريج "المرر" في دبي ظلت خالدة في ذهنها لفترة طويلة وهي طفلة ماتزال، لذلك فعملية الحنين لمثل ذلك الفضاء بقي عالقا في ذهنها وتوظفه في رسوماتها، لأنه يحيل لدلالات مقتطعة من ذاك الزمن مرتبطة بالتآلف وحميمية الفضاء وبساطته في نظام الأسرة الكبيرة الواحدة، حيث كانت البيوت متقاربة وكانت الأسرة كلها تعيش مع بعض، لذلك وظفت مثل هذه الأشياء في لوحاتها واستخدمت التراث لأن مهمة الفنان كما تقول هي إخراج مخزونات الذاكرة بكل أبعادها الإنسانية، ولذلك هي تستدعي "لفريج" في لوحاتها، لأن الإنسان لا ينسى بيته وبيئته الأولى. المجسمات والتصميم الداخلي ومع الرسم وتصميم أزيائها الخاصة تشتغل خلود أيضا على فن التصميم الداخلي للأثاث، حيث تشكل وترسم على الخشب والكراسي والجدران، وتستخدم في ذلك خامات عديدة ووسائل شتى كجذوع الأشجار وهو ما كان يعرف بالفن الفطري، وكانت بدايتها في الرسم على الكراسي، وتقول إن هذه التجربة كانت بالصدفة، حيث شاركت في تظاهرة قدمت فيها مجموعة محاضرات فنية تحت رعاية سمو الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان حرم سمو الشيخ فريق أول محمد بن راشد آل نهيان، وكانت المحاضرات عن التصميم الداخلي ففكرت في رسم الكرسي كنموذج عرض توضيحي في هذه المحاضرات، لتكتشف أشياء لم تكن في بالها في هذا المجال، وجربت في تجارب ثانية الرسم والتشكيل على الطاولات، وقد قدمت مجموعة محاضرات في هذا الجانب للطلبة في "جامعة زايد" وبعض المؤسسات الأخرى، وهي ورشات تعريفية بهذا الفن تعزز من قدرات الطلاب والتلاميذ من الأجيال الجديدة في تنمية مداركهم الفنية. تدريس الفن وحول تجربتها في تقديم الدروس والورشات قالت لـ"الاتحاد نت" إنها تجربة قديمة، تعود لأيام ماضية كانت فيها طالبة في المرسم الحر في أواسط الثمانينات، واكتتابها بعد تخرجها كمدرسة للرسم والفنون التشكيلية في نفس المرسم، فكبرت معها مهمة تعليم هذا الفن، لذلك تقول انها تحب التعليم وتجد سعادتها فيه، وفي ايصال المعلومات، لأنها تلاحظ أن هناك الكثير من الطاقات عند الناس بإمكانها أن تطور وتوجه إذا وجدت الرعاية، وهذا بالنسبة لها يلامس صلب اهتمامات الرسالة الفنية، لأن مهمة الفن هي كذلك فهو عطاء بدون حدود تقول خلود، وتتمنى لو أن تؤسس عدة مراسم في الدولة، ليس في كل مدينة وحسب، بل في كل حي، وتوكل لها في هذا المشروع مهمة الفئة العمرية بين 12 عاماً و18، لأن هذه السن هي التي توجه أغلب مسارات الفنانين، إذا تمت رعايتهم فنياً، فمثل هذا العمل وهذه المراسم المفتوحة لو تم القيام بها ستخلق أجيالا فنية فريدة، وفنانين تشكيليين مستقبليين مميزين. التصوير..تكامل مع الرسم مع الرسم تعشق خلود الجابري فن التصوير الفوتغرافي وتراه بمثابة امتداد وتكامل للرسم، لأن المشهد الفني للوحة التشكيلية مرتبط بالصورة الفوتغرافية في عناصرها الرئيسية، وهي تعتبر هذا الفن نوع من الأرشفة التي لا غنى عنها، كما أن المصور أيضا تراه فناناً موهوبا في اختياره للقطة والزاوية ومساحات العدسة، وفي الفن عموما الموهبة هي كل شيئ لذلك على الشخص أن يطور مهاراته دائماً، وقد دخلت عدة دورات في مجال التصوير الفوتغرافي، ومازالت تحب أن تدخل في دورات أخرى، لأنها لا تعتبر نفسها محترفة، بل هاوية فقط، وتحب أن تطور مهاراتها في هذا المجال. التزامات خاصة ونتيجة لالتزامات عائلية خاصة انقطعت خلود عن الرسم لمدة تربو على عشرين سنة، لكنها تقول عن هذه الفترة أنها انقطعت فقط عن ممارسة العمل الفني عينياً، لأن ماهيات الفن الجمالية كما تقول لا تعتمد فقط على إنتاجه، بل تتخطى ذلك سلفاً الى الممارسة التأملية والمعرفية، وفي هذه الفترة تقول إنها كانت تحن من وقت لآخر للرسم، حيث أنجزت في هذه الفترة وخلال فترات متباعدة لوحات أقل من أصابع اليد، رغم اشتغالها واطلاعها المستمر على كل ما هو بصري في الحياة، سواء كان موجودا في حالته البدائية، أم كان متشكلا في عمل فني مقصود. عودة.. وعن عودتها تقول إنها عادت لعالمها الحقيقي الذي تحبه، ففي رجوعها الأول ذهبت للسوق، وأخذت أدوات الرسم من فرش وأحبار من كل صنف، كمن هو في لحظة إفطار بعد صوم طويل، وفرحت حين التقت برواد الحركة التشكيلية من جيلها والذين احتفوا بها من جديد، كالفنان التشكيلي محمد الأستاد الذي تدين له بعودتها الأخيرة، حيث شجعها على الرجوع كما قدمها في قراءات تشكيلية نقدية إعلامية. وبخصوص التزاماتها العائلية المتمثلة في تربية الأطفال ورعايتهم ومشاغلها العملية قالت انها تأخذ منها الكثير من الوقت، وبالتالي في الكثير من الأحيان لا تبدأ في الرسم سوى في الليل الذي تعتبره بمثابة صديق، وهي ترى أنها في خدمتها لهذا الفن هي تخدم وطنها، لأن كل فنان يطمح أن يتفرغ لخدمة بلده، ولا تتحكم فيه وظيفة محددة ولا ساعات عمل، ولذلك تطالب بانتهاج سياسات التفريغ للفنانين، والتي أصبحت تعمل بها الكثير من الدول، حيث تفرغ فنانينها من العمل لممارسة الفن، وهو أسلوب تشجيعي يدفعهم للاشتغال بشكل دائم على أعمالهم الفنية ومواكبة تطويرها. أفضل تشكيلية عربية 2010 جدير بالذكر أنه على مستوى موهبتها الأولى وهي التشكيل والرسم، فقد اختارت مجلة "لوفيسيال الشرق الأوسط" للمرأة خلود الجابري، لجائزة أفضل إمرأة عربية في الفنون التشكيلية، في العام 2010، على مستوى أبوظبي.