الاتحاد

تقارير

بريطانيا والاتحاد الأوروبي.. معضلة الاستفتاء على «المغادرة»

لعقود، ظل المتشككون في الاتحاد الأوروبي في حزب «المحافظين» ينتقدون عضوية الاتحاد الأوروبي، وكانوا ينتقدون ما يرون أنه لوائح تتدخل في الأعمال التجارية، وتآكل السيادة البرلمانية والهجرة التي خرجت عن نطاق السيطرة من سائر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. لذلك، في محاولة للحفاظ على وحدة حزبه المحافظ، وعد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بإعادة التفاوض بشأن عضوية بريطانيا ويتبع ذلك إجراء استفتاء، وأشار إلى أن الاستفتاء حول بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي سيتم إجراؤه في 23 يونيو المقبل، وقال «كاميرون» متحدثاً من أمام مقر الحكومة إن مجلس الوزراء أقر موقف الحكومة بالتوصية ببقاء بريطانيا في الاتحاد بعد إصلاحه.
والآن، يبدو الأمر كما لو كانت بريطانيا ستصوت على الاستمرار في عضوية الاتحاد الأوروبي في شهر يونيو، وعقب فترة محمومة من الجولات الدبلوماسية المكوكية، أعلن كاميرون في وقت سابق من هذا الشهر الخطوط العريضة لاتفاق بين المملكة المتحدة وسائر الدول الأعضاء البالغ عددهم 27 دولة حول شروط عضوية بريطانيا. وهناك ستة عوامل أساسية تحدد ما إذا كانت بريطانيا ستظل في الاتحاد الأوروبي أم لا.

أولاً: لعبة الإقناع التي يلعبها «كاميرون» إن كاميرون يلعب لعبة متقنة تتألف من مستويين. وهو، في المستوى الأول، بحاجة إلى إقناع زملائه من رؤساء حكومات الاتحاد الأوروبي بالموافقة على الاتفاق، وفي حين أن معظمهم يريد أن تبقى المملكة المتحدة داخل النادي، إلا أن آخرين من قادة الاتحاد الأوروبي يقاومون بعض مطالب كاميرون، لا سيما الخطة التي تقضي بتقييد المزايا لمواطني الاتحاد الأوروبي العاملين في المملكة المتحدة، ولا شيء متفقاً عليه حتى يوافق الجميع خلال قمم الاتحاد الأوروبي.
لذلك، في مقابل تأييد أي اتفاق، ربما يحاول واحد أو اثنان من رؤساء الحكومات انتزاع تنازل جانبي أو اثنين على شيء لا علاقة له إلى حد كبير بعضوية بريطانيا، ويهدف إلى مكافأة لوبي أو جماعة مهمة سياسياً في بلدها. وفي أفضل الأحوال، ربما يؤدي هذا إلى تأخير حتى عقد قمة أوروبية أخرى، وفي الأسوأ، ربما يكشف هذا الاتفاق بأكمله.
وفي المستوى الثاني، بمجرد توقيع الاتفاق، سيتعين على كاميرون إقناع الناخبين البريطانيين. ويتضمن التصميم، الدبلوماسية المكوكية، والقمة الأوروبية، وفي الأسابيع الأخيرة، ظهرت تلميحات إلى أنه ربما لا يوقع الاتفاق إذا لم يقدم باقي أعضاء الاتحاد الأوروبي تنازلات كافية. كل هذا يهدف إلى إقناع الناخبين البريطانيين بأن كاميرون انتزع بعض التنازلات المهمة، وهو يحاول ترويج رواية عن النجاح المهم الذي حققه بشق الأنفس.

ثانياً: وحدة «حزب المحافظين»
قال «كاميرون»، علناً، إن أهداف الاستفتاء تتمثل في الدفاع عن المصالح القومية وإعطاء الشعب البريطاني الحق في إبداء رأيه بشأن عضوية الاتحاد الأوروبي، ولكن، عندما تعهد «كاميرون» أولاً في عام 2013 بأن يجري استفتاء حول عضوية الاتحاد الأوروبي، كان يحاول أن يضمن أن الخلافات الداخلية في حزب «المحافظين» بشأن أوروبا لن تهيمن على التحضير لانتخابات مايو 2015.
وسينظم العديد من النواب في حزب «المحافظين» حملة لترك الاتحاد الأوروبي، لكن حملة «المغادرة» تأمل في الحصول على نجم سياسي أكبر، ووفقاً للتكهنات الأخيرة، فإن وزير العدل «مايكل جوف» ووزيرة الداخلية «تيريزا ماي» وعمدة لندن «بوريس جونسون» وغيرهم من أعضاء الحكومة ربما يشنون حملة من أجل المغادرة.
وربما يفعلون ذلك من أجل تعزيز فرصهم لتولي منصب رئيس الوزراء عندما يتنحى «كاميرون» أن يكون شخص رمزاً لحملة «المغادرة»، ربما يظهر ذلك شجاعة وتملقاً للحصول على عضوية حزب «المحافظين» المتشكك عادة تجاه الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، يشير بحث أجراه مؤخراً «تيم بيل» وزملاؤه من جامعة «كوين ماري» بلندن إلى أن معظم أعضاء الحزب العاديين سيقررون على أساس الشروط النهائية للاتفاق الذي سيتوصل إليه كاميرون في بروكسل.

ثالثاً: خروج بريطانيا - أم حكومة كاميرون؟
قد يكون هناك سؤال واحد في ورقة الاستفتاء، لكن الناخبين سيستخدمون الاستفتاء للتعبير عن إحباطهم من الحكومة التي تتولى السلطة. هذا، على الأقل، هو ما نراه في استفتاءات الاتحاد الأوروبي في جميع أنحاء أوروبا، وهذا الاستفتاء هو وثيق الصلة بكاميرون نفسه، لا سيما أنه هو الذي سيبرم الاتفاق مع زملائه من قادة الاتحاد الأوروبي، وربما يحبذ حزب «العمال»، حزب المعارضة الرئيسي في بريطانيا، بأغلبية ساحقة البقاء في الاتحاد الأوروبي، لكن الناخبين التقليديين من الحزب ربما يكونون أقل ميلاً بكثير للذهاب إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم بشأن اتفاق كاميرون.
وقد أعلن رئيس الحكومة قبل الانتخابات الأخيرة أنه سيتنحى في نهاية فترة الولاية هذه. والهزيمة في الاستفتاء من شأنها، من شبه المؤكد، أن تنهي بقاء كاميرون في «10 داونينج ستريت» قبل الأوان، والعلم بأن مصير «كاميرون» يتعلق بالنجاح أو الفشل ربما يقنع بعض معارضيه داخل حزب «المحافظين» بالتصويت من أجل المغادرة وعزله من منصبه.

رابعاً: الرأي العام ربما يكون متقلباً
استعان «كاميرون» بمصادر خارجية فيما يتعلق بالقرار النهائي حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي لمواجهة التقلبات في حملة الاستفتاء، ويبدو الرأي العام، ربما بتأثير انتقادات الصحافة لمشروع الاتفاق، أنه يتحرك نحو الخروج، بيد أن الرأي العام متقلب. بمجرد بدء وقت الحملة، فإن هذا الاتجاه قد يتحرك سريعاً في الاتجاه العكسي - خاصة عندما تبدأ مجموعة من السياسيين المعتدلين وقادة الأعمال في تحذير الناخبين من المجاهيل المخيفة المرتبطة بترك الاتحاد الأوروبي.
ويأتي الناخبون البريطانيون ضمن أكثر المتشككين في الاتحاد الأوروبي، ولكن باستثناء عدد قليل من الخائفين من الاتحاد الأوروبي، فإن الغالبية العظمى تأتي ضمن ما وصفه الباحثان «بول تاجارت» و«أليكس شيزيربياك» من جامعة «ساسكس» بـ«المتشككين الناعمين»، فهم لا يحبون الاتحاد الأوروبي كثيراً، لكنه أيضاً لا يأتي على قائمة أولوياتهم، والكثير من الأمور ربما تعتمد، لذلك، على مدى قدرة الحملة التي تؤيد «البقاء» على تعبئة الناخبين غير المتحمسين في يوم الاستفتاء.

خامساً: (الأحداث يا عزيزي الأحداث)
عند سؤاله من قبل أحد الصحفيين عن أكثر التحديات التي تواجهه، أجاب رئيس الوزراء المحافظ السابق «هارولد ماكميلان» بعبارته الشهيرة «الأحداث، يا عزيزي، الأحداث»، ونظراً لمدى الميوعة التي يمكن أن يكون عليها الرأي العام، فإن النتيجة قد تعتمد على أي عدد من الأحداث الخارجية، وربما تتمثل هذه في تدفق كبير آخر من المهاجرين إلى أوروبا، أو هجوم إرهابي، أو انكماش في الاقتصاد العالمي، أو ازدياد حدة الأزمة في منطقة «اليورو»، أو حتى سوء الأحوال الجوية في يوم الاستفتاء، أي من هذه ربما يكون حاسماً، وإذا كان الاستفتاء يوم 23 يونيو، كما هو متوقع على نطاق واسع الآن، فإن مصير عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، كما يشير «دان هوف» من جامعة ساسكس، قد يعتمد حتى على مدى أداء إنجلترا في بطولة كأس الأمم الأوروبية: فالفريق يواجه مباراة ربما تكون حاسمة ضد سلوفاكيا قبل موعد الاستفتاء بثلاثة أيام. إن رحيل إنجلترا من البطولات الأوروبية قد يزيد من فرصة مغادرة بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

سادساً: التوقيت
قد يكون التوقيت حاسماً. إن كاميرون حريص على إجراء الاستفتاء عاجلاً وليس آجلاً، وهو يريد أن تكرس حكومته مزيداً من الوقت لقضايا أخرى وأن تنحي الانقسامات داخل حزبه. وكلما تأخر وقت إجراء الاستفتاء، طور المتشككون «المحافظون» حججهم تجاه الاتحاد الأوروبي. ومن جانبها، انتقدت الوزيرة الأولى الاسكتلندية «نيكولا ستورجيون» إمكانية إجراء استفتاء يونيو، وشكت أن اقتراع يونيو سيتدخل في انتخابات البرلمان الاسكتلندي المقرر إجراؤها في مايو، وذكرت بشكل أساسي أن المملكة المتحدة لا تعطي الانتخابات الاسكتلندية الاحترام الواجب.
تلك خطوة استراتيجية، وأسباب ذلك أن الاسكتلنديين سيصوتون من أجل البقاء، وإذا طغت باقي المملكة المتحدة عليهم وصوتت من أجل المغادرة، يمكنها القول إن لندن لا تبالي حقاً باسكتلندا - ومن ثم دفع القضية لإجراء استفتاء آخر على استقلال اسكتلندا، والذي يكاد يكون من المؤكد أن القوميين سيفوزون فيه.
إن قرار كاميرون بتعهده بإجراء استفتاء كان مقامرة تهدف إلى المساعدة على الفوز في الانتخابات العامة البريطانية عام 2015، وهو الآن قد رهن مستقبله ومستقبل مكانة بريطانيا في أوروبا على نتيجة الاستفتاء.
إن هذا الاستفتاء قد يؤدي إلى انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وتفكك حزب «المحافظين» وحتى تفكك المملكة المتحدة، وربما تكون المخاطر أعلى من ذلك بكثير.

*أستاذ مشارك في السياسة الأوروبية بجامعة برمنجهام
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا